بهائيون وشيعة
لا يتبادل الشيعة والبهائيون مشاعر الود... تاريخ العلاقة بين الجماعتين هو تاريخ صراعات دينية وسياسية وإعدامات واغتيالات.منذ ظهور البهائية، ومن بعدها البابية، في إيران في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وجد الشيعة والبهائيون أنفسهم في حالة صدام كان العنف أحد سماته الرئيسة، وبغض النظر عن المضمون العقيدي لكل من المذهبين، فقد كانا على طرفي النقيض من جملة من المسائل الاجتماعية تبدأ من النظرة إلى دور المؤسسة الدينية ومساواة المرأة بالرجل وتصل إلى الولاء للنظام السياسي، سواء السابق في عهدي الأسرتين القاجارية والبهلوية (التي قيل إنها استخدمت البهائيين كأدوات لها ضد رجال الدين) أو الحالي في ظل الجمهورية الإسلامية التي لا تخفي عداءها للطائفة البهائية.مصر التي نشأت فيها جماعة صغيرة من البهائيين، شهدت هي أيضا فصولا من المسألة البهائية، منذ العام 1960 عندما حُظِر نشاطهم وصودرت ممتلكاتهم. وتجدد الحديث عن الموضوع البهائي في مصر قبل أربعة أعوام مع طرح مشروع مكننة البطاقة الشخصية التي يفترض أن تشير إلى الهوية الدينية لحاملها. وبما أن القانون المصري لا يعترف سوى بثلاثة أديان (اليهودية والمسيحية والإسلام) فإن البهائيين لا يستطيعون الحصول على البطاقات الجديدة وهو ما يضعهم عمليا في خانة الأشباح الذين لا وجود لهم في رأي الدولة المصرية.واتخذت المسألة بعدا درامياً قبل أيام بانتقالها من ردهات وقاعات المحاكم التي تنظر في دعاوى تقدم البهائيون المصريون بها، إلى شوارع وقرى محافظة سوهاج التي استجاب بعض أهاليها لمضمون حديث وُجِّه عبر التلفزيون وينطوي على دعوة إلى قتل البهائيين باعتبارهم من الكفار والخارجين عن الدين والملة.يتعين الانتباه إلى أن الحديث يدور هنا عن مجموعة لا يتجاوز عدد أفرادها بضعة آلاف من الأشخاص، كحد أقصى، في بلد يتجاوز عدد سكانه السبعين مليون نسمة، ما يبرر التساؤل عن حجم التهديد الذي يمكن أن يشكله البهائيون بعددهم الضئيل هذا، لأي منظومة من العلاقات والقيم الاجتماعية والدينية.في الوقت ذاته تقريبا، أعلنت السلطات المصرية أنها اعتقلت حوالي الخمسين شخصا يشكلون شبكة تابعة لـ«حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية. غير أن مهمات هذه الشبكة تدعو إلى الحيرة. فهي، بحسب الإعلان المصري، تتولى الإعداد لتنفيذ هجمات مسلحة وترصد الحدود المصرية مع قطاع غزة وتعمل على نشر الفكر الشيعي والتشيع في مصر. ليس لمن لم يطلع على تفاصيل التحقيقات المصرية أن يقطع بصحة أو عدم صحة الاتهامات التي يجري تداولها، بل ليس من المقبول إصدار أحكام بالبراءة أو الإدانة على صفحات الصحف ومصادرة دور القضاء، بيد أن ذلك لا ينبغي أن يحول دون رسم علامة استفهام كبيرة حول السياق العام للإعلان عن ضبط الشبكة هذه وعن المهمات شديدة التنوع والتباين التي يقال إنها كانت مكلفة القيام بها. فبين الإعداد لتنفيذ هجمات مسلحة وبين نشر الفكر الشيعي، بون شاسع لا يملؤه سوى خيال خصب، أو عملاء من طراز خرافي.مهما يكن من أمر، لا يكمن لب المسألة في وجود أو عدم وجود تهديد من شبكات من الصنف المذكور، كما لا يكمن في ما تمثله طائفة صغيرة من اختلال باستقرار مجتمع واطمئنانه إلى قيمه وتقاليده. تقع المسألة، بل المشكلة، في مكان آخر. إنها بالضبط في لقاء البهائيين والشيعة كمصدري تهديد من طبيعتين مختلفتين.ومن دون الإطناب في نقاش حول كفر البهائيين أو إيمانهم ومعنى وجود جماعة غير مؤمنة بين جمهور المسلمين، ومن دون الانغماس في تحليلات أمنية حول نشاط «حزب الله» خارج لبنان، تظل مهمة ملاحظة نقطتين تبرزهما قضيتي البهائيين والمجموعة التي قيل إنها تابعة لـ«حزب الله».الأولى هي حالة البرم، أو ضيق الصدر الشديد، الذي باتت تتميز به المجتمعات العربية حيال كل مظهر من مظاهر الاختلاف والصعوبة الشديدة التي تواجه الأكثرية العربية في التعامل مع الأقليات بمختلف تلاوينها العرقية والطائفية والقومية. هذه ظاهر تعم العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه. والشواهد أكثر من أن تحصى.يمكن اختصار النقطة الثانية، بالحساسية الأمنية المفرطة التي تفاقم ارتباطها في العديد من الدول العربية، بالأوضاع الداخلية. ولعلها ليست مصادفة أن يجري الإعلان عن كشف «الشبكة الشيعية» بعد يوم من الإضراب الذي دعت إليه قوى وهيئات مصرية للاحتجاج على الأوضاع السياسية والمعيشية في البلاد. وهو إضراب أقل ما يقال فيه إنه لم يتجاوز أي حدود أو خطوط حمراء.ولعله يجوز الادعاء أن ما يفترض أن يثير القلق المصري والعربي، تاليا، ليس طائفة صغيرة أو مجموعة تنشر فكرا دينيا مختلفا، بل العوامل التي جعلت من ظواهر كهذه تحتل حيزا كبيرا من الاهتمام.* كاتب لبناني