العقار الصناعي... الأزمة لم تمر من هنا بسبب شح الأراضي وغلاء الأسعار وندرة الفرص المحلية والبيروقراطية
ربما كانت الضارة النافعة هذه المرة أن العقار الصناعي غرد خارج سرب الأزمة المالية العالمية، إذ لم يتأثر كثيرا بها، غير أن هذا الأمر لا يدعو إلى التفاؤل في ظل مطالبات بتوزيع القسائم الصناعية التي من شأنها أن تجعل هذا النوع من العقار ينخرط في السوق العقاري عامة أكثر فأكثر.أجمع عدد من العقاريين والصناعيين على ان العقار الصناعي في الكويت لم يتأثر بالازمة المالية العالمية، رغم انها افتتحت موجاتها بضرب العقار اثر قضية الرهن العقاري لتلحق افدح الاضرار بمعظم قطاعات الاسواق العالمية سواء كانت اسواق اسهم او مؤسسات مالية نقدية (بنوك) او حتى قطاعات الصناعة وابرزها قطاع الصناعة. واكدوا ان الحصول على هذا النوع من العقار يتم بالاتفاق المباشر مع الهيئة العامة للصناعة، وهذا امر متعذر لعدم وجود اراض، او من خلال الاتفاق غير المباشر وهذا ما جعل الاسعار ترتفع بشكل كبير. وعلى الرغم من أن مدير عام الهيئة العامة للصناعة اكد في اكثر من محفل أن تعاونا تم التعويل عليه مع البنك الدولي في رسم طريق خال من المطبات لإنشاء مدن صناعية تلبي الحاجة والطلب المتزايدين لهما، غير ان ما لمسته «الجريدة» من خلال قراءتها الواقعية لما رصدته لأقوال وآراء المهتمين بهذا الشأن يعكس صورة واقع مؤلم لا علاج له في الافق، ولا حتى ادنى محاولات لايجاد حلول للمشكلات، إذ اكد جميع من التقيناهم أنها ليست مستعصية على الحل اذا وجد القرار المناسب.
ورغم ان المدير العام للهيئة العامة للصناعة اشار الى ان الطلب الحالي على القسائم الصناعية يقدر بنحو 10 ملايين متر مربع، وان الطلب المستقبلي يقدر بنحو 21 مليون متر مربع فإنه لا خطوة ملموسة- حسب قول اصحاب الشأن- ظهرت على ساحة الواقع تبشر بأدنى امل على ان الخطوات العملية لحل مشكلة القسائم الصناعية قد بدأت تأخذ طريقها الى النور، مع الاشارة الى ان مشكلة القسائم- وفق تأكيدات متكررة لمدير عام «الهيئة»- (ستحل بحلول مارس الماضي!) وذلك في اكبر عملية لتوزيع القسائم في الكويت.سلطان: السعر لم يتأثر بالأزمة العالمية بل بندرة الأراضيالأزمة الصناعية أفرزت نتائج إيجابية لمعرفة مدى الضعف في الصناعة المحليةكلما خرجت الكرة من ملعب الهيئة العامة للصناعة بأعذار منح القسائم الصناعية بوعود رسمية للصناعيين لحل مشكلتهم، عادت اليها من دون أن يجني الصناعيون شيئا من تلك الوعود.اكد مدير عام الشركة الكويتية للهندسة الزراعية وصناعة الاعلاف محمد سلطان ان العقار الصناعي غرد خارج سرب الازمة المالية العالمية هذه المرة، لافتا الى ان الوضع في الكويت يختلف عنه في بقية دول الخليج بل والدول العربية.ولفت سلطان الى ان الهيئة العامة للصناعة اصدرت في عام 2003 قرارا بإزالة المناطق الصناعية من منطقتي الشويخ والري، ونقلهما الى مناطق اخرى مثل صبحان وميناء عبدالله والشدادية، مضيفا ان الهيئة منذ تلك السنة وحتى اليوم لم تتقدم خطوة واحدة نحو الامام في تنفيذ هذا القرار، من حيث تأمين بدائل للصناعيين الذين لديهم مصانع انتاجية في المنطقتين سالفتي الذكر.واوضح أن هيئة الصناعة اكتفت بالتمديد لاصحاب المصانع في الشويخ والري لفترات تراوحت بين الـ 3 والـ 6 اشهر حتى عام 2008، ثم منحتهم مهلة عام كامل، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم وجود نية لتنفيذ القرار.وقال إن القيمة الإيجارية للمتر المربع الواحد في المناطق الصناعية الحالية لا تتجاوز الـ 200 فلس، لافتا الى تنوع تخصص المصانع المقامة في منطقتي الشويخ والري ما بين مصانع الاعلاف والبلاستيك وتجميع الوحدات الكهربائية ومصانع المواد الغذائية ومصانع الحديد.وبين أن سعر المتر المربع الواحد كان قبل عشر سنوات محددا بمئتي فلس، وبمئة فلس قبل نحو 15 سنة وبنحو 4 فلوس فقط قبل نحو 20 سنة.وتوقع ثبات الاسعار والقيم الايجارية للمتر المربع الواحد في المناطق الصناعية المقترحة والمرتقب توزيعها على محتاجيها من صناعيي الكويت في حال كان التعاقد مع الهيئة العامة للصناعة بالطريقة المباشرة، بينما قد تتضاعف اضعافا كثيرة في حال تم التعاقد مع آخرين بطريقة غير مباشرة او مع شركة تدير المشروع لتكون القيمة الايجارية للمتر المربع الواحد فائقة لحدود الـ 500 فلس مع احتمال وصولها الى 750 فلسا.وردا على سؤال عن توجه الهيئة وجديتها في توزيع القسائم الصناعية على محتاجيها من الصناعيين الكويتيين قال سلطان: «أسمع جعجعة ولا أرى طحينا».وفرَّق بين نوعين من المناطق الصناعية فمنها ما هو صناعي خدمي ومنها ما هو صناعي انتاجي، مشيرا الى ان المنطقة الصناعية الخدمية هي التي تشمل الحرف الصناعية والكراجات وورش الالمنيوم والحديد والنجارة وما شابهها، بينما تبقى المناطق الصناعية الانتاجية مشتملة على المصانع الانتاجية الضخمة كمنطقة صبحان.واوضح سلطان أن سعر المتر المربع الواحد في المناطق الصناعية الخدمية يقدر بنحو دينارين ما لم يؤجر للغير، بينما لا تزيد القيمة الايجارية في المناطق الصناعية الانتاجية على الـ 200 فلس، دعما من الحكومة للصناعة الوطنية في تحقيق القيمة الايجارية.واكد ان الازمة الصناعية افرزت نتائج ايجابية وليست سلبية ينبغي الاستفادة منها بالكشف عن مدى الضعف في الصناعة المحلية التي ينبغي ان تكون رديفا للصناعة النفطية وداعما لها. وقال إن من المهم جدا الالتفات الى الصناعة المحلية وتسهيل الامور والاجراءات، وليس تعقيدها في الحصول على قسائم صناعية وبقية الاجراءات الروتينية التي من شأنها أن تعيق حركة المستثمر الصناعي الكويتي في تأسيس صناعات ضخمة هي صروح ترجع في نهاية المطاف بالنفع على دخل البلاد عامة، وليس لمصلحة شخصية ضيقة.النقي: هيئة الصناعة تفرض ضرائب على الصناعيين أين المناطق الصناعية التي تأسست منذ إنشاء الهيئة حتى الآن؟فورة هروب نحو السوق الصناعي السعودي لإنشاء صناعات كويتية ضخمة على الأراضي السعودية المتوافرة في ظل انعدام الأمل في الحصول على قسائم صناعية داخل الكويت... أوليس الكويت أحق بأن تُنشأ تلك الصناعات على أرضها.أكد رئيس مجلس ادارة شركة الجزيرة القابضة محمد علي النقي ان الصناعيين تفاءلوا كثيرا بتأسيس الهيئة العامة للصناعة، واستبشروا خيرا في تشكيلها، ولكن للأسف ظهرت اعمالها غير مشجعة، إذ كان التفاؤل في غير محله.وبين النقي ان اول بوادر التشاؤم بدأت مع بدء فرض رسوم ومضاعفتها، في وقت كانت تلك الرسوم حين انشاء المناطق الصناعية مثل الشعيبة والشويخ والري رمزية، بينما بدأت «الهيئة» بفرض الرسوم وجبايتها كضرائب على الصناعيين.وتساءل: اين المناطق الصناعية التي انشئت منذ انشاء الهيئة حتى يومنا هذا؟! ولفت الى ان المشكلة ليست في المناطق الصناعية فحسب بل حتى في كوادر «الهيئة» المحتاجين الى المزيد من التأهيل لمواكبة تطورات المرحلة.من جانب آخر، اكد النقي ان العديد من الشركات ومن بينها شركة الجزيرة القابضة لديها جملة من مشاريع ودراسات المشاريع الجاهزة للانجاز، والتي لا يعوقها الا القسيمة الصناعية، مع بعض التسهيلات الاجرائية من قبل الجهات المعنية في الهيئة العامة للصناعة.وأكد أيضا ان العديد من الصناعيين الكويتيين آثر الهجرة برأسماله الى السعودية هروبا من انعدام الاراضي وغلائها إن توفرت، في مقابل التسهيلات الجمة التي تمنحها المملكة العربية السعودية للمستثمرين الخليجيين، لافتا الى ان اقرب منطقة صناعية في السعودية (في منطقة الخفجي) بالنسبة الى الكويت لا تبعد سوى 100 كيلومتر فقط، وهو امر يشجع المستثمر الكويتي على المضي قدما في مشروعه هناك، في ظل وجود اغراءات اخرى كوفرة الاراضي ورخص قيمها الايجارية، اضافة الى التسهيلات الرسمية الميسرة.الخرافي: أسعار العقار الصناعي جنونية وطردت رأس المال الصناعي خارجاًتوجه كويتي نحو السوق الصناعي السعودي لاسيما بعد إنشاء المدينة الصناعيةمنذ أنشئت الهيئة العامة للصناعة، وحتى اليوم لم تشهد الكويت مدينة صناعية على أرض الواقع، بل لاتزال الوعود تتوالى على أسماع الصناعيين المطالبين بتخصيص قسائم لإنشاء صناعات ضخمة، البلاد بأمس الحاجة إليها دعما لمورد النفط... الجعجعة موجودة ولكن أين الطحين؟!اكد رئيس مجلس ادارة الشركة الاولى لصناعة الحديد احمد حسين الخرافي أن اسعار العقار الصناعي وصلت الى ارتفاعات جنونية تدفع الصناعي الى الاحجام عن تنفيذ اي مشروع صناعي بسبب هذه العقبة الكأداء*.وبين الخرافي ان اي مستثمر صناعي يسعى من خلال مشروعه ايا كان نوعه الى تحقيق ربحية بعد انجاز المشروع وبدء المرحلة التشغيلية فيه، مشيرا الى ان اكبر المشجعات التي تجذب المستثمر هو ان تكون القيمة الايجارية للمتر المربع الواحد المفروضة من الدولة رمزية تساعد المستثمر الصناعي في بداية مشواره الانتاجي.ولفت الى ان المستثمرين الصناعيين الكويتيين بدأوا بالتفكير الجدي في الخروج خارج البلاد، وعدم الاستثمار في السوق المحلي بسبب ندرة الاراضي الصناعية كسبب مباشر ثم يضاف الى ذلك الغلاء الفاحش في الاسعار إن توفرت الاراضي. واكد ان عددا من المستثمرين الكويتيين في القطاع الصناعي بدأوا في التوجه نحو السوق الصناعي السعودي، لاسيما بعد انشاء المدينة الصناعية السعودية المحاذية للحدود السعودية الكويتية في منطقة الخفجي ومنطقة نويصيب.واوضح ان ايثار السوق السعودي على المحلي من قبل التجار والصناعيين الكويتيين مرده ان القيمة الايجارية هناك اخفض بكثير مما هي عليه في الكويت، اضافة الى توفرها بكثرة الى جانب بقية التسهيلات التي تشجع المستثمر الكويتي على الانتقال اليها متحملا جزءا يسيرا من تكاليف واعباء الخدمات اللوجستية التي تضاف الى جملة تكاليف الانتاج هناك.ورأى أن اللجوء الى توزيع القسائم الصناعية بنفس الفكر الذي وزعت به القسائم السكنية في فترة ما قبل اعداد البنية التحتية يعد من اساليب التشجيع، وتأكيد جدية التوجه الحكومي في حل مشكلة العقار الصناعي والقسائم الصناعية.