رحلة عاشقة لطاهرة صفار زاده محاولة القبض على الموت

نشر في 20-05-2008 | 00:00
آخر تحديث 20-05-2008 | 00:00
No Image Caption

في «رحلة عاشقة» تأتي الشاعرة طاهرة صفار زاده من مطارح الشعر القصيَّة فهي صيّادة الكلمة المثقلة بالظلال، والمثقّفة المطَّلعة على بيادر الشعر الغربي لا سيَّما الإنكليزي منه، بعدما حصَّلت، ومنذ نعومة أظافرها، ثقافة قرآنيَّة كبيرة وشاملة ساهمت إلى حدّ بعيد في نسج شخصيَّتها الإنسانيَّة والأدبيَّة، ليغدو الشعر معها جسر عبور إلى عالم الجمال والقيم والأخلاق.

ترفض زاده الفنّ التجريدي ونظريَّة الفنّ للفنّ، وتتنازل عن الترف الفنّي لخدمة الوضوح المصنوع، المارّ طويلاً تحت قناطر الخيال، فالسهولة عندها هي بنت الصناعة والموهبة الكبيرة ولأنّها تنتمي إلى الخلق والإبداع ترى الفنّ يُعبَر إليه بالسؤال عن الكيف لا عن الكمّ. وتؤثر الشاعرة الحداثة الشعريَّة والتفلّت من قيد الأوزان والقوافي، إفساحاً في المجال لبناء النصّ الحرّ، ما يجعله أقرب إلى حقيقة الحالة التي تسعى إلى تبنّيها وتجسيدها بالمفردات. وتؤمن بعمليَّة التلاقح الثقافي من خلال الإطلالة على التراث الفكري البشريّ، لأنّ الإنسان واحد، وهو امتداد لزمن إنساني لا يمكن تجاهله وهو يشكّل جزءا من الشخصيَّة البشريَّة العامَّة، كذلك فإنّ المستقبل ليس له أن يبنى إلاّ على تراكمات حصلت بفعل النشاط الإنساني المتواصل. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الترجمة من الفارسيَّة إلى العربيَّة عجزت عن نقل النصّ بحرارته. وهذا شأن الترجمة مع الشعر عامَّة، لأنّ لغته الأصليَّة تعطيه الجزء الأكبر من حضوره، ومهما كانت يد المترجم أمينة للنصّ الأصلي فإنّ العبور من لغة إلى أخرى مجازفة شعريَّة كبرى، ولكن لا بدّ منها، فهي إن لم تستطع إيصال النصّ كاملاً غير أنّها تثبته بملامح يمكن أن تكون مقبولة مع مترجم يعرف عبقريَّة لغة النصّ الأصلي كما يعرف عبقريَّة اللّغة التي ينقله إليها.

الوردة

تتسلّل زاده إلى عمق الذات الإنسانيَّة وتحاول من داخلها التحديق إلى الخارج، رابطة بين تجلّيات الشكل المختلفة والمعنى الواحد «فالحبَّة هي الشكل الضامر للوردة / والحاجة هي الشكل الضامر للخوف». فالمعنى لا يوصل إليه كاملاً من شكل واحد، لا سيّما أنّ الأشكال تتعاون وتتبادل القدرة على صناعة المعنى.

والموت حاضر في قصائدها، من خلال أمكنة الحياة «شرفة داري / لها مساحة قبر من الشمس والتراب»، الموت حالة تعيشها زاده بانتمائها إلى المكان الذي من المفترض أن يطلّ على الحياة والمكان تحديداً هو «الشرفة» التي تحوَّلت الى مساحة قاتمة تستقبل ضوء الشمس ببرودة الموت فنصير أمام قبر «يتشمّس» على شرفة إنسان يحاول مصافحة الحياة على شرفته. والموت عندها شعور يخرج من دائرة التجسّد الحسّيّ والمادّي، وإذا كان الإنسان يعيش تجربة الموت من خلال غيره فإنّ الشاعرة تلجأ إلى محاولة القبض على الموت بلغة بسيطة جدًّا «أحبّ لون اللالون / اللّون الكامل للموت». حتّى الألوان بما فيها الأسود ومشتقّاته القاتمة لم تستطع أن تكون مرآة تقرأ قليلاً من وجه الموت. والألم رفيق زاده، «الرياح مليئة بالرماح»، فهو يستوطن الهواء، يجعله ذا قدرة على اجتراح الجراح ليمسي باقة رماح وتغدو الرياح متعرّية من كلّ رمزيَّة أدبيَّة سابقة، ومرتدية رمزيَّة جديدة تسهّل انتماءها إلى عالم الألم الإنساني العميق.

من خلفيَّة إنسانيَّة شاملة تمدّ زاده يدها صوب الإنسان، دون أن تتنازل عن ملامحها الفارسيَّة، الإسلاميَّة، فتعلن موقفها من الحرب «أنفر من طباع الرصاص الغليظة»، مؤسّسة لعالم يتفرَّغ لاستثمار جماله وينجز الإنسان عليه إضافات تساعد في نموّ جماله أكثر فأكثر. وفي همّها هذا، تجد الشاعرة نفسها معزولة وحيدة «منزلي بين ضفَّتَي شارع / يزدحم بأناس معزولين». فالعالم مكتظّ بناس يتسابقون إلى المادّة ويضيّقون هامش الروح بينما الشاعرة تستلهم القيم ويواجهها واقع قاس، قاتل بمادّيته، مهمّش بسطحيّته، ما يزيد الشعور بالغربة والوحدة. وإذ تفتح زاده عينيها لرؤية الإنسان المثقّف القابل للتفاعل مع ما أعطتها الحياة من غلال تُصدَم وتعلن أنّ المثقّف «هو موجود أسطوري عجيب»، إلى هذا الحدّ تحوّل إنسان زماننا كائناً يعيش على هامش الحياة المدعوّ إليها بكلّ ما فيه من عمق وبكلّ ما فيها من جمال.

حكايات

ولزاده مع اللّيل حكايات حميمة، فهي تزوره هائمة، فاتحة نافذة روحها على ظلمته الخصبة «في قرارة اللّليل... والهيام يغمرني... ويغمر الزرّ الذي ينفصل عن حدود الثياب». ليس اللّيل مجرَّد عابر أو مكانًا نظريًّا للنوم، إنّما يتحوَّل صدراً دافئاً، وكائناً يتّسع لتجلّيات الروح، ببعد صوفيّ هو دائم الحضور في الشاعرة التي تنسحب من المادَّة وتلوذ بالوجد وذاكرته.

تقف زاده من الظلم موقفاً لافتاً « الطغيان مرض مزمن... لا يشفى ولا يموت» وتبدّي وجع الآخر على وجعها الشخصيّ، فهي بنت الجماعة البشريَّة، وتجهد للحفر عميقاً في ذاكرة الكون منصفة مظلوميه الذين قضوا تحت حوافر أحصنة الطغاة، والذين يطارَدون، ولو مصلّين في بيوت الله «قتلوا المصلّين / راكعين / ساجدين / قائمين / في مسجد كان طريق المعجزة». بهذه الخلفيَّة التي تجسّد الشاعر قائد أمّة تظهر زاده تطرق أبواباً ضخمة مصنوعة من حديد الظلم في حين هي تتقمّص «شاعراً سعيداً... يقضم تفّاحة الرأفة / في ضجيج زقزقة العصافير». وتبدو المسافة إلى امتداد خرافيّ بين ما تريده زاده وما هو عليه الواقع، لتقف اللّغة عاجزة بما فيها من معاني السلام أن تواجه قسوة الإنسان الذي صيّر الدنيا غابة بشاعات.

أمّا الحبّ فقد قاربته من زاوية صوفيَّة، فالسماء أبوها والأرض أمّها «وكنت أنا الأفق» وبذلك أعلنت انتسابها إلى رحِم الوجود القائم في نقطة ما تلتقي فيها السماء بالأرض. والحبّ عندها يبنى من الذاكرة الدينيَّة والتاريخيَّة مكاناً لإقامة دائمة «حبّي لأرض أسيرة / لها وجه يوسف / وصبر أيّوب». طاعنة في الحزن زاده، حتّى في حمى الحبّ تلبس ظلال الألم الكبير، وتتّحد بألم الأرض وحزنها كما صخرة كبيرة ليس للنهر أن يجرفها.

تمكّنت الشاعرة الإيرانيّة من أن تقدّم نصاً شعرياً أميناً للحياة، وهي التي رأت أنّ الشاعر «عليه أن يكون نبض الحياة». أمّا الترجمة التي قام بها موسى بيداج فقد خدمت القصائد على مستوى الصياغة العربيَّة، غير أنّ المقارنة بين النصّ الفارسيّ الأصلي والنصّ العربي فتلزمها معرفة وافية باللّغتين معاً. لكن من الأهميّة بمكان أن تتبادل الشعوب على اختلافها تجاربها كافّة، ولا سيّما الإبداعيَّة منها.

back to top