الكويت من الدولة إلى الإمارة - الدكتور أحمد الخطيب يتذكر - الجزء الثاني (17)

نشر في 19-09-2008 | 00:00
آخر تحديث 19-09-2008 | 00:00
الحكومة أوقفت نشاط وكالة الأنباء الكويتية واستبعدت برجس البرجس لنزاهته وحياد الوكالة
إهداء إلى شابات وشبّان الكويت الذين يعملون على إعادة الكويت إلى دورها الريادي في المنطقة.

إلى أولئك الذين يسعون إلى بناء مجتمع ينعم فيه المواطن بالحرية والمساواة تحت سقف قانون واحد يسري على الجميع، ويكون هدفه إطلاق إبداعات أبنائه وليس تقييدها باسم المحافظة على عادات وتقاليد هي جاهلية في طبيعتها ولا تمتّ بصلة إلى الدين ولا إلى ما جبلت عليه الكويت منذ نشأتها من تعلّق بالمشاركة في السلطة، ثم الالتزام بدستور 62 الذي قنن هذه الطبيعة الكويتية.

إلى الشابات والشبّان الذين يحلمون بمستقبل مشرق للكويت يعيد دورها الرائد في محيطها، كي تنضم إلى عالم العلم والمعرفة الذي أخذ ينطلق بسرعة هائلة لا مكان فيه للمتخلّفين.

إلى هؤلاء جميعاً أهدي هذا الكتاب.

الاعتقالات

بدأت حملة الاعتقالات باعتقال أحمد باقر بسبب وجود بيانات لتجمّع النواب في سيارته واقتيد إلى مقرّ أمن الدولة! واحتجز مع المعتقلين هناك، ورغم أنه لم يُعَذَّب فإن صراخ المعتقلين الآخرين ليلاً في حفلات التعذيب التي تتم كل ليلة حرمته من النوم. وبعد ذلك تم اقتحام ديوانيتي في الروضة من قبل عناصر أمن الدولة بلباسهم المدني وبصحبة رجال الشرطة، واقتادوني من دون أن يسمحوا لي بأن ألبس حذائي، وطلبت إلى رواد الديوانية الهائجين عدم التعرض لرجال لأمن لأنهم ينفذون أوامر صدرت إليهم من وزيرهم، فالوزير هو المسؤول. وانطلقوا بي في السيارة بسرعة جنونية متجاوزين كل قوانين المرور إلى مخفر الشرطة في الشويخ الصناعية، وعند نزولي حاول أحدهم الاعتداء عليّ لكن ضابطاً في المخفر منعه من ذلك.

أودعت في حجرة التوقيف مع مجموعة من تجار المخدرات واللصوص، وهي غرفة في منتهى القذارة، والمرحاض موجود في وسطها، وهو عبارة عن حفرة قذرة، وغني عن القول أن الجلوس فيها على الأرض. بقيت واقفاً غير قادر على الجلوس في مكان قذر كهذا مدة نصف ساعة تقريباً. وبعدئذ حضر الضابط المسؤول في المخفر ودعاني إلى مكتبه وتصرّف بطريقة تعبّر عن الاحترام. ولما سألني إذا كان بإمكانه أخذ إفادتي قلت له أنا عضو في مجلس الأمة وعليك أن تأخذ الإذن من مجلس الأمة لتحقق معي. بعدئذ بقليل أدخل عليّ عبدالمحسن الفرحان صاحب ديوانيتي وقد أعلمني بأنه تم اعتقاله هو وعبدالله النيباري وأحمد النفيسي وعثمان البلوشي وخالد الصانع. وهم الآن بحجرة التوقيف.

في هذه الأثناء جاء أحد رجال الأمن وأخذني إلى الباب الخلفي بعد أن أحضر لي نعالاً ألبسها، لأنني كنت كل هذه المدة بدون حذاء. وقد عرفت أن هناك تجمهراً عند باب المخفر من المواطنين نساء ورجالاً واستغربت معرفتهم بمكاني بهذه السرعة!! وهذا ما فسر لي استعمالهم الباب الخلفي لخروجي إذ أرادوا تفادي الجمهور الذي حضر. وأخذوني إلى مقر أمن الدولة إلى مكتب الضابط المسؤول. وما إن علم الموظفون هناك بأنني عندهم حتى توافدوا على حجرة الضابط المسؤول وغصّ بهم المكان.

ودخلنا في حوار استمرّ حتى الساعة الثانية صباحا، وكانت ندوة ناجحة بكل المقاييس، وقلت لنفسي إنها فرصة لي أن أواصل هذا اللقاء لأقنعهم بالانضمام إلى المنبر الديمقراطي، لكن المسؤولين أحسّوا بخطورة الوضع فنقلوني منذ الصباح الباكر إلى مكتبة كبيرة خالية من الكتب إلا أن أثاثها جيد. وعيّن أحد أبناء الصباح مرافقاً لي في هذه المكتبة ليمنع أي شخص آخر من الاتصال بي، ومُنعَت عني الصحف والراديو والتلفزيون.

في اليوم الثاني جاءني مدير أمن الدولة فهد الفهد وقال: «دعني أرتب لك مقابلة مع الشيخ سعد العبدالله». ولكني أفهمته بلغة واضحة من أنا، وكان هذا آخر لقاء بيننا. وقد جاءني أخي عقاب ففاجأني مجيئه. وسألته: «كيف دخلت؟» قال: «جئت إلى مقر أمن الدولة فأوقفني الحارس الذي هو على الباب وسألني ماذا أريد. فقلت له أريد أن أرى أخي. فقال ممنوع. فقلت له قل للمسؤول عنك إن عقاب الخطيب يريد أن يرى أخاه. فانصرف وبعد بضع دقائق قال لي تفضل». الصبّاحي الموجود في الغرفة قال لأخي: «عندك عشر دقائق فقط». هذه الدقائق كانت كافية ليخبرني أن زوجتي معنوياتها عالية، بالفعل هي أظهرت ذلك عن طريق وجبات الأكل التي كانت ترسلها لي كل يوم. فالكمية كافية لفريج كامل واستمتع بها موظفو أمن الدولة.

بعد يوم جاءني ضابط يدّعي أنه قريب لصديق لي، وأبدى استعداده لمساعدتي. لكنه قال إن زوجتي أصابها انهيار عصبي بسبب اعتقالي. وكان القصد من ذلك واضحاً، فهو يريد أن يؤثر في موقفي ولم يكن يدري أنني أعرف حقيقة وضع زوجتي التي رفضت طلبات السذج الاتصال بالمسؤولين لإطلاق سراحي قائلة: «أحمد مبادئه أدخلته السجن، ومبادئه سوف تخرجه من السجن مرفوع الرأس»، وقامت بالواجب أمام الجماهير التي احتشدت في البيت والساحة المقابلة فكانت توفر لها إضافة إلى واجب الضيافة، لطف المعاملة. وحتى شفرات الحلاقة قُدّمت إلى الذين رفضوا ترك المكان وناموا هناك حتى أُطلق سراحي. وبعد أربعة أيام أطلقوا سراحي وأصروا على عدم إخبار أهلي، واستعملوا الطرق الفرعية متجنّبين الطرق المُنارة حتى لا يراني أحد وتحدث مشاكل. وكان استقبالاً مثيراً أمام البيت في تلك الليلة.

بعدئذ دوهِمَتْ ديوانية جاسم القطامي بالشامية، واعتُقِل مع د.عبدالله النفيسي الذي كان المتحدّث في تلك الجلسة.

وبعد ذلك اعتُقِل د. أحمد الربعي وأفرج عنه بعد أربعة أيام أيضاً، بعد أن أدركوا أن إحالتهم إلى المحاكمة محرجة. أما القيادات العمالية فقد تعرضت للاعتقالات أيضاً، وكان أولهم علي الكندري الذي اعتقل ليلاً وفي سيارته بيانات لتجمّعات الاثنين، وأخذ للمباحث الجنائية، ولحقه في اليوم التالي جلال السهلي ورجا سلطان العتيبي.

وبعد ثلاثة أيام ألقي القبض على كل من نهار المكراد وناصر ثلاب الهاجري وأودعا في السجن المركزي. أما الدفعة الأخيرة فقد شملت كلا من ناصر الفرج رئيس الاتحاد، وحسين اليوحة، وثابت الهارون.

أثناء الاعتقال أحسست براحة جسدية وفكرية عجيبة لم تتوافر لي من قبل، فقد كانت حياتي كلها عملاً متواصلاً. فمهنة الطب تحتاج إلى تفرّغ كامل وكذلك الحياة السياسية النشيطة، وجمع المهنتين عملية في منتهى الصعوبة إذا أراد الواحد إعطاء كل نشاط حقه من الأهمية. كذلك أدركت أهمية ما قاله لي د. أحمد الربعي بأن الخوف من السجن ينتهي بعد أول تجربة. فالرهبة من السجن تزول عندما يدخل الواحد السجن، ويبطل هذا السلاح بعد استعماله، ولعل هذا يفسر كيف أن المجرمين يعودون للإجرام بعد أن يطلق سراحهم. كذلك تم اعتقال د. أحمد الربعي مدّة أربعة أيام.

قرارات تشكيل المجلس الوطني تمّت بسرعة. فأعلن أنه سيتمّ تشكيل مجلس وطني، نصفه منتخب ونصفه معيّن. وستكون مهمة المجلس أولاً وضع دستور جديد، وثانياً يكون هذا المجلس الوطني مجلساً استشارياً فقط. قررنا التحرك لمقاطعة الانتخابات. وكان التجاوب كبيراً. وكانت وكالة «كونا» يوم الانتخابات تغطي الانتخابات كالعادة والأرقام التي تبثها تدل على ضعف الإقبال على مراكز الانتخابات وتدنّي نسبة المقترعين. وقد قامت الحكومة بوقف نشاط وكالة الأنباء الكويتية! واستبعاد برجس البرجس مدير وكالة الأنباء الكويتية (كونا) لنزاهته وحياد الوكالة.

اتساع الحركة الشعبية المطالبة بعودة الديمقراطية وتطور أساليبها السلمية أثارا اهتمام وإعجاب الصحافة العربية والعالمية، فأخذت تنشر تباعا أخبار هذه النشاطات المتنامية، وتصدرت هذه الصحف الحياة اللبنانية وكذلك جريدة السفير والأهالي في مصر وصحف في الخليج مثل جريدة الخليج والأزمنة العربية اللتين تابعتا الأحداث لحظة بلحظة وقدمتا دعما إلى هذه الحركة الشعبية لا يمكن أن ننسى أهميته.

ولا عجب فمعركة أهل الخليج واحدة لتحقيق الاستقرار والتنمية وكرامة الانسان. ومن بين الصحف العالمية كانت جريدة اللوموند الفرنسية أول من باد ر إلى دعم هذه التحركات تبعتها الفاينانشل تايمز وليبراسيون الفرنسية. كذلك الوكالات العالمية مثل رويترز التي اعتقل مراسلها كما ذكرت سابقاً. ولا عجب أن تنشر جريدة ليبراسيون الفرنسية مقالة بتاريخ 18/4/1990 تشيد فيها بتحرك النواب وتؤكد أن الأغلبية الديمقراطية هي الأوسع انتشاراً في الكويت.

 الهيئات الشعبية

لقد قامت الهيئات الشعبية الوطنية بدورها كاملاً. فعلاوة على مشاركتها الفعالة في جميع هذه النشاطات، أصدرت البيانات المتتالية لتأييد كل تحرك شعبي وتعميق الوعي عند المواطنين ليدرك الجميع أهمية الحياة الديمقراطية لحاضر الكويت ومستقبلها. وهذه الجمعيات هي:

الجمعية الموقعون

الجمعية الاقتصادية علي محمد البداح

رابطة الأدباء د. خليفة الوقيان

جمعية أعضاء هيئة التدريس د. محمد المهيني

الجمعية التعاونية لموظفي الحكومة الكويتية جمعة بوعركي

الاتحاد الوطني لطلبة الكويت بدر السميط

جمعية الحاسب الآلي الكويتية محمد الكندري

الاتحاد العام لعمال الكويت عبدالله البكر

جمعية المحامين مشاري العصيمي

جمعية الخريجين عبدالله الطويل

رابطة الاجتماعيين يحيى الربيعان

جمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية سعد منير المهنا

جمعية الإصلاح الاجتماعي إسماعيل الشطي

رابطة أعضاء هيئة التدريس بالمعاهد التطبيقية محمد العجمي

كذلك فإن كلاً من اللجنة النسائية الشعبية واتحاد عمال البترول وصناعة البتروكيماويات أرسل برقية تأييد لهذه المطالب.

والملاحظ أن الحركات الدينية بعد أن وجدت نفسها منعزلة عن التحرك الشعبي الذي بدأ يتضخم ويضم فئات الشعب كله أحسّت بعزلتها وحراجة موقعها فحاولت أن تلحق بالركب. فشاركت في البيانات فقط دون المشاركة في التجمهر حرصاً منها على تمييز نفسها عند النظام امتناناً للمزايا الكثيرة التي تحصل عليها والتي جعلتها تتمكن من التحكم في مواقع متعددة من مفاصل السلطة.

نص الحكم على ناصر مبارك الفرج

بالجلسة المنعقدة علنا بالمحكمة في يوم 27/12/1987

برئاسة السيد الأستاذ/ خالد المزيني - القاضي

وبحضور السيد/ عبدالعزيز الجسار - ممثل الادعاء

وبحضور السيد/ نزار محمد حسين - سكرتير الجلسة

صدر الحكم الآتي:

القضية رقم: 4906/87 - 172/87 حولي

المرفوعة: الادعاء العام

ضد: ناصر مبارك الفرج

الأسباب:

بعد مطالعة الأوراق وسماع المرافعة..

حيث أن الادعاء العام أسند إلى المتهم:

لأنه في يوم 7، 8/10/1987 بدائرة اختصاص مخفر حولي:

طبع ووزع بدون ترخيص من دائرة المطبوعات والنشر مطبوعا يتعارض مع المصلحة الوطنية للبلاد على النحو المبين بالمحضر..

وطلب عقابه بالمواد 7، 8 من القانون رقم 3/61 بشأن قانون المطبوعات والنشر المعدل بالقانون رقم 69 لسنة 1976.

حيث أن وقائع الدعوى تتلخص حسبما جاء بمحضر ضبط الواقعة المسطر بمعرفة ضابط المباحث المقدم سفاح عنبر عبدالله المؤرخ في 12/10/1987، ورود عدة علاقات تفيد أن المتهم يقوم بتوزيع وترويج منشورات في أماكن متفرقة في البلاد، وتتضمن إثارة الشغب وزعزعة الامن والاستقرار. وبعد ضبط المنشور من قبل المبلّغين وهما: شرطة النجدة، ناظر محطة بيان، وناظر محطة بنزين رقم «57» في منطقة الفحاحيل الصناعية وأماكن أخرى في شارع فهد السالم ومستشفى هادي وبعد مطالعة الضابط له استصدر إذناً من النيابة العامة لتفتيش منزل المتهم وضبط ما يسفر عنه ذلك من المنشورات المتحرى عنها، وتنفيذا لذلك الإذن قام بتفتيش منزل المتهم فعثر بداخله على عدد اثني عشر منشورا من ذات المبلّغ عنه سلفا، فقام بمواجهة المتهم بما ورد فيه، فاعترف أنه قام بكتابة مسوداته وطباعته على آلة استانسل وتوزيعه على الاماكن المشار اليها على نحو ما تقدم بنفسه بوصفه رئيساً سابقاً لاتحاد العمال لتوضيح الامور التي تجري عليها شؤون البلاد بعد أن لاقى استحسانا من بعض المنتديات التي قام بزيارتها.

وحيث أنه بسؤال المتهم في التحقيقات اعترف جملة وتفصيلا بدءا ونهاية بتوزيعه المنشور المضبوط بوصفه رئيساً سابقاً لاتحاد العمال بعد شائعة القول لدى من لاقى من المواطنين في الديوانيات التي قام بزيارتها عن الحديث عن مجمل الاحداث التي تمر بها المنطقة من تعليق الدستور وتقييد حرية الصحافة وإعطاء التسهيلات للقواعد الإمبريالية الاميركية والدفاع عن قضايا الطبقة العاملة بقصد تنوير الرأي العام كهدف يبغي من ورائه المصلحة الوطنية والدفاع عن الديموقراطية في مفهومها الشامل.

وحيث أن الدفاع عن المتهم الأستاذ محمد الياسين المحامي ترافع مرافعة شفوية بمقولة ان ما صدر من المتهم كان مجرد تعبير عن رأيه الشخصي بحسن نية بتلك العبارات المنسوبة اليه في المقال محل الاتهام، على سند من كفالة الدستور والقانون لحرية الكلمة، وانتهى في ختام المرافعة إلى طلب الحكم ببراءة المتهم مما نسب إليه.

والأستاذ عماد السيف المحامي انضم إلى زميله السابق في دفاعه بعدم توافر القصد الجنائي للمتهم لخلو الالفاظ المتضمن المنشور من أي ضرر بالمصلحة الوطنية، والأستاذة منى الفرج المحامية انضمت في دفاعها لسابقيها في التماس الحكم ببراءته على تفصيل ما سبق.

وحيث ان المحكمة بعد مطالعتها للمنشور محل الاتهام والتي ورد في مجمل عباراته «كيف يغذي النظام الطائفية... وحل البرلمان وتعليق الدستور وتقييد الصحافة... ورفعت الأعلام على البواخر النفطية الكويتية في وضح النهار... وعدم إيقاف الحرب المدمرة بتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 598 وإبعاد الإمبريالية باختلافها وخاصة الأميركية والمناضلة من أجل إعادة الديموقراطية...».

وحيث أن لما كان ذلك والمحكمة في سبيلها القضاء بالدعوى تضع نصب عينها ما نص عليه الدستور أب القوانين كافل الحريات وركنها الركين خاص الحقوق وموئلها الحصين في عبارة صريحة لا لبس فيها ولا غموض بالمادة (36)، حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما»... وما فصله قانون جزاء رقم 16 لسنة 1960 المادة (112) «لا جريمة إذا أذيع بحث في مقال أو كتاب علمي، بأسلوب هادئ متزن وثبت حسن نية الباحث باتجاهه الى النقد العلمي الخالص...».

حيث انه بالتأسيس على ما سلف بيانه تستظهر المحكمة صراحة العبارات الواردة بالمنشور ومبلغ ولاتها وسبر أغوارها وتقدير حسن نية المتهم من سوئها لمحض ضمير سلطانها ليس إلا، وترى تلك العبارات جاءت عامة ولا تحتمل إلا الألفاظ التي وردت فيه على ما جاشت به عاطفته من البيئة التي نشأ وتربى بها كنقابي سابق في اتحاد العمال حسب رأيه الخاص - علنا بعد التباين في الرأي واختلاف النظر في المبادئ والأسس القائمة للحكم دون المساس بشرعية النظام الحالي أو الدعوة الى انتهاك القوانين المعمول بها بعدما أغلقت في وجهه جميع الوسائل والقنوات الشرعية، فعمد الى الجهر بالقول بتوزيعه المنشور بعدما شاع وتداول سماعه في بعض الأماكن التي يتردد عليها عن الظروف المحيطة بالبلاد والإثارة التي تمخضت عنها. ورأيه بما ورد بتلك المنشور على نحو ما تقدم بحسبان ان الاحكام في المواد الجنائية هي حرية قاضي الموضوع في تقدير الدليل في الدعوى - ومبلغ اقتناعه ووزنه له بعد إلمامه بوقائع الدعوى عن بصر وبصيرة وتفطنه الى الأدلة التي قام عليها الاتهام على السياق المتقدم وفحصه لها، وذلك بعد الموازنة بينها وبين أدلة النفي ورجحان دفاع المتهم بتعبيره عن رأيه بحسن نيّة دون الإضرار بالمصلحة الوطنية ويكون بالتالي القصد الجنائي غير متوافر بالدعوى لتشكك المحكمة فيه اذ الى مرجع الأمر كله ما يطمئن إليها ملاك وجدانها - ويكون بالتالي الاتهام المسند إليه قد خالفه ظلال كثيف من الشك الذي يفسر لمصلحته خليقاً ببراءته - مما نُسب إليه وذلك هديا بنص المادة (172) إجراءات جزائية.

وغني عن البيان - فإنه تحقيقا لأقوال المتهم بجلسة المرافعة بوقوع تعديات عليه من قبل رجال الشرطة بالسجن المركزي ندبت الطبيب الشرعي لفحصه وبيان إصابته، إلا أنه رفض الكشف والفحص حسب الثابت بكتاب مدير إدارة التحقيقات المرفق.

خاتمة المطاف

إن المتهم ابن هذا البلد الرؤوم تفئ بظلها الوافر الوفير غير مقصور ولا منقوص من الأمن والامان، شعارها الحب والخير للجميع والديمقراطية غطاء لا ينطوي أبدا مهما كانت الظروف، الوحدة الوطنية هي العمود الفقري الذي يحفظ لهذا البلد ودّه وتراحمه كالجسد الواحد إذا تخلل فيه عضو تداعت سائر الأعضاء بالسهر والحمى تحت ظلال من سيادة القانون ونعمة الحرية وهدى من الله العزيز المقتدر - حتى تصل سفينة الديمقراطية الى برّها بأمن وسلام.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة حضوريا ببراءة المتهم من التهمة المسندة إليه وأمرت بمصادرة المضبوطات.

غداً: محطات عربية والعلاقة مع جمال عبدالناصر

back to top