درب الأربعين: دبلوماسية الإبل بين مصر والسودان
تمر العلاقات السياسية بين مصر والسودان بمنعطفات كثيرة، بعضها عنيف يصل إلى حد القطيعة، وأحيانا في لحظات حميمة تتحدث عن وحدة وادي النيل. ورغم تعرض طرق العلاقات بين القاهرة والخرطوم لـ«مطبات صعبة» في أحيان كثيرة، فإن طريقا واحدا ظل مفتوحا بين البلدين، لم يخضع لأهواء السياسيين، ولم ينشغل العابرون خلاله بشعارات السياسة الكبرى. ذلك هو طريق «درب الأربعين»، الذي كان منذ قرون ومازال «وريداً» مفتوحا بين مصر والسودان، ونال شهرته كطريق تجاري، لكن أكثر ما اشتهر به هو نقل الإبل، التي أصبحت بمنزلة «دبلوماسية» من نوع خاص تربط بين الشطرين العربيين لوادي النيل.وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن مصر استقبلت خلال مايو الماضي 8346 رأساً من الإبل السودانية الوافدة عبر «درب الأربعين».
لعب درب الأربعين دوراً مهماً في حركة الاتصال بين مصر وبلاد غرب إفريقيا، فكان أحد المسالك التي تسير عبر الصحراء الغربية، كما كان يطلق عليه الطريق الليبي، أو طريق غرب النيل أو الطريق المصري. و«الأربعين» إشارة إلى المدة التي كانت تستغرقها القافلة في السفر إلى دارفور بالسودان على هذا الطريق، الذي سهَّل الاتصال ببلاد الكارنم بلاد (التوابل) وبحيرة تشاد. وقد سلك السلاطين من بلاد التكرور عند قدومهم هذا الطريق للوصول إلى مصر، ومنها إلى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحج. ويبدأ درب الأربعين من أسيوط في صعيد مصر ويمتد حتى الواحات الخارجة، ثم يسير جنوباً ماراً بواحة سليمة وبئر النطرون، ويستمر حتى يصل إلى الفاشر (عاصمة دارفور) في غرب السودان وتقطعه القوافل في أربعين يوماً. وقد ذكر المؤرخون «درب الأربعين» في معظم ما كتب عن مصر، وذكره ابن بطوطة «من أسيوط كان يخرج إلى السودان الغربي (بلاد غرب إفريقيا) ماراً بالواحات ويتجه إلى السودان ومنها إلى غانا». كما ترجع أهمية «درب الأربعين» التاريخية إلى قرون طويلة مضت، فكان الرابط بين مصر والسودان والساحل الغربي لإفريقيا، حيث سكن التجار العرب الذين اثروا تلك المنطقة من خلال التواصل مع سكانها والذين روجوا لمنتجاتهم وتجارتهم في تلك الفترة ومنها، الذهب والفضة وريش النعام والعطور والحرير والتوابل. وتجاوز دور «درب الأربعين» الجانب التجاري ليلعب دوراً دينياً مهماً، إذ إن المتصوفين كانوا يسلكون هذا الطريق ويقال إنه سمي بالأربعين نظرا إلى مرور 40 من الطرق الصوفية منه وإليه، خصوصا أتباع الطريقة الشاذلية نسبة إلى أبو الحسن الشاذلي وهو من شاذلة في المغرب. وقد شهدت تجارة الإبل بين مصر والسودان نشاطا ملحوظا في السنوات الاخيرة، ربما بدافع اقتصادي وهو رخص أسعار لحوم الإبل مقارنة بأنواع اللحوم الأخرى، وآخر صحي وهو ان هذه اللحوم لم تصب بإنفلوانزا الطيور أو جنون البقر، ويقام سوق كبير بمنطقة برقاش على أطراف القاهرة أسبوعيا لتجارة الإبل.ودفع ذلك الرواج البرلمان المصري إلى اقتراح مد طريق دولي يربط بين مصر والسودان عند منطقة درب الأربعين، لكن هذا المقترح دخل دهاليز السياسة ليبقى «درب الأربعين» على حاله منذ قرون.