... آذانُ رمضان المتنقّل!

نشر في 03-09-2008 | 00:00
آخر تحديث 03-09-2008 | 00:00
No Image Caption
«أبو طبيلة»، أو ما يطلق عليه في مصر «المسحراتي»، من الشخصيات التي تميِّز شهر رمضان. مهمته إيقاظ الناس للسحور والصلاة. في مصر، لا تزال هذه المهنة موجودة في قرى الريف والصعيد, كذلك عادت للظهور من جديد في المدن, لكن بشكل عصري, فلم يعد المسحراتي ذلك الرجل الذي يرتدي الجلباب والعمامة وفي يده طبلة صغيرة يدق عليها مردداً عبارات بصوت جميل، أشهرها «اصح يا نايم وحد الدايم» ولم يعد يمتطي حماره الذي يطوف به الشوارع والأزقة ومن حوله الأطفال الصغار يرددون وراءه الأهازيج حاملين في أياديهم فوانيس رمضان.

حكاية المسحراتي، منذ ظهرت وما طرأ عليها من تغيرات، نتعرف إليها من خلال هذا التحقيق الذي أجرته «الجريدة» مع خبراء في الفن الشعبي وكذلك مع المسحراتية أنفسهم.

يقول أستاذ الفنون الشعبية د. سميح شعلان: بدأ التسحير منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم), الذي يقول «إن بلالاً ينادي بالليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» ولا يدري أحد هل كان بلال يؤذن أم ينادي في الناس للتوقف عن الطعام، لكن مَن أحدث نقلة في فن التسحير هو العراقي «ابن نقطة», إذ أدخل على هذه المهمة تطورات فنية وحوَّلها إلى فن له مقوماته وأدواته، من أهم أشعاره في هذا الصدد «أيها النوام قوموا للفلاح/ واذكروا الله الذي أجرى الرياح/ إن جيش الليل قد ولى وراح/ وتدانى عسكر الصبح ولاح/ فاشربوا عجلى فقد جاء الصباح».

يضيف شعلان: أبدع المسحرون في تطوير أدائهم الإبداعي وغالباً كان يمتلك كل منهم أساساً موهبة إبداعية تعينه في القيام بهذه المهمة، فهو قادر على نظم الشعر أو الغناء في الأفراح, وغيرها.

تحدث الباحث الإنكليزي «إدوارد وليم لين» عن المسحرين المبدعين وقال إنهم يقولون أشعاراً ومدحاً للرسول وأغاني وحكايات فكاهية، حتى أن سيدات الطبقة الوسطى كانت كل منهن تضع نقوداً داخل ورقة وتشعل الورقة وتلقى بها من الشباك ليراها المُسحر ويأخذ ما بها من نقود نظير حكي الكثير من أحاكيه وأشعاره.

يشير شعلان، الذي أجرى بحثاً عن «التسحير كفن شعبي»، الى أنه عثر على مسحراتي في محافظة بورسعيد (إحدى محافظات مصر الساحلية) يدعى رجب حسين بدوي منذ 15 عاماً، وقال الأخير إن التسحير يمر بمراحل أولها تنبيه كل بيت بدقات على الأبواب ثم قول بعض الأبيات في مديح الرسول (عليه الصلاة والسلام)، ثم حكي جزء من حكاية أو قصة. كان رجب ورفاقه يحكون جزءاً من الحكاية لا كلها, وذلك لتشويق الناس ودفعهم لانتظاره كل يوم، ثم يوقظ المسحراتي كل فرد من أفراد البيت بما يناسبه من أشعار أو وسائل للتنبيه, فمثلاً إن كان رب البيت اسمه محمد، يقول المسحراتي «محمد أفندي. الله يزيدك كرم, وتشاهد الكعبة والحرم ...»، وإن كان لدى هذا الرجل ابن اسمه أحمد, يغني المسحراتي له «أحمد محمد. الله يخليه لنا, ويجعل لياليه من ليالي الهنا..»، وإذا كان في هذا البيت فتاة، لا يستطيع المُسحر أن ينادي اسمها ولكنه يغني لها «ست العرايس أنا من نسى اسمها ياللي المشجر والحرير لبسها، ست العرايس يا حبيبة الصباح, يا عقد جوهر فوق صدور الملاح» ولو جاء المسحراتي ونسي اسم أحد أفراد البيت يكون هذا فألاً سيئاً.

يرى شعلان أن التسحير الآن تحول من عادة إلى تقليد وأصبح المسحراتي بلا إبداع وليس له وظيفة حقيقية في مسألة إيقاظ الناس وأن التكنولوجيا الحديثة وما خلفته خلقت منافساً حديثاً له وتفنن التلفزيون والراديو في جذب الناس، وكيف للمسحراتي الرجل البسيط الذي لا يملك إلا فنه وصوته أن يقف أمام هذه الأجهزة؟

من ناحيته، يتفق د. أحمد الصاوي (أستاذ التاريخ الإسلامي) في أن التسحير بدأ كمهمة خيرية لنفع الناس والذي أحدث نقلة حقيقية فيها هو «ابن نقطة» البغدادي وهو الذى أدخل على عملية التسحير أشعاراً منغمة فيها نوع من الذكر وفضائل الصوم ومديح الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن «ابن نقطة» هو أول من بدأ عملية التسحير بأجر وكان يأخذه من الخليفة العباسي الناصر لدين الله.

يشير الصاوي إلى أن لكل مكان طريقته الخاصة به في التسحير، مثلاً في الشام يضربون بالدفوف وفي المغرب يستخدمون المزمار, وفي بلدان إسلامية أخرى يطرق المسحراتي على الأبواب.

يكون المسحراتي غالباً كفيفاً أو مُسناً، يقوده طفل يردد أشعاره. في مصر، كان المُسحر يأخذ أجره إما نقداً أو كميات من كعك العيد يبيعها في «سوق العصر»، وهو السوق الذي اشتهر في مصر ببيع الكميات الباقية من الأطعمة بعد وقت صلاة العصر, وكان المسحراتي في مصر يحكي أحياناً بعد العشاء قصصاً للنساء في البيوت أشهرها قصة «الدرتين» عن سيدتين تزوجتا رجلاً واحداً وكلتاهما تكيد للأخرى. كان أيضاً يقوم بدور «الخاطبة» أحياناً، فإذا كان لدى صاحب البيت فتاة لم تتزوج بعد, نادى المسحر عليها بالإسم وكان ذلك بمثابة الإعلان عن وجود فتاة لم تتزوج بعد, ونظير ذلك كان أهل البيت يكافئونه.

يتفق الصاوي على أن التكنولوجيا الحديثة أثرت في المسحراتي، حيث أصبح الآن قليل الوجود، نتيجةً لدخول التلفزيون والمصباح الكهربائي وما يحويه الأول من وسائل تسلية واستمتاع، ما ساعد الناس في السهر ولم يعد للمسحر فائدة.

عن تراجع دور المُسحر وعدم انتشار هذه المهنة راهناً يقول د. سعيد ناصف (أستاذ علم الاجتماع في جامعة الفيوم) إن ما طرأ من تغير للمجتمعات وتبدل للظروف والبيئات بفعل التكنولوجيا الحديثة التي سيطرت على الإنسان، كان سبباً في اندثار كثير من المظاهر والتقاليد والعادات الحسنة, وليس المُسحر فحسب، إنما عادات عدة ومن عاش رمضان منذ 50 عاماً يشعر بتغير طعمه إلى الأسوأ الآن.

يضيف ناصف: تراجع دور المسحر ووجوده منذ دخول المصباح الكهربائي، مروراً بالتلفزيون وهو المنافس الأشرس, لذا اختبأ المسحر ولا وجود له حتى فى القرى. تفنن التلفزيون في جذب الناس وأجبرهم على الاستمتاع بما يقدمه والسهر حتى الساعات الصباح الأولى, لم يعد الناس ينامون في أول الليل لذا لم تعد هناك حاجة إلى المسحر, وإن وجد الآن فله مواصفات مختلفة من حيث المظهر، فهو يرتدي القميص والسروال بدلاً من الجلباب والعمامة وقد يمسك بطبلة كبيرة بدلاً من الطبلة الصغيرة التي اشتهر بها قديماً ولم يعد يسير على قدميه بل يركب دراجة, كذلك اختلفت الأغاني والأناشيد الجميلة التي كنا نسمعها منه وحلت محلها كلمات جديدة. لا يعرف المسحراتي الآن أسماء ساكني الحي نظراً الى الامتداد العمراني والزحام الشديد والبنايات الضخمة التي لا يصل معها صوته لأدوارها العليا.

يواجه المسحراتي في رمضان 2008 كثيراً من المتغيرات التي لا يمكن أن يواكبها.

محمد عبد المولى (56 عاماً) مسحراتي ورث مهنة التسحير عن والده, ويعمل بها منذ 22 سنة. يقول: أنا من مواليد 1952 لديَّ ولدان وأربع بنات نزح أبي من قريته سامدون بمركز أشمون بمحافظة المنوفية (شمال القاهرة) منذ شبابه وعشت معه في حي الدقي في عزبة الصفيح التي تحولت الآن إلى أبراج عالية, وهناك كان يمارس والدي مهنة التسحير كل رمضان وكنت أنزل معه إلى أن توفي, انتقلت إلى حي بولاق الدكرور وبدأت أمارس المهنة نفسها هناك.

يضيف عبد المولى: مهنة التسحير لها أصول. قبل أن أبدأ بالتسحير في الحي الجديد الذي انتقلت إليه قدمت أوراقي في قسم بولاق لتوفير الحماية, فالمسحراتي يواجه أخطاراً عدة ولكل واحد من المسحراتية له منطقة فلا يتعدى على ابن مهنته, وفي القسم تحدَّد الشوارع التي يسير فيها للتسحير. في رمضان من كل عام، أجهز طبلي وجلبابي وحماري والعصا للحماية من شباب الليل الذين يعترضون طريقي أحياناً بهدف السرقة أو المضايقة وأبدأ بالتجول من الساعة الواحدة والنصف حتى الساعة الثالثة والنصف منادياً على الناس بأسمائهم أن يستيقظوا استعداداً للسحور وأردد دائماً أناشيد منها «اصح يا نايم وحد الدايم. رمضان ده شهر الخير على الغني والفقير».

يتفق المسحراتي محمود أحمد مع عبد المولى، قائلاً: كانت وظيفة المسحراتي في الماضي لها نكهة مميزة. كنت أسير على قدمي وأعرف الناس بأسمائهم وأنادي عليهم كل واحد باسمه نظراً الى قلة عددهم وكنت أردد أدعية دينية وابتهالات وحِكماً ومواعظ, أما الآن فالأمر اختلف كثيراً.

كان المسحراتي قديماً يلبس جلباباً وطاقية أو عمامة (خصوصاً في صعيد مصر) ويمسك بطبلة صغيرة وينقر عليها بعصا صغيرة، أما الآن فيمسك بطبلة كبيرة ليكون الصوت أقوى وقد يركب دراجة نظراً الى تباعد المسافات وانتشار الناس في بقع جغرافية أوسع.

يضيف أحمد: هناك أماكن لا يوجد فيها مسحراتي، منها بعض الأحياء الراقية والمدن الجديدة, وأصبح في المناطق الشعبية أكثر من شخص يمتهن التسحير, وهم مجرد مرتزقة وليسوا أبناء المهنة. في الماضي كان المسحراتي يتقاضى أجره في صورة هبات من الناس كالرز والبيض والسكر.., كانت له جولتان يومياً, جولة بعد صلاة العشاء يدور فيها على البيوت ويعطيه الصائمون طعاماً ويسير الأولاد حوله مهللين بالفوانيس, وجولة أخرى قبيل صلاة الفجر والتي يوقظ فيها الناس لتناول السحور, أما الآن فيمر مرة واحدة لتسحير الناس قبل آذان الفجر.

عن عمل المسحراتي طوال أيام السنة يقول أحمد: كان أبي يعمل منشداً دينياً في الموالد. أما الآن فالأمور اختلفت. عموماً لكل عصر لغته, في الماضي كان المسحراتي يردد الابتهالات الدينية والمواعظ, أما الآن فهناك أناشيد خاصة يرددها تشبه الأغاني الفلكورية مثل (مسحراتي منقراتي في البلد جوال/ دواليب زمان متشتكوش دقة شاكوشي جت في الأوان/ يا ناس حبايب يا ناس جيران/ أنا قلبي دايب على البيبان/ عجوز شوية لكن عينيه بستان حنان/ لا ظني سيىء ولا جبان/ درويش وأسطى وشيخ كمان/ وفي عبي قطة إزاي هتلعب فيه الفران/ اسألني تتعب أقول صراحة شقايا راحة قوة حصان/ وعشان قبول عيالي في الامتحان/ وأنا في بالي حاجات جنان/ من الطبالي أعمل صوان).

هناك بعض الأناشيد تحما روحاً وطنية مثل (جيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال/ وكل حتة من بلدي حتة من كبدي حتة من موال).

هناك أناشيد طابعها اجتماعي مثل (رمضان خلف هلال/ وهلال مخلف عيد/ خلف بُنية وصبي/ خلف أمل وسعيد/ وأنا طبلتي تغني غنوة تحكي حدوتة بس ملتوتة/ ونرجع تاني نقول ونعيد رمضان كريم).

حسين أحمد مجاهد، أو عم حسين كما ينادونه (85 عاماً)، أقدم مسحراتي في مصر, التقيناه في منزله في حي بولاق أبو العلا، أحد أشهر الأحياء الشعبية في القاهرة حيث يقطن بغرفة متواضعة تخلو من أية مظاهر للرفاهية.

يقول عم حسين: أنا من مواليد 1923. بدأت العمل كمسحراتي في العام 1955, تحديداً بعد نهاية خدمتي في القوات المسلحة التي فقدت خلالها بصري وأصبحت كفيفاً حتى اليوم. بعد ذلك عيِّنت في الشركة المصرية لتوزيع وتعبئة السلع الغذاية التابعة لوزارة التموين تنفيذاً للقرار الإنساني الذي أصدره أنذاك الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لتوفير فرص عمل للمكفوفين لتعينهم على أعباء الحياة. عندما توفي المسحراتي الذي كان يقوم بتسحير سكان حي بولاق أبو العلا الذي أقطن، عرض عليّ أهل المنطقة أن أخلفه في هذه المهمة بعد أن لمسوا فيّ السمعة الحسنة والثقة، فوافقت وقاموا باصطحابي إلى قسم شرطة بولاق أبو العلا لتزكيتي لدى ضباط القسم الذين وافقوا بدورهم على قيامي بمهمة المسحراتي وبالفعل قسِّم الحي بيني وبين سيدة تدعي (لواحظ) ماتت منذ سنوات طويلة.

يتابع عم حسين حديثه: كنت أبدأ عملي منذ الساعة الواحدة بعد منتصف الليل طوال أيام شهر رمضان المبارك وأجول على منازل أهل المنطقة بأكملها وكان يصحبني أحد أبنائي أو بناتي نظراً، يلقنني أسماء سكان المنزل أو العمارة التي نقف أمامها فأقوم بالنداء عليهم بصوت جهوري قائلاً «يا عباد الله وحدوا الله . اصح يا صايم وحد الدايم.. رمضان كريم. الملك لله», وفي العشر الأواخر من الشهر أحرص على أن أردد تواشيح الوداع لشهر الصيام مثل «لا أوحش الله منك يا شهر الصيام».. وهكذا حتى ينتهي الشهر.

عن الأصول والقواعد التي يتبعها في هذه المهنة يقول: هناك أصول وقواعد كثيرة أحرص على اتباعها منذ بداية عملي في هذه المهنة, منها: لا يمكن أن أنادي على أي فرد من منزل فيه حالة وفاة حرصاً على المشاعر, كذلك لا يمكن أن أنادي على أية فتاة طالما أنها تجاوزت 12 عاماً.

يرى عم حسين فارقاً كبيراً بين عمل المسحراتي قديماً والآن، «حدث تغير كبير في المجتمع اليوم بعد التطورات الكبيرة التي طرأت على الحياة بشكل عام. في الماضي، كان الناس ينامون مبكراً وكان المسحراتي يذكرهم بوقت السحور، والساهرون في ليالي رمضان ينصرفون بعد ظهوره ويعود كل منهم إلى منزله لتناول وجبة السحور, ومن كان يجلس في المقهى مستغرقاً في لعب الطاولة أو الدمينو أو شرب النارجيلة عندما أمرّ يعود إلى منزله. كان الأطفال يحرصون على الجري خلفي ومصاحبتي حتى أنتهي من جولتي في تسحير أهل المنطقة. أما المسحراتي اليوم فقد قلّت أهميته وأصبح وسيلة لتذكير الناس برمضان فحسب بعد الانتشار الهائل لوسائل الإعلام، خاصة التلفزيون والدش وساعات التنبيه والكمبيوتر وميكروفونات المساجد, فضلاً عن سهر الكثيرين بعد أذان الفجر وهو ما قلل من أهمية المسحراتي».

back to top