نظَّمها الفردوسي بعد مقتل شاعرها الدقيقي الشاهنامة... تاريخ فارس وأساطير ملوكها
لم تتوقع الأسرة الإقطاعية في قرية طوس في بلاد فارس أن يكون ابنها ابوالقاسم منصور بن حسن الشهير بالحكيم الفردوسي شاعر الملحمة الفارسية، بتسطيره 60 ألف بيت، نجح من خلالها بتوثيق مراحل مهمة من تاريخ بلاده العريق.
يعتبر الفردوسي أحد ألمع وجوه الأدب، ليس في بلاد فارس فحسب، وإنما في العالم. تأثر به شعراء وأدباء غربيون، من بينهم الشاعر الألماني هنري هافيه والفرنسي فيكتور هوغو، كذلك شرح الكاتب لامارتين قصة رستم أحد أبطال «الشاهنامة» الذي لم يخلق الله نظيراً له في العالم، كما يصفه الشاعر.ترجمت «الشاهنامة» الى اللغة العربية بداية القرن السابع بواسطة الفتح بن بنداري وبعدها الى لغات عدة منها الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، الروسية، الإيطالية، الصينية، التركية والأرمنية.ترعرع شاعرنا في كنف أسرة حريصة على إحياء ما لم يتعارض مع الأصول الإسلامية الإيرانية القديمة والمحبة للعلم، الأمر الذي انعكس ايجاباً على شخصية الفردوسي الذي أبدع في ملحمته وأفنى 30 عاما ًمن عمره لينجزها على النحو الذي اشتهرت عليه حتى يومنا.«الملوك»كتاب» الملوك» أو «الشاهنامة»، كما تسمى بالفارسية، بدأ تأليفها بمهمة غير عادية، عندما سمع الفردوسي أن الشاعر الدقيقي كان ينظمها، لكنه قتل قبل أن تكتمل، تطلع الى نظمها وأكمل مشروع الدقيقي.يبدأ الفردوسي منظومته بمقدمة يسبّح فيها الخالق ويمجّد العقل ويتحدث عن خلق العالم والبشر والشمس والقمر، ثم يمتدح الرسول وصحبه ويوجز ترجمة عن حياة الدقيقي، بعدها يعرض قصة 50 ملكاً عاصروا أربع حكومات هي: البيشدادية، الكيانية، الاشكانية والساسانية، بحسب ثلاث مراحل أسطورية وحماسية وتاريخية. المرحلة الأسطوريَّةتبدأ المرحلة الأسطورية بأول ملوك الفرس وأب البشر كيومرث الذي ارتدى الإنسان في عصره جلود السباع، من ثم الملك جمشيد الذي سنتحدث عنه بشيء من التفصيل، لما في قصته من حكم وعبر يمكن الاستفادة منها. تميز عصر جمشيد بالاكتشافات الحضارية مثل استخراج المعادن، الحديد، زرع الأرض، استخدام آلات الحرب والسفن.هذا الملك هو من جعل من يوم حلول الشمس في برج الحمل عيداً أسماه «النوروز»، أي اليوم الجديد، الذي ما زال الإيرانيون يحتفلون به حتى اليوم.عرف عنه في بداية حكمه بأنه كان دمث الخلق وكريماً، نجح في تحقيق التنمية لشعبه، لكن ما لبثت أحواله ان تغيرت، فكفر بخالقه وانحرف عن الطريق الذي سار عليه في بداية حكمه، فكان لانتكاسته عظيم الأثر في شعبه الذي استبشر فيه خيراً. بعدما بلغ به المقام الكفر بالخالق، سلَّط الله عليه رجلاً يدعى «الضحاك» الذي انفرد بالحكم ألف عام، بعدما استطاع الوصول الى جمشيد وقتله بشطره الى نصفين بالمنشار!«الضحاك»تبدأ قصة «الضحاك»، كما يرويها لنا الفردوسي بأسلوبه القصصي والشعري المشوِّق في الشاهنامة، أن ابليس تمثل للضحاك في أحد الأيام، وزين له قتل أبيه المتعبد والتقي لينفرد بالملك، وبعدما نفذ جريمته النكراء ظهر له إبليس مجدداً ولكن هذه المرة على هيئة طاهٍ قدم له ألذ وأطيب أصناف الطعام واستخدم فيها أنواعاً من اللحوم، وهو ما لم يكن معروفاً لديهم. أعجب الضحاك بصنيع الطاهي وأراد أن يكافئه على إخلاصه وكفاءته في العمل، فقال له: «أطلب ما شئت لأكافئك»، فقال الطاهي: «مكافأتي التي أتمناها منذ أول يوم خدمتك فيه هي منحي شرف تقبيل كتفيك». سر لحديث الطاهي وقال له: «لك ما طلبت». ما إن قبّل كتفيه ظهرت أفعيان ضخمتان منهما أثارت فزعه، بعدها اختفى الطاهي، وطلب الضحاك من الأطباء أن يجدوا له حلاً مع الأفعيين اللتين يحملهما على كتفيه، فحاولوا عبثاً قطع رأسيهما، فكلما قاموا بقطعهما عادتا للظهور مجدداً وكأن شيئاً لم يكن. هنا عاد ابليس للضحاك مرة أخرى، لكن هذه المرة على صورة طبيب، وبعدما تظاهر أمامه بأنه يقوم بعملية تشخيص، قدم له وصفته الطبية «الخبيثة» حيث طلب من الملك الضحاك، تغذية هاتين الأفعيين برأس انسان لكل منهما يومياً، ليأمن شرهما، هنا بدأ الضحاك بمرحلة جديدة، فأمر حراسه بقتل شخصين يومياً لتنفيذ الوصفة الطبية، استمر على ذلك المنوال أعواماً، حتى بلغ بطشه بإحدى الأسر إن قتل 17 من أبنائها ولم يبقَ لها سوى ابن، كان والد الأسرة المنكوبة يعمل حداداً، وهنا تبدأ القصة فصلا جديداً. بعدما توجه الحداد، يدعى كاوه، إلى الضحاك وطلب منه أن يحرر ابنه الوحيد الذي تبقى له بعدما قتل جميع أشقائه، وكان حينها عدد من المستشارين في مجلس الملك للتوقيع على ميثاق بأن الضحاك ما زال مؤهلا للاستمرار بالحكم، وأمام هذا الوضع لم يكن أمام الملك سوى قبول طلب الحداد، لكنه في المقابل اشترط أن يوقع الأخير مع المستشارين على الميثاق، بعد تحرير الإبن جاء ليوقع على الميثاق بحسب الاتفاق، لكنه فاجأ الملك والجميع، فما إن أمسك بالاتفاقية شرع بتمزيقها وخرج على الفور من مجلس الملك وبدأ بتنظيم ثورة وحرص على تحريض الشعب للمشاركة بها واتخذ من قطعة الجلد التي كان يرتديها أثناء عمله راية لثورته. تعتبر الراية أول علم في التاريخ وعرف بإسم درفش كاويان وبدأ الناس يلتفون حوله، كان من بين الأشخاص الذين تفاعلوا مع الثورة فريدون وهو من سلالة الملك جمشيد، مع تزايد المناصرين استطاعوا الوصول الى الملك ضحاك ونجحوا في إسقاط حكمه. استمرت الراية متوارثة بين ملوك فارس، يحملونها مع كل حرب، وحظيت بإهتمام بالغ من قبلهم، فكان كل ملك يعتلي العرش يزينه بالجواهر والأحجار الكريمة حتى جاءت معركة القادسية الشهيرة وأسقط المسلمون تلك الراية، وأرسلها الصحابي سعد ابن وقاص مع سوار كسرى الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأدهشته الراية المزينة بالجواهر، وأمر على الفور بتوزيع الجواهر كغنائم على المسلمين ورمي الجلد.