خلاف حول تسمية مركز سعيد عقل الثقافي زحلة اللبنانيّة... جارة الوداي ومدينة الشعراء
وجّهت زوجة الشاعر رياض المعلوف كتاباً مفتوحاً الى بعض المسؤولين اللبنانيين، طالبت فيه بإيقاف قرار بلدية زحلة (البقاع اللبناني) إقامة قصر على أملاكها باسم «مركز سعيد عقل الثقافي - زحلة»، و{تجاهل كل ما أنجبت زحلة من أدباء وعباقرة». كتبت سلوى: «أشير الى تقديرنا واحترامنا لهذا الشاعر الكبير وإقرارنا العميق بوجوب تكريمه، لأنه تكريم لكل مبدع من زحلة، لكن نستنكر هذا الأسلوب الاستغلالي، إيمانا منّا بأن هذا القصر يجب أن يكون لكل الشعراء والعباقرة الذين انجبتهم زحلة، ونحن على يقين بأن الشاعر نفسه يأبى إلا أن يحمل هذا المبنى اسم «قصر الثقافة الزحلي» لأنه سيضم تراث مدينة أعطت لبنان والعالم العربي رجالاً عظاماً».
لا نريد الدخول في «معمعة» السجال حول تسمية القصر الثقافي في زحلة، بل نتوخى التأمل في علاقة زحلة بالشعر وبآل معلوف تحديداً. هذه المدينة التي أصابتها الشهرة لإنجابها شعراء وفنانين، وصاحبة الباع في القصائد التي كتبها الشعراء عنها، من أحمد شوقي الى الأخطل الصغير.يذكر الجميع أن الشاعر سعيد عقل رفع يوماً شعار «فلنزحلن لبنان ولنلبنن العالم»، على اعتبار أن زحلة في قلب العالم. ثمة عبارة رائجة لعقل تقول: «لبنان في وسط العالم وزحلة في وسط لبنان، وبيتي في وسط زحلة، وغرفتي في وسط بيتي، وسريري في وسط غرفتي، فأنا حاكم العالم». هكذا زحلة بعيداً عن القصور الثقافية، تعيش جدلية تكامل وإبداع مع الشعر، اذ احتضنت الشعر والشعراء، فكانت مرمى أنظار المبدعين.زحلة التي تغنّى بها الشاعر أحمد شوقي في «جارة الوادي» هي «دار السلام» كما تقول الأغنية، ومدينة السيف، جنّة الدنيا، ربّة البهاء، أزليّة الإلهام، بلدة الحسن، وردة الشعر، مرقص النور. كذلك تغنّى بها كبار الشعراء، نذكر منهم: خليل مطران، الياس أبو شبكة، الجواهري، أحمد رامي. واشتهر الزحلويّون بإبداعهم في نظم الشعر وإتقانه. وأحد أبرز هؤلاء: قيصر وشفيق وفوزي ورياض معلوف، سعيد عقل، موسى نمّور، ميشال طراد، جان زلاقط، خليل فرحات، جوزف صايغ... فهل ينبغي أن يكون الاهتمام بقصور الثقافة أم بإبداع الشعراء؟ وأين هي اليوم مؤلفات شعراء زحلة؟بداياتربما علينا أن نلقي نظرة الى الشعراء «المعالفة»، فالروائي أمين المعلوف كتب رواية بعنوان «بدايات» عن عشيرته، وتُرجمت لدى «دار الفارابي» (بيروت). يقول معلوف «غيري قد يتحدّث عن «الجذور»... تلك ليست مفرداتي، فأنا لا أحب كلمة «جذور»، وأقله صورتها. فالجذور تتوارى في التربة، تتلوّى في الوحل، تنمو في الظلمات؛ تبقي الشجرة أسيرة، منذ ولادتها، وتغذيها لقاء ابتزاز: «لو تحرّرت، تموتين!». يضيف: «أنا أنتمي إلى عشيرة ترتحل منذ الأزل في صحراء بحجم الكون. مواطننا نفارقها متى جف الينبوع، وبيوتنا خيام من حجارة، وجنسياتنا مسألة تواريخ أو سفن كل ما يصل بيننا، وراء الأجيال، ووراء البحار، ووراء بابل اللغات، رنين اسم». ذاك هو أمين معلوف، وذلك مشروعه في تلك «البدايات»، إذ يغوص في تاريخ أهله، في محاولةٍ لإحياء مصير عشيرة بني معلوف، واستحضار ذاكرتهم التي انتشرت لاحقاً من لبنان إلى أرجاء المعمورة، وصولاً إلى الأميركيتين وكوبا. الأرجح أن «بدايات» تنطبق على عائلة عيسى اسكندر المعلوف وابنائه الشعراء فوزي شفيق ورياض. هكذا آل المعلوف في لبنان: أسرة لامعة جمعت بين النجاح في العلم والعمل في آن، وخدمت الأدب العربي خدمة ثقافية لا يسعنا إنكارها أو التقليل من أهميتها، تماماً كما تشهد الثقافة العربية بفضل آل اليازجي وآل البستاني وتراثهم الفكري والأدبي. العائلات الأدبية في لبنان موضوع شائك، تماماً كما العائلات الفنية والسياسية. أمر لافت أن يبقى لبنان على هذه الشاكلة: كل شيء فيه في دائرة «العائلات الروحية». هذا ما لاحظه المنظّر ميشال شيحا عندما بدأ يدوّن الميثاق اللبناني. والنافل أن الباحث فواز طرابلسي، حفيد عيسى المعلوف، حقّق كتابه الضخم «تاريخ الأسر الشرقية»، وبدأت «دار رياض الريس» في إصداره تباعاً منذ مدّة. أمّا مؤلفات الأبناء الشعرية، وإن كانت شهيرة بالنسبة إلى شعراء كثيرين، إلا أنها غير متوافرة في المكتبات. كيف نتأمل في مكنون هذه العائلة؟بساط فوزي فوزي المعلوف (1899 - 1930) صاحب ديوان «على بساط الريح»، ومدين في عبقريته الشعرية لبلدته وأسرته، فقد ولد في زحلة وهاجر عام 1921 إلى البرازيل مع أسرته، ليستقر في مدينة ريو دي جانيرو حيث أنشأ معملاً لإنتاج الحرير من دودة القز، لكنه توفي في نضارة شبابه متأثراً بإصابته بالحمى.اشتهر الشاعر بمطولة «على بساط الريح» ولقّب من خلالها بشاعر «الطيارة». يُذكر أنها ملحمة شعرية تمجّد الصفات الإنسانية النبيلة:أنا عبد الحياة والموت أمشــيمكرها من مهــودها لقبورهعبد ما ضمّت الشرائع من جوريخط القوى كل سطــــورهبيراع دم الضعيف له حـــبرونوح المظلوم صوت صريرهأنا عبد القضاء تملأ نفســـيرهبة من بشيره ونذيــرهوكانت نفس الشاعر تميل الى الكآبة كما الشاعر أبو القاسم الشابي:بين أوجاع أمـه دخل المهــدوبين الأوجاع يدخل قبرهإن من جاء مهده مكرها يمضيإلى لحده غدا وهو مكرهأُعجب «أمير شعراء الأسبان» فرنسيسكو فيلاسباسا بالملحمة، فترجمها إلى الأسبانية، وقال في المقدمة: «فوزي المعلوف كأنبياء التوراة علّق ربابته على غصن صفصافة لتعزف على هوى الريح ناطقة بما في لغة الطبيعة من نبرات خفية تهمس بها الألوهة».وكتب فوزي ملحمة ثانية بعنوان «شعلة العذاب»، لكنه لم ينجزها وجاء في مطلعها بعنوان «لغز الوجود»:كيف جئنا الدنيا؟ ومن أين جئنا؟وإلى أي عالم سوف نفضي؟هل جئنا قبل الوجود؟ وهل نبعثبعد الردى؟ وفي أي أرض؟هو كنه الحياة ما زال سرّاكلّ حكم فيه يؤول لنقض!كيف أجلو غدي؟ وأُدرك أميوأنا حرت كيف يومي سيمضيووصف فيلاسباسا هذه الملحمة قائلاً: «شعلة العذاب مجموعة قصائد عميقة المغزى مرتبطة بفكرة واحدة وشعور واحد. يغلب فيها التأمل على الفلسفة، فترى فيها روح الشاعر الحالمة منتبهة لأجمل مظاهر الطبيعة وأعمق العواطف الحيّة، وإن خيال الشاعر وشعوره يشكّلان لنا صوراً تتكشف عن جمال ساحر ونبرات رشيقة».قرأنا بعض قصائد فوزي المعلوف في المدرسة. بقي اسم كتابه «على بساط الريح» في ذاكرتنا، لكن لم نجد يوماً كتبه في المكتبات! ربما يكون من شعراء الجمهورية اللبنانية الذين ذهبوا طي النسيان، خصوصاً مع سيطرة شعراء «الموسيقى الداخلية» على المنابر الثقافية، اذ صار الشعر مقابلات صحافية أكثر منه قصائد ودواوين وملاحم!لا يختلف النقاد على أن فوزي المعلوف امتلك ناصية اللغة، فهو سليل بيت تمرّس بدراسة اللغة العربية وأتقنها خطاباً وتأليفاً، وعشق الطبيعة فاقتبس مفرداته منها كما الكثير من الشعراء الرومنطيقيين، بل كان شاعر الحزن العميق والكآبة الغامضة:يا يراعي ما زلت خير صديقلي منذ امتزجت بي وستبقىباسماً من تعاستي حين أهناباكياً من تعاستي حين أشقىكم حبيب سلا وعهدك باقفهو أوفى من كل عهد وأبقىيا يراعي رافقت كل حياتيفارو عني ما كان حقاً وصدقاً{عبقر} شفيق ولد شفيق المعلوف في زحلة (1905 - 1977)، ودرس في الكلية الشرقية فيها. وتولى رئاسة تحرير جريدة «ألف باء» في دمشق مدة ثلاثة أعوام (1923 - 1925). كذلك حرّر زاوية «مباءة نحل»، ووقعها تارة بإمضاء «زحلة»، وطوراً بإمضاء «فتى غسان». لاحقاً، استخدم «أندلسي» و{مـُتعب». هاجر شفيق إلى البرازيل، ملتحقاً في مدينة ساو پاولو بأخيه فوزي، وبأخواله ميشال وقيصر وجورج المعلوف، وكلهم شعراء. قال عنه أمين نخلة «صاحب الراية العليا». وقد ألّف مع نخبة من أدباء المهجر عام 1933 «العصبة الأندلسية». وتولي رئاستها بعد أن تعاقب عليها خاله ميشال والشاعر المهجري إلياس فرحات. فكانت مجلة العصبة متنفساً لأصحابها ولكتاب الجالية العربية في البرازيل. يُذكر أن حبيب مسعود تولى رئاسة تحرير مجلة العصبة. في ملحمته «عبقر» تأثر شفيق بالمعري في «رسالة الغفران»، ويقال إنه تأثر بدانتي في «الكوميديا الإلهية»، وبغوته الألماني في «فاوست». لا شك أن موضوع الصعود الى الفضاء في الأدب (أو المعراج) شائك، وكل فريق يقول إن هذا تأثر بهذا، وذاك تأثر بذاك. الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة، فثمة من يقول إن دانتي تأثر بالمعري، فيما يعتبر البعض أن الأدباء كلهم تأثروا بـ{المعراج». ويوضح الشاعر صلاح لبكي: «الشيطان في «فاوست» روح شرير يتمثل في مفيستو، أما الشيطان «عبقر» فهو «روح اكتشاف».والإنسان في «عبقر»، كما يقول الشاعر نقولا يواكيم، «إنسان تعيس، جاهل يحاول اكتشاف ذاته من دون معرفة أسسها». كان شفيق يغار على اللغة العربية كما لو أنها والدته أو ابنته، وهو أحد أواخر أدباء المهجر الذي حافظوا على اللغة العربية، قبل أن يكتب الجيل الجديد بلغة المهجر كالبرتغالية وغيرها.من ديوانه «على حدود عبقر» هذه الأبيات:وسِرتُ عن عبقرَ مستشرفاً صحراءَ غاصت في عُباب السُّباتْ رغم شعاعِ الشَّمس يبدو على أطرافها ما يُشبه النَّيرات بينا أرى الأفقَ بها مُومِضاً إذ بي أراها اختُطِفتْ خابيات فقال لي شيطانُ شعري لقد جزنا حِمى الخلائقِ الخالدات فانظرْ على الأفق رياحَ البِلى كيف تُلاشي شُعُلاتِ الحياة.ريفيات رياض أخر العنقود المعلوفي كان رياض، الذي ولد في زحلة عام 1912، وتوفي عام 2002. كما شقيقيه شفيق تفاعل رياض مع عناصر الطبيعة والبيئة الريفية. فرسم تفاعله بأدق الصور في كتابيه «صور قروية» و{الريفيات»، اللذين تعدّى فيهما المؤلف الوصف والتصوير إلى رسم النماذج البشرية الريفية وأبعادها، موظفاً لها كل ما يملك من أدوات وطرق تعبيرية، فجاء بعض موضوعاتها أقرب إلى المذكرات أو الذكريات.رياض يشبه شعراء لبنانيين طالما قيل إنهم ابتكروا «الحداثة الريفية»، من أمين نخلة الى فؤاد سليمان. كذلك كان ميالاً الى النزعتين التشاؤمية والرومنطقية. كان التشاؤم سمة شعره، ونجد ذلك في قوله:إيه ربي! خلقت عيني لدمعيوفؤادي عبد الشقا والعذابوخلقت الممات مثل خريفيفقد العمر في ربيع الشبابإن نفسي في كف عمري سراجزيته الدمع من نجيعي المذابشحّ دمعي فأخفق النور فيهكاحتضار الضياء عند الغيابأما ديوانه {خيالات» فقد حاول فيه الانطلاق على سجيته، والتحرّر من التأثّر بطرائق سواه. بالإضافة إلى نزعة اليأس من الحياة والتبرّم منها، أخذت تطلّ في شعره نزعة التلذذ بمباهج الحياة والإقبال على مسرّاتها. حتى إن أشعاره احتوت على شيء من الهبوط الفني المفضي الى السطحية أحياناً على نحو قوله: هذه الدنيا لنالحبيبي، لي أنافتمتع يا حبيبيفالمنى تتلو المنىطالما أنت بقربيكل شيء هاهنالاحقا تخلّى رياض المعلوف عن رومنسيته المفرطة في التشاؤم، واتجه بشعره اتجاهاً اجتماعياً بسبب انغماسه في حياة الريف التي وجد فيها ملاذه، إذ نلمح في قصيدة «صباح الثلوج» أكثر من صورة شعرية ريفية من خلال تساؤله:أكمام من ياسمين نثيرفوق ريش الحمائم البيضاءأم شراع على العيون تهادىإثر تلك العواصف الهوجاءأمل أبيض أطلّ علينابعد تلك الغمائم السوداءويقول في القصيدة نفسها:سرت في الثلج مع رفيقة قلبيفي دروب الطبيعة الخرساءوالورود البيضاء تهوي عليناكنجوم تهوي من العلياءهكذا الثلج لفّنا برداءوالهوى لفنا بألف رداء.ولنا عودة الى علاقة الشاعرين سعيد عقل وميشال طراد بزحلة.