صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4898

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ريما خشيش: فنّي أصيل وأفضّل أن أبقى حرّة لا تقيّدني الشهرة!

  • 30-07-2008 | 00:00

هي مزيج من التقليد والعصرية. تدمج التراث العربي بالجاز فتنساب الكلمات منها وتطاول لهفة المتعطّش للفن الأصيل بثوب كلاسيكي عصري. أطلقت ريما خشيش أخيرًا ألبومها الجديد «فلك» الذي يضم باقة من الألحان الخالدة في التراث الموسيقي العربي.

في دردشة مع «الجريدة»، تحدثت خشيش عن علاقتها بالطرب والموشّحات ونظرتها الى الفن والغناء.

كيف تفسّرين اهتمامك بالطرب؟

رافقني الطرب منذ نعومة أظفاري. بدأت الغناء في البيت منذ كنت في عامي الرابع وكنت أستمع الى فيروز وأم كلثوم. في الثامنة من عمري، شاركت في برنامج «ليالي لبنان» وغنيت موشّح «أنت المدلل»، في الفترة نفسها التحقت بفرقة بيروت للتراث التي أطلقها سليم سحاب، وكان هذا النوع الغنائي الوحيد الذي كنت أسمعه، فظننت أن كل الناس يسمعونه فحسب ولم أعرف أن قوالب الطرب صعبة الغناء. سمعت عبد الحليم حافظ في الثامنة عشرة من عمري، وغرقت في موسيقى زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، واكتشفت لاحقًا أن ثمة أنواعًا أخرى من الموسيقى الطربية وهي صعبة.

نحن في عصر الإيقاع، لماذا استمريت في الإطار الكلاسيكي؟

عندما يعتاد المطرب على مستوى معين يصبح من الصعب تقديم ما لا يشعر به أو ما يضعه في مستوى أقل من المطلوب. لا يمكن تكرار أغاني التراث بأسلوب تقليدي، لذلك أحاول تقديم الجديد مع الحفاظ على مستوى معين يقنعني فنيًا.

أليس من الصعب إيجاد الكلمة واللحن في عصر لا يشبه الموسيقى التي تقدّمينها؟

صحيح، لذلك قلة هي الأعمال الجديدة التي أقدمها. أخشى من عدم الاستمرارية، أحب الكلاسيكية التي لا يمكن الاستمرار فيها، من هنا يضم عملي الجديد بعض التنوّع مثل «حفلة ترف».

أدخلت موسيقى غربية على الموشّحات، هل تحاولين أن تخلقي نوعًا جديدًا منها؟

من السهل تقديم التراث في شكله القديم من دون التجديد فيه، لكن من الصعب أن يتقبل الجمهور الراهن الموشحات على النحو التقليدي. يعلَّم موشح «منيتي عز اصطباري» في المعهد الموسيقي الوطني وأديته مع «الدرامز» في شكل كلاسيكي يأخذ المستمع الى مكان آخر، وهو من أجمل أغنيات الألبوم الجديد. عندما أقدم الأعمال القديمة أغيّر في أسلوب عرضها، لكنني لا أشوّهها لأنني أقدّر هذه الموسيقى الى درجة أنني أخشى عليها.

ماذا تعني لك تلك الموشّحات؟

قالب من قوالب الموسيقى العربية غير الصعبة، تتضمن الإيقاع المنوّع والغني بالمقامات لذلك أحبها.

كيف تختارينها؟

لم أكن أختارها عندما كنت يافعة بل حفظتها عن ظهر قلب وأملك اليوم مخزونًا كبيرًا منها. عندما دخلت المعهد الموسيقي الوطني في الثانية عشرة من عمري، كنت أملك كل هذا المخزون الذي يدرّسونه طيلة أربع سنوات.

أشعر بأن الموشحات ليست طربًا، هي خفيفة ولكن غنية وتتميز بالسهولة، ومن الممكن إفسادها بسهولة من جهة أدائها بشكل سيئ.

هل تجد لها آذانًا صاغية في الوقت الراهن؟

ليس كثيرًا ولكن لا يمكن لوم الجمهور، لأنه لو قدِّم إليه هذا النوع الموسيقي لأَحَبه. عرف الجيل القديم الموشحات وعايش الطرب، أما الجيل الراهن، عدا الذين يدرسون الموسيقى او يعيشون في منزل يعشق الطرب، فلم يتسن له الاستماع الى هذا النوع الموسيقي.

هل من الممكن أن تجذبي الجيل الشاب إلى الموسيقى الطربية؟

اختلف جمهوري الراهن عن جمهوري السابق الذي اقتصر على الكبار ومحبي الطرب. ينجذب الجيل الشاب الذي يأتي إلى حفلاتي إلى موسيقى الجاز التي أدمجها مع الموشحات، وهذا يفرحني لأن الاستمرارية هي مع الشباب، مثلا استمرّت فيروز من خلال موسيقى زياد الرحباني فاستطاعت أن تستقطبهم. تغيرت حياتنا ويجب أن تتغير الموسيقى. لا تشبهنا الموسيقى التقليدية ولا تشبه حياتنا، لذلك أدخل إليها الدرامز والجاز.

هل تستخدمين الدرامز والجاز لجذب الشباب؟

الهدف هو تقديم موسيقى أحبها ومقتنعة بها لأنام مرتاحة الضمير، لا أقدم شيئًا لا أحبه، وأقتنع بما أقدم، أحب الجاز وهذا ما أريد القيام به.

هل تظنين أن إقبال الشباب على الموسيقى التي تقدّمينها هو هروب من الموسيقى السائدة راهناً؟

لا أعرف، ربما لأن لا خيارات منوعة تقدم إليهم، وقد يكتشفون أنهم يحبون الموشحات التي لم يتعرفوا اليها سابقًا. من جهة أخرى من الطبيعي ألا ينجذبوا الى الطرب إن سمعوه في التسجيل القديم، إنما سيتواصلون أكثر مع التسجيل الأقرب الى عصرهم والمتجدد.

هل تخشين عدم الاستمرار او الانتشار؟

لا أخشى من عدم الانتشار لأن فضيحة واحدة قادرة أن تحققه، بل أخشى من عدم الاستمرار وألا أرضي الجمهور أو ألا أتطور في عملي. في الألبوم الأول، لم أشعر بالمسؤولية بمقدار ما أشعر بها اليوم. يتحقق استمرار الفنان بالجهد الشخصي والتفتيش عن الجديد.

الا تفكرين بتقديم نوع موسيقي مختلف؟

كانت لي تجربة ناجحة مع توفيق فروخ في «توتيا» أحببتها ولم تكن قريبة من الموشحات، ما يثبت أنني أقدم شيئًا مختلفًا شرط ألا يكون أدنى مستوى عما قدمت سابقًا.

«حفلة ترف» انتقادية، الى من توجّهين انتقادك؟

هي تشبه واقعنا ومستقبلنا. تتوجه الى الجميع وتحكي عنّا ولكنها رسالة غير مباشرة وغير تهجمية ولا تدعم طرفًا لبنانيًا ضد آخر.

هل تعزفين على أية آلة؟


أعزف على العود. منذ أكثر من عشر سنوات أعمل مع الموسيقي الهولندي طوني اوفرووتر الذي يعزف على الكونترباص. ليست هذه الآلة معدة لمرافقة المغني ومن الصعب أداء أغاني الديو معها لأنها آلة إيقاعية غير معدة للموشحات او لفن وديع الصافي او الفن الشرقي، لذلك تولد شعورًا بالفرح والمتعة في الغناء وأشتاق دائمًا إليها.

يطغى صوتك على الموسيقى في الحفلات. أليس صعبًا أداء الأغنيات هكذا؟

كثيرًا. قدمت حفلة في لندن من دون موسيقى ولكنني أتجه الى خفض عدد الآلات والفرقة الموسيقية والاوركسترا، لأن ذلك يخلق جوًا حميمًا أحبه في الموسيقى.

أليست وسيلة لإثبات قدراتك؟

لست ممن يعرضون عضلاتهم الفنية. لا أهدف إلى تقديم حفلة ديو مع الكونترباص لأثبت قدرة صوتي في الغناء بل أقوم بذلك لأنه يشعرني بالمتعة.

بمن تأثّرت فنيًا؟

زكريا أحمد من الملحنين الذين أغني لهم دائمًا، في طفولتي كلما اخترت أغنية لأم كلثوم اكتشفت أنها من أعماله. أغنياته طربية من النوتة الموسيقية الأولى الى الأخيرة، وهو الأقل تأثرًا بالغرب ويتميز لحنه بالطرب الأصيل. حبيب القلب محمد عبد الوهاب أعده في الدرجة الأعلى من سلّم الفنّ. يبدأ الفنان بأم كلثوم وليلى مراد مرورًا بالسيد درويش ومحمد فوزي وزكريا احمد وصولاً الى عبد الوهاب، ما يعني أننا وصلنا إلى آخر السلّم. اما فيروز ووديع الصافي فهما موجودان في ذهننا ولاوعينا.

كيف استدليت الى العمالقة في طفولتك؟

كنت أحب هذه الموسيقى ولم يدفعني أحد إليها. حفظت أعمالهم من دون أن أشعر بذلك، فكنت أستمع اليهم طيلة النهار وكانت هذه الموسيقى نشاطي بعدما أنهي فروضي المدرسية.

هل يجسد هؤلاء تراثك وثقافتك؟

أكيد. نواجه مشكلة كبيرة في مدارسنا مع اللغة العربية، نفرح عندما يتقن أولادنا اللغات الأجنبية على حساب إهمال لغتنا الأم مع أنها الأجمل في العالم وكذلك الموسيقى العربية. أعطي دروسًا سنوية في أميركا عن الموسيقى الشرقية وأجد أن الأميركيين يهتمون بتعلّم الغناء العربي وعزف العود والناي ويقدرون اللغة العربية أكثر مما نفعل.

ما الأهم بالنسبة إليك الكلمة أم اللحن؟

في طفولتي كان اللحن الأهم بالنسبة اليّ لأنني لم أكن أفهم الكلمة التي أؤديها. أما الآن فهما بالأهمية نفسها أو أن اللحن أهم بقليل من الكلمة، من الممكن أن يجذب المستمع حتى لو لم يفهم كلمات الأغنية.

كيف تصفين الوقوف على المسرح والتفاعل مع الجمهور؟

مزيج من الرعب والفرح والمسؤولية والحلم والغيبوبة.

ألا تسعين الى الشهرة والأضواء؟

أفضل أن أبقى حرة لا تقيدني الشهرة وليس وقوفي على المسرح بحثًا عن أضواء الشهرة، والتفاعل مع الجمهور شعور رائع لكنه مسؤولية وضبط أعصاب.

لو عدت بالزمن إلى الوراء ماذا كنت تفضلين أن تكوني خارج إطار الغناء؟

أعيش التجربة نفسها ولا أندم على شيء ولن أغير شيئًا في نفسي.أشعر بأنني عشت طفولتي بالغناء. الفرح الذي يكسبه الأطفال باللعب كنت أشعر به في الغناء. منذ فتّحت عينيّ عشت الفن، لذلك لا أتخيل نفسي بعيدة منه.

بعضهم يعرّف الفن بالرسالة والبعض الآخر بالموهبة وآخرون بالمهنة. كيف تعرّفين عنه أنت؟

هو رسالة وموهبة في آن وهواية تحتاج إلى العلم والعمل طيلة الحياة، ورسالة تحدٍّ وصمود ومقاومة ورفض لواقع معين، فتقديم هذا النوع من الفن في عصرنا هذا تحدٍ في حد ذاته ومقاومة.

ألا يعجبك أحد الفنانين اللبنانيين؟

ثمة تجارب كثيرة ومحاولة لمحاربة هذا الواقع. يلفتني توفيق فروخ وزياد الرحباني وشربل روحانا...

ما هي حدود الفنان؟

يجب أن يدرك مستوى موهبته وقدراته الفنية وعدم تخطّيها وعدم تجاوز هذا المستوى. قد يبدع وينجح انطلاقًا من قدراته المحدودة.

من يتحمل مسؤولية الفن الهابط؟

الوضع السياسي والاجتماعي والإعلام. كل شيء يؤثر في الفن ليس في لبنان فحسب بل في العالم. أصبح الفن وظيفة وموضة. تجري الدخيلات عليه عمليات التجميل ويتعرّين وتدريجًا نعتاد عليهن، فيأتي بعدهنّ الأسوأ.

كيف تصفين فنك؟

أصيل. لا أخشى تقديم أنواع أخرى ومنفتحة على التنوع الموسيقي لكنني لا أرحم نفسي فنيًا ولا أحيد عن الخط الذي حددته لنفسي.

ما جديدك؟

جولة في الخارج للترويج للألبوم الجديد «فلك»، ولم أشعر بعد أنني أصبحت في مرحلة ما بعده.