الحجاب... عندما يخفي قضايا حقوق الإنسان

نشر في 28-04-2009 | 00:00
آخر تحديث 28-04-2009 | 00:00
No Image Caption
صدر عن «دار طوى» حديثاً الحلقة الأولى من «سلسلة دفاتر ثقافية» بعنوان «الحجاب»، من إعداد سارا كانتكوس. يتضمن الكتاب عدداً من البحوث والنصوص لكتّاب عرب يتناولون موضوع الحجاب وإشكالياته.

في مقدمة الكتاب يعتبر القيّمون على السلسلة أن موضوع الحجاب وما يمثله ومدى ارتباطه بقضية تحرير المرأة وهويتها، هو بلا شك، موضوع شائك، ومن الواجب التطرّق إليه بالبحث والتحليل العلمي والموضوعي، في ظل البحوث الفقهية المكررة حوله، التي يتنازع أصحابها للاستدلال بآية أو حديث بغية الانتصار على الطرف الآخر من فقهاء خالفوهم في هيئة الحجاب وحدوده، من دون طرح مبررات عقلية كافية تفرّق بين الوجه والشعر، ومن دون ذكر منطق يفسر كيف يصبح وجه المرأة عاراً، ويوضح لماذا عليها أن تخجل به، أو لماذا عليها أن تفر إذا أبصر رجل غريب وجهها عارياً من الغطاء الأسود؟

معركة

يتطرّق الكتّاب إلى النصوص القرآنية من خلال منهجية عقليّة تحليليّة، مع الالتفات إلى خلفيّة الفتاة التي تضع الحجاب المعاصر، وصولاً إلى الأسباب التي دفعتها لوضع هذا النوع من الحجاب والدور السياسي الذي أدته الجماعات الإسلامية في هذا المجال، كبديل ونقيض للحركات اليسارية والعلمانية. ناهيك عن الإشارة إلى دور العامل الاجتماعي وإشكالية الفقر تحديداً في معركة الحجاب.

كذلك يستعرض الكتّاب بعد الحجاب الإنساني، إذ يرد في أحد البحوث: «المتأمل في خطاب أنصار الحجاب من جهة، ودعاة السفور من جهة أخرى، يجد أن التركيز على مظهر المرأة واختزال قضاياها في النقاب والخمار والبرقع، يخفي قضايا تتصل بحقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية والهوية والمواطنة، والخيارات الإيديولوجية وطريقة تمثل الحداثة وغيرها من المسائل. ومعنى ذلك أن قضية «الحجاب» تنهض بوظيفة الحجب فتسدل الستار عن قضايا هي، في الواقع أهم بكثير من مسألة حجب الجسد الأنثوي».

ومن بين المواضيع الأخرى التي يراعيها الكتاب، تنوع الأفكار في البحوث، التي يختلف فيها مركز الرؤية وسبل المعالجة، بل قد يتعارض الباحثون في بعض القضايا وهذا من شأنه إثراء المسألة وإشباع النقاش فيها.

فساد جنسي

تشير الكاتبة عائشة التاج إلى أن الواقع يثبت بأن ظواهر الفساد الجنسي الأكثر انحطاطاً ومأساوية موجودة في المجتمعات المغلقة، حيث ترتفع نسب جنس المحارم والاغتصاب وغيرها من أشكال الشذوذ الجنسي، وراهناً يخترق الجنس الأنترنيتي السياجات كافة، فأي الحصانات أنجع؟ وبالتالي فالحجاب هو حجاب العقل، والحصانة الأخلاقية لا تتم إلا عبر منظومة تربوية وتنشيئية راقية ومتماسكة تراعي حاجيات الإنسان باعتباره كائناً متعدد الأبعاد، وبالتالي فهو جوهر لا مجرد وعاء جسدي يرتهن إلى غرائزه في كيفية إنتاج تفاعلاته العلائقية. بالإضافة إلى أن غياب المنطق العقلاني في بعض عاداتنا يفرز سلوكيات يطبعها التناقض، علماً أن المتحجبات حرصن على المزاوجة بين الحجاب والتبرّج في أبهى صوره، ما يعطيهن جاذبية أكثر من غير المتحجبات.

كذلك تتحدث الكاتبة عن دلالات ظاهرة الحجاب الاجتماعية والثقافية، التي تعتقد أن الجسد يحمل رسائل كثيرة غير معلنة. وتؤكد في هذا السياق أن الحجاب يحمل الدلالات التالية: الحجب، الإخفاء والتستر، وبالتالي فهو يرمز اجتماعياً إلى تقوقع والحصار والتسييج. حصار له تداعيات تتجاوز جسد المرأة نحو شلّ حركتها الجغرافية وبالتالي مجالها الاجتماعي، فالمرأة تعتبر عورة وهذه العورة تستدعي اللجم والإخفاء.

ويميز الكاتب حسني أبو المعالي بين ثلاثة أنواع من الحجاب، أخطرها حجاب عقلية الرجل العربي المتزمت، التي تعتبر المرأة إحدى ممتلكاتها وأشيائها، فيتصرف الرجل بالمرأة كما يشاء ويتعامل معها بحسب أهوائه ونزواته، وهو بعقليته المتحجرة فرض عليها ألواناً من الحجاب بعيداً عن أي قيم جمالية أو موروث ثقافي، وأبعدها عن دورها الحقيقي والفاعل والبناء.

أما النوع الثاني من الحجاب فهو ذاك الذي تلبسه السلطات المستبدة إزاء شعوبها لإخفاء عوراتها كي تبقى الشعوب جاهلة عمّا يدور في كواليس السياسة، ناهيك عن تفشي مختلف أنواع الأمي، والشعوب الجاهلة تصبح بالضرورة عدوة لأوطانها.

والنوع الثالث هو حجاب المرأة الذي جاء نتاج لحجاب الرجل والسلطة من جهة وحصار الجوع والجهل من جهة أخرى. ويرى الكاتب أن هذه هي حال المرأة والوطن في مجتمعاتنا، كلاهما عورة في نظر الجهل والتخلف والسياسة الرعناء، فأيهما أكثر خطراً على المجتمع العربي حجاب الرجل أم حجاب المرأة؟

سمة عامة

توضح الكاتبة إيمان ونوس أن قضية الحجاب برزت في الأعوام الأخيرة كظاهرة لافتة، حتى باتت سمة شبه عامة في المجتمع، وللأعمار كافة، وهذا لا يعني إلا توجهاً حثيثاً لإبقاء المرأة أسيرة مفاهيم وقيم تعمل جاهدة على حبسها في زاوية ضيقة تمنع عنها رؤية الأمور بطريقة صحيحة وسليمة. وتعمد المفاهيم إلى تكريس أنوثة المرأة حجباً أو تعرياً بعيداً عن محور إنسانيتها، وبالتالي السيطرة عليها، عبر فتاوى رجال الدين المتزمتين والذين يخافون تطور وعيها، كي لا تتقلّص مساحة سلطتهم.

أما فيما خص الأطفال فتؤكد الكاتبة ونوس أن تحجيبهن وتقبيع رؤوسهن الصغيرة بغطاء لا يأسر طفولتهن فحسب، بل يغتالها عنوة ويقصيها من عالم البراءة والنقاء، متجاوزاً مرحلة مهمة من حياة كل كائن حي، هذه المرحلة التي تشكّل المخزون العاطفي الذي يرتقي به الكائن إلى مراتب الإنسانية والنضج بمستوياته كافة (ذهني، عقلي، عاطفي واجتماعي).

أما الكاتب فرانسوا باسيلي فيذكر أنه كان يدرس في حصص الدين في المدارس المصرية أن أركان الإسلام الخمسة هي: الشهادتان والصلاة والصوم والزكاة والحج لمن استطاع إليه سبيلاً. أما اليوم فيجد أن المتشددين أضافوا ركناً سادساً إلى الإسلام وهو الحجاب. ويلاحظ أنه في خمسينات القرن الماضي وستيناته كانت غالبية نساء مصر غير محجبات، فهل من المعقول أن ملايين المصريين لم يعرفوا فرضاً أساسياً من فروض دينهم في تلك الفترة؟ وهل معقول أن يكون الحجاب فرضاً ولا يقول ذلك شيخ الأزهر ووزير الأوقاف وكبار دعاة مصر في وقتها؟

ويوضح الكاتب أن ثمة علماء ودعاة كبار يقولون إن الحجاب ليس فرضاً، أبرزهم المفكر جمال البنا شقيق حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين. كذلك أصدر الشيخ حسن الترابي أخيراً تصريحات تجيز السفور. ويضيف باسيلي بأن الجماعات الإسلامية والدعاة المتشددين يسارعون إلى تكفير هؤلاء وإخراجهم من الملة كي لا يفسدوا عليهم حالة التسلط الذكوري التي يمارسونها على نساء مصر. فهم يصادرون ويكفرون الفكر الآخر ولا يحترمون حرية الرأي.

back to top