الطنين في الأذن... أعراض مقلقة والعلاج مجهول!
يتذكر النقيب الأميركي ناثان غرين صوت جهاز الإنذار في ذلك اليوم من شهر أبريل (نيسان) الماضي في المنطقة الخضراء في بغداد. يذكر أنه ركض ثم سمع صوت انفجار الصاروخ الهائل الذي وقع وراءه بـ9 أمتار تقريباً. لقد أغمي عليه، عانى من إصابة في الدماغ وهو يسمع الآن صفيراً وتشويشاً طيلة الوقت.
يعاني غرين (32 عاماً) الذي عمل كضابط في قسم الطقس في سلاح الجو الأميركي طوال تسع سنوات، طنيناً أو صفيراً في الأذن، ولم يتوافر له العلاج بعد، لكن تجرى باستمرار أبحاث في سبيل ابتكار علاج مناسب. استناداً إلى دراسة أجريت عام 2007، تقدر مراكز التحكم بالأمراض والوقاية أن 23 مليون شخص تقريباً في الولايات المتحدة يسمعون أصواتاً على رغم غياب أي أصوات خارجية. وترى الجمعية الأميركية لطنين الأذن أن الرقم قد يكون 50 مليوناً، استناداً إلى دراسة أجرتها جامعة غالوديه في تسعينات القرن الماضي.وتشير الدراسة إلى أن 12 مليون شخص تقريباً يعانون حالة مزمنة تدفعهم إلى طلب العناية الطبية؛ ويُذكر أن مليوني شخص تقريباً لديهم هذه الحالة لكن بدرجة أكثر حدة تجعلهم عاجزين، وتتداخل مع قدرتهم على النوم والتركيز، وتمنعهم من التفاعل الاجتماعي والعمل.عوامليؤدي عامل التقدم في السن وأمراض جسدّية معينة دوراً بارزاً على صعيد طنين الأذن، لكن المسؤول الأساسي عن المشكلة هو الصوت المرتفع، والضرر الذي يلحقه بالأذنين، خصوصاً الأذن الداخلية. مصادر هذا النوع من الضجيج منتشرة حولنا: أجراس الإنذار، موسيقى الروك، مجفف الشعر، الثقابات، المنشار الكهربائي... بالإضافة إلى أنواع الضجيج هذه كلها، ثمة مجموعة أصوات يسمعها الجنود خصوصاً، وهذا ما يبرر سبب تصنيف طنين الأذن باعتباره أبرز إعاقة مرتبطة بالخدمة العسكرية في صفوف الجنود الأميركيين في العراق.وأي صوت يتخطى الـ85 ديسيبيل، ما يوازي تقريباً صوت ازدحام سير عادي نسمعه حين تكون نافذة السيارة مفتوحة، قد يضر بالأذن. وثمة أيضاً قلق متزايد من أن الشباب عرضة لهذا الخطر كثيراً لأنهم يرفعون كثيراً صوت أجهزة الـMP3 والـiPod الخاصة بهم.جذب طنين الأذن انتباهاً متزايداً في الفترة الأخيرة لأن قسم «شؤون المحاربين القدامى» في الولايات المتحدة أفاد عن إصابة 400 ألف جندي عام 2006، وبلِّغ العام الفائت عن إصابة حوالى 93 ألف جندي عائد من العراق. يعتبر الطنين إعاقة نسبتها 10%، ما يوازي 1320 دولاراً سنوياً عن كل مريض. خلال 50 عاماً يُدفع مبلغ 6 مليارات دولار للـ93 ألف جندي تعرضوا العام الفائت لهذه المشكلة. وعدد الذين يعانون من الطنين يتزايد: زادت دفعات إعاقة الطنين بنسبة 16% ما بين عامي 2005 و2006.الأبحاث التي أجريت حول هذه المشكلة محدودة. وتصرح الجمعية الأميركية لطنين الأذن بأن الأموال العامة والخاصة المكرسة للأبحاث بلغت 3 ملايين دولار تقريباً عام 2007. وتسعى الجمعية الى الحصول على مزيد من الضمانات الحكومية المخصصة للأبحاث الطبية، خصوصاً من وزارة الدفاع.بيتهوفنليس طنين الأذن ظاهرة جديدة فقد تحدث عنها أبوقراط، وعانى منها بيتهوفن. أما بيت تاونشند، عازف الغيتار الأساسي في فرقة the Who فيصفها بالحالة الخطيرة. كذلك يعاني مقدّم البرامج ديفيد ليترمان من هذه المشكلة.يشير الجميع إلى العوارض نفسها: رنين، هدير، هسهسة، وصوصة، أزيز، أو طقطقة فيما الأصوات معدومة في المحيط الخارجي.يعتقد الأطباء أن سبب المشكلة الأذن الداخلية، حيث عشرات آلاف الخلايا، كل واحدة منها مغطاة بأهداب ساكنة. تساعد الخلايا في تحويل ذبذبات الأصوات إلى نشاط عصبي يوزع من خلال عصب السمع إلى أجزاء مختلفة من الدماغ ليخضع للمعالجة.أشار كريغ كاسبر، اختصاصي في علم السمع في نيويورك، في اتصال هاتفي معه إلى أن «الخلايا في الأذن الداخلية ممتدة على شكل لوحة مفاتيح البيانو. كل واحدة منها لها ترددها الخاص وعندما تموت أهداب ساكنة معينة، يبدو الأمر وكأن مفاتيح معينة في البيانو لا تعمل، لا تضرب على الأوتار». ويبدو أن المفاتيح ذات التردد العالي هي التي تفسد في البداية.عندما تتضرر هذه الأهداب في آذاننا، لا تعود إلى النمو، فيما تنمو مجدداً لدى العصافير والدجاج. ما سبب الطنين إذن؟ يعتقد الأطباء بأن الصوت الذي يسمعه المصابون تولّده الأذن، لكن باول جاستربوف ورواد آخرون في هذا المجال اعتبروا أن مصدر الصوت الحقيقي أجزاء معينة من الدماغ. وأكدت صحة ذلك أبحاث يجريها الباحثون من خلال تقنيات تصوير الدماغ.قام مدير مركز السمع والصمم في جامعة نيويورك الحكومية ريتشارد سالفي بأحد هذه الأبحاث واقترح أن الدماغ يستجيب لتراجع حدة السمع بسبب الضرر في الأهداب بطريقتين مترابطتين.ويُقال إن اختفاء الصوت قد يوقظ في الدماغ ذاكرة الصوت، فيما يوّلد تراجع السمع نشاطاً عفوياً في الدماغ. كذلك قد يؤدي المزج بين هذه العوامل إلى الإصابة بـ{الصوت الشبح»، والذي يحدث عندما تموت أهداب الأذن الداخلية الساكنة، وفي هذه الحالة يكون الدماغ معداً لسماع شيء ما لكنه لا يسمعه، لذا عليه ملء هذا الفراغ بشيء ما».يشبّه سالفي ذلك الأمر بالاستماع إلى الراديو في السيارة. ويعلّق في مقابلة هاتفية أجريت معه أنه «كلما ابتعد المرء عن الراديو ولم يعد قادراً على الاستماع إليه جيداً، أصبح لديه ميل إلى رفع مستوى الصوت»، ويحاول الدماغ التعويض بطريقة مشابهة. وبسبب الاتصال بين أجزاء مختلفة من الدماغ، يمر الافتقار إلى المعلومات بسبب غياب الأهداب الساكنة عبر محطة تحكّم عاطفي هي الجهاز الحوفي limbic system. وقد يؤدي إلى هذه الحالة ويزيد حدتها القلق، الضغط النفسي، وأحياناً الاكتئاب. ويوضح غرين أن هذا الطنين يصبح أسوأ خصوصاً عندما يعاني من ضغط نفسي كبير، ويضيف أنه يعاني من داء الشقيقة نتيجة الإصابة في دماغه ويعلق بأن الطنين يزيد داء الشقيقة حدة وبالتالي يفاقم المشكلة. لكن ما العمل؟ مشاكل محتملةيشير الأطباء إلى أنه لا بد من تحديد المشاكل الجسدية الكامنة المحتملة (في الفك، العنق، مشاكل في العمود الفقري العنقي...) ومعالجتها. يختفي الطنين أحياناً بعلاج أحد هذه المشاكل. لدى الجمعية الأميركية لطنين الأذن أكثر من 200 دواء يُباع من دون وصفة طبية ويذكر الطنين كتأثير جانبي محتمل له. وقد أدى علاج قديم لالتهاب المفاصل من خلال تناول جرعات متزايدة من الأسبيرين إلى أن يسمع المصاب طنيناً في أذنيه، وما أن يخفض جرعات الأسبيرين حتى يتوقف الطنين. لكن هذا العلاج لم يعد معتمداً.تبرز في علاج المشكلة تقنية «التحكم بالطنين» من خلال الاستشارة والعلاج الجيد للسمع. يتمثل الهدف في التخلص من الصوت المتخيل «لجعل الطنين يحتل الخلفية» بحسب كاسبر الذي يعزو أصواتاً يسمعها إلى عزفه على الغيتار الكهربائي عندما كان ضمن إحدى الفرق. أضاف كاسبر: «على المريض جعل الأمر يبدو وكأنه يتحدث عن الثلاجة: تسمعها تدور، لكن الدماغ يتعرف فوراً إلى الصوت باعتباره صوتاً عادياً ويغض النظر عنه». يتطلب التوصل إلى ذلك مرونة الدماغ: قدرته على الاستيعاب، التعلم، الحفظ، النسيان، الإغفال وإعادة رسم الروابط بين الأعصاب.يختلف معدل نجاح هذه العلاجات بحسب كل مصاب، لكن النتائج مشجعة نوعاً ما. تفتح المرحلة التمهيدية من الاستشارة أمامك وجهة نظر معينة. فمعرفتك أن الطنين، الذي يترافق عادة مع خسارة نسبية في السمع، لا يعني خسارة تامة للسمع، تساهم في التخفيف من الضغط النفسي الذي قد تعاني منه.تدير ميشيل سبنسر، اختصاصية في طب السمع، إلى جانب مارغريت جيلكا برنامج علاج سريري للطنين في المركز الطبي البحري في بثيسيدا بماريلاند، وغرين أحد المشاركين الأساسيين.تستهل سبنسر العلاج باستجوابات هدفها تحديد الأوقات التي يبلغ فيها الطنين أوجه، تليها جلستان ضمن مجموعة من المصابين. تتطرق الجلسة الأولى للنظرة إلى الطنين، وتسمح بالإفساح في المجال أمام التحدث عنه. ويعمل المشاركون على تطوير «برامج السمع» الخاصة بهم.حاول غرين على غرار كثيرين التخلص من الطنين بطريقته الخاصة قبل مشاركته في برنامج بثيسيدا ويوضح في هذا المجال: «لم أكن أستطيع النوم، واكتشفت أنني بحاجة إلى صوت ما كي أنام». لذلك ركّب مروحة في غرفة النوم وأدارها على سرعة كبيرة سواء كانت حرارة الطقس 40 أو 90 درجة. على رغم أن هذه الطريقة ساعدته كثيراً إلا أنها «قادت زوجتي إلى الجنون. إذا نظرت إلى سريرنا رأيت شرشفاً خفيفاً على جهتي من السرير وخمسة أغطية على ناحيتها للتخلص من الصوت».تقدم خطة الصوت التي عمل عليها غرين ضمن برنامج بثيسيدا خلفية من خلال اختيار أو المزج بين ثلاثة أنواع من الأصوات: أصوات الطبيعة (المطر، صوت الشلالات)، صوت الموسيقى، أو الحديث (كالاستماع إلى الراديو). أما الجلسة الثانية فيقيس المعالج خلالها مدى نجاح خطة السمع الفردية. ويجرب المصاب بحسب سبنسر «أساليب متعددة إلى أن يجد الحل المناسب له». إذا نجح في ذلك يرسل برنامج بثيسيدا المرضى إلى أماكن أخرى، إلى مركز السمع والاتزان في المركز الطبي التابع لجامعة ماريلاند في بالتيمور غالباً، ليتمكنوا من الحصول على أجهزة قد تحسن سمعهم.ثمة برامج متعددة تشمل أجهزة كهذه: علاج الطنين بالتدريب، علاج إخفاء الطنين، علاج الطنين بالنشاطات، فضلاً عن برنامج من ابتكار شركة Neuromonics. وتلجأ البرامج عموماً إلى مولدات للصوت توضع في الأذن لمدة 18 شهر أحياناً. التقدم على صعيد فهم الطنين مستمر ويعزى جزء منه إلى تقدم على صعيد تقنيات تصوير الدماغ، على غرار المسح بالرنين المغناطيسي الذي يمكن من خلاله تحديد أجزاء الدماغ التي يجرى فيها هذا النشاط. كذلك يمكن لانقباض الفكين أن يزيد الطنين أو أن يخفف من حدته لدى البعض. على رغم التقدم المحقق بالنسبة إلى مرضى كثيرين، تحتاج مسألة تعلم كيفية التخفيف من حدة الطنين أو التعايش معه إلى التكيّف. أصبح بمقدور غرين الآن استبدال المروحة التي تصدر الضجيج بمرطب للجو لا يصدر الأصوات، وبذلك ينام هو وزوجته بشكل أفضل.