البحوث العلمية تُنتَهك...لمصلحة الوجاهة والترقيات! سرقة 400 نتاج علمي من بينها 16 بحثاً في جامعة الكويت
شاعت سرقة البحوث العلمية في الكويت، خصوصا في الأوساط التعليمية، حتى وصلت إلى جامعة الكويت، والتي من المفترض فيها أن تكون الحصن المنيع أمام هذه الفضيحة التي تحولت إلى ظاهرة، ووصل الأمر إلى عقد مساومات بين بعض لجان تقييم البحوث، مع عدم وجود حيادية، بالإضافة إلى ترقيات عمداء وأساتذة عن طريق تمرير أبحاث مسروقة، وعدم خضوع بعض الكتب التي تدرَّس في الجامعة لمجلس النشر العلمي لمراجعتها وإعادة تقييمها.
السرقات العلمية هي الطريق السهل الذي يسلكه اليوم عدد ليس بقليل من أساتذة الجامعة، بهدف تحقيق مكاسب مادية وعلمية، متساويا مع من اجتهد وبحث، بل إن البعض يأخذون الفكرة من غيرهم وينسبونها إلى أنفسهم. والجدير بالذكر أن البحوث العلمية هي أحد الأنشطة الأساسية للجامعات وتطلب توافر كل عناصر الأمانة العلمية في الجامعة، لكن المفارقة أن يكون الأساتذة أنفسهم هم من يقوم بسرقة اجتهادات الآخرين.لقد وصل الأمر حد أن يكلف بعض الأساتذة طلبتهم بمشاريع بحثية ثم ينسبونها إلى أنفسهم، ومن ثم يكافأون علىها في ظل غياب الضمير والأمانة العلمية. رغم أن نتاج العقل له حرمة يجب أن تصان، بمقتضى احترام حقوق الملكية الفكرية، التي تعاقب كل من يحاول سرقة بحوث الآخرين.التهاون هو السببفي هذا الصدد يقول أستاذ علم النفس بكلية التربية-جامعة الكويت ا.د.صلاح مراد إن «العلم تراكمي ولا يستطيع أي باحث أن يكمل بحثه من دون الاطلاع والاقتباس من بحوث سابقة، لكن الاقتباس يتطلب الإشارة بوضوح إلى المصدر الذي استقى منه بعض المعلومات، التزاما بالامانة العلمية واحترام ملكية الآخرين»، وفي هذا الخضم من السرقات العلمية دعا الى «ضرورة اجتهاد المجلات العلمية وتفعيل دورها للوقوف في وجه هذه الظاهرة»، وأرجع السبب في ذلك إلى «التهاون الذي يحدث أحيانا من بعض لجان التحكيم من قبل المجلة التي تقوم بنشر البحث العلمي».وهو أيضا لا يغفل مسؤولية الأستاذ الجامعي المشرف على البحوث إذ أكد مراد أنه يقوم في إطار حرصه الدائم على التأكد من سير البحوث في مسارها الصحيح بعمل إعادة مراجعة أثناء تقييمه لكل بحث مقدم إليه، لافتا الى إنه يستطيع المعرفة بسهولة ما اذا كانت فكرة البحث مقتبسة أو منقولة من أبحاث أخرى، وما إذا كان يحتوي على إضافة علمية، ولم ينف اكتشافه بحوثا مقتبسه سابقا، حين تقدم له أحد الأساتذة ببحث بداعي الترقية، ففوجئ بأن البحث مقتبس من بحث آخر من دون الإشارة إلى ذلك، فقام بإعطائه تقدير «ضعيف» من دون اتخاذ أي إجراء آخر، على الرغم من وجود قانون الملكية الفكرية في الكويت الذي يتيح لصاحب أي بحث مقاضاة من اقتبس من بحثه من دون الإشارة إلى اسمه. وأوضح مراد أن هنالك «أسسا منهجية للبحث، فإذا لاحظنا وجود خلل في اتباعها فإننا نلفت نظر الباحث، ونقدم تقريرا كاملا عن جميع الثغرات في بحثه ولكننا يجب أن نعرف انه لا يمكن لأي باحث ان يتجنب وجود بعض الثغرات في بحثه»، مشيرا إلى «عدم وجود آلية معينة بين الدول العربية للحد من ظاهرة سرقة البحوث العلمية، ولا يوجد تعاون في مجال البحث العلمي، ولا حتى في الجامعات الأجنبية».أستاذة تسرق بحثينمصادر مطلعة في جامعة الكويت رفضت ذكر اسمها، كشفت أن هناك العديد من الأساتذة في جامعة الكويت الذين يستسهلون العمل البحثي عن طريق الاقتباس الحرفي أو الجزئي، بسبب عدم قيام بعض لجان التحقيق بدورها، مشيرة إلى مثول أحد أعضاء هيئة التدريس في كلية التربية قسم علم النفس بجامعة الكويت أمام لجنة التحقيق، بعد أن ثبت إدانتها بالاقتباس الحرفي لبحثين سبق أن تقدمت بهما بدافع الترقية، من دون حتى الإشارة إلى المصدر الذي نقلت منه بحثيها، واستغرب المصدر عدم اتخاذ أي إجراء قانوني ضدها حتى الآن على الرغم من تحويلها إلى لجنة التحقيق منذ ثلاثة أشهر.سرقة الكتبمن جهته أكد أستاذ علم النفس بجامعة الكويت الدكتور عواد الغريبة «عدم وجود ضوابط واضحة في الوطن العربي من شأنها تفعيل الحماية الفكرية للمؤلفات، بالرغم من وجود اقتباسات كاملة تصل الى مرتبة السرقة، في حال عدم الإشارة بوضوح إلى المصدر الذي اقتبس منه المعلومات»، مبينا أن الأمر «لا يقتصر على البحوث العلمية فقط، لكنه شاع بين كل نتاج علمي في الوطن العربي»، مستشهدا بالعديد من الكتب التي نقلت بالكامل من مؤلفات أخرى، أو كلف المؤلف شخصا آخر بتأليف الكتاب، بسبب «عدم خضوع العديد من الكتب التي تدرس في جامعة الكويت إلى مجلس النشر العلمي»، لافتا الى أن «الكتب التي تخضع لمجلس النشر العلمي تكون موثقة، بعد التأكد من ذكر المؤلف بوضوح لكل مصدر استقى منه بعض المعلومات»، واعتبر أن «دور النشر لعبت دورا كبيرا في زيادة هذه المسألة، حيث سهلت جميع الأمور وأزالت جميع العقبات أمام الدكتور «صاحب الكتاب» فما علىه سوى دفع المصاريف وتتولى الدار مسؤولية التأليف».443 نتاجاً علمياً مسروقاًوأكد الغريبة وجود «مايقارب 443 نتاجا علميا من ضمنهم 16 بحثا مقتبسة من أبحاث أخرى في جامعة الكويت وبعضها مقتبس حرفيا والآخر جزئيا»، مطالبا بـ«تحويل أصحابها جميعا إلى لجنة التحقيق كما ينص قانون الجامعة، وفتح تحقيق في بحوث السنوات الثلاثة الأخيرة وإعادة تقييمها، وإذا تمت التحقيقات بشفافية فإن اللجنة ستجد العديد من البحوث التي مرت مجاملة، وأخرى تمت إعاقتها على الرغم من جودتها ودقتها»، مستغربا وجود لجنة تحقيق «وعدم وجود لجنة لتقصي الحقائق بجامعة الكويت»، وقال إن «سرقة البحوث العلمية والترقي بصورة غير شرعية يساعد السارق على تخطي الزملاء، والحصول على أسبقية في الدرجة العلمية والمناصب، متساويا بذلك مع من تعب واجتهد».تسهيل المهمات وتناول الغريبة سلبيات وجود «الأستاذ الدكتور» في لجنة التقييم، والذي له الكلمة العلىا في التقييم، قائلا إن «معظمهم يتم اختيارهم في لجنة التقييم إما لتسهيل بعض المهمات وإما لإعاقة بعض البحوث»، خصوصا أن «الأستاذ الدكتور غير كويتي الجنسية، ويخضع إلى عميد الكلية الذي يبدي الموافقة على تجديد عقده»، مشيرا إلى أن «الموضوع قائم على مصالح مشتركة».وتابع «كيف يجوز أن يكون عضو لجنة التقييم على مستوى القسم هو نفس العضو على مستوى الكلية»، وتعجب من «علانية اللجنة للباحث، الذي يقوم بعمل الاتصالات اللازمة مع أعضائها»، مشددا على ضرورة «التراجع عن هذا المبدأ وجعلها سرية»، وتساءل الغريبة «كيف يشغل الأستاذ الجامعي منصبا إداريا كعميد كلية، ويترقى أثناء منصبه من رتبة أستاذ إلى أستاذ دكتور على سبيل المثال، فهل عمله الإداري أعطاه الفرصة للتفرغ لإعداد البحث؟»، مطالبا بضرورة «توجيه أسئلة برلمانية سبق أن وجهت إلى الإدارة السابقة، والتي سأل فيها النواب عن عدد الأشخاص الذين ترقوا أثناء شغلهم مناصب قيادية في جامعة الكويت». تجنيد الطلبةأستاذ علم النفس بكلية التربية الدكتور صالح إبراهيم تحدث عما أسماه «تجنيد الطلبة» والذي يقوم فيه الدكتور الذي تتطلب رسالته إجراء بحث أو استبيان «بتكليف الطلبة بعمل البحث ثم ينسب ذلك إلى نفسه»، واستهجن «عدم وجود قوانين صارمة تعاقب كل من قام بسرقة البحوث»، مؤكدا وجود «العديد من الأساتذة في جامعة الكويت الذين يسلكون هذا الطريق»، مشيرا إلى «العديد من الحالات في جامعة الكويت التي ثبت أن أصحابها خانوا الأمانة العلمية»، وطالب بضرورة تطبيق مبدأ الثواب والعقاب من خلال «وضع ضوابط صارمة تصل إلى الفصل النهائي في حال إثبات خيانة الباحث مبدأ الأمانة العلمية، مقابل مكافآت وترقيات في حال نجاح البحث»، وأوصى إبراهيم بضرورة «إعادة تقييم البحوث التي نوقشت في السنوات الثلاث الماضية والتي أن حدثت فسيكتشفوا وجود العديد من الأخطاء».نموذج حيويوجد على مكتب الدكتور صالح ابراهيم أحد كتب زملائه بالكلية «المقتبس بالكامل من كتب أخرى، ودائما مايستشهد به أمام زائريه على أنه نموذح حي للانتهاك الواضح للأمانة العلمية في جامعة الكويت»، وأشار إلى تفشي مبدأ تبادل المنفعة والذي يمكن أن نسميه تبادل الضرر إذ إن هناك «بعض المساومات التي تحدث بين لجان التقييم في مختلف الكليات في الجامعة، حيث تقوم لجنة التقييم بإنجاح بحث يخدم عضو في لجنة ما مقابل ضمان تمرير بحث في لجنة هذا العضو».رأي القانونولا بد أن يكون للقانون رأي في موضوع حيوي يمس مسيرة التقدم العلمي ويجرد بعض الباحثين من حقوقهم الفكرية ولذلك أوضح المستشار القانوني والي الدولاتي أن جريمة السرقة وحسب القواعد العامة في ظل القانون الجزائي هي سرقة مال منقول مملوك للغير بنية تملكه، ومفاد ذلك انه لكي تكون هناك جريمة سرقة يجب أن يتوافر فعل الاختلاس وأن يكون محل الاختلاس مالا منقولا مملوكا للغير، وهذا يمثل الركن المادي في الجريمة، فضلا عن ذلك لا بد من توافر القصد الجنائي او الركن المعنوي، وأشار إلى الجدل الذي أثير في الماضي بين الفقه والقضاء بشأن مدى إمكان اعتبار المعلومات من الأموال، وهل يمكن أن تشكل المعلومات مادة لفعل الاختلاس الذي يعد من عناصر جريمة السرقة؟ وأفاد بأن جانبا من الفقه اعترض على اعتبار المعلومات من قبيل الأموال، تأسيسا على أن المعلومة ليست من قبيل الاشياء، ذلك لأن جرائم الأموال لا تحمي سوى المنقولات والأخيرة لا تعتبر من الأشياء، كذلك المعلومة لا ترد علىها الحيازة وجرائم السرقة تقع عدوانا على الحيازة والمعلومة لها كيان معنوي، والحيازة لا يمكن تصورها إلا بالنسبة للاشياء المادية، كذلك فإن المعلومة تختلف عن المنقولات في أنها تبقى مدونة على الدعامة التي تحملها على الرغم من نسخها.وقال الدولاتي أن المشرع في كثير من بلاد العالم تدخل لينهي هذا الجدل وأصدر قوانين خاصة لحماية حقوق الملكية الفكرية وجرم الاعتداء علىها، وسارع المشرع الكويتي بالإنضمام إلى الاتفاقيات الدولية والعربية الخاصة بحق المؤلف وإصدار القانون بالمرسوم رقم 5 لسنة 1999 الخاص بحمايته، كما فرض الحماية علىه، فنص على أن يتمتع بحماية هذا القانون مؤلفو المصنفات المبتكرة في الآداب والفنون والعلوم أيا كانت قيمة هذه المصنفات أو أنواعها أو الغرض من تأليفها أو طريقة التعبير عنها، وخص بالحماية المصنفات المكتوبة والمصنفات التي تلقى شفاها كالمحاضرات والخطب والمواعظ الدينية وما يماثلها، وكذلك مصنفات الحاسب الآلي من برامج وقواعد بيانات وما يماثلها، والمصنفات المشتقة والمترجمة، وتشمل الحماية كذلك عنوان المصنف إذا كان متميزاً بطابع ابتكاري ولم يكن لفظاً تجارياً للدلالة على موضوع المصنف، ونظم القانون المذكور طريقة الاقتابس المشروع للاستعمال الشخصي من دون الادعاء بنسبة المنصف إلى المقتبس «المادة 8».سنة وخمسمئة ديناروذكر دولاتي أنه جاء في نهاية القانون الجزء الجنائي المترتب على من يعتدي على حق المؤلف المشمول بالحماية فنص في المادة 42 على أن يعاقب المعتدي بالحبس مدة لا تزيد على سنة واحدة وبغرامة لا تزيد على خمسمئة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، ويجوز للمحكمة أن تقضي بمصادرة جميع الأدوات المخصصة للنشر غير المشروع إذا كانت لا تصلح إلا لهذا النشر، وكذلك بمصادرة جميع النسخ، كما يجوز لها أن تأمر بنشر الحكم في جريدة واحدة أو أكثر على نفقة المحكوم علىه وإذا سبق الحكم على المتهم بعقوبة لارتكابه إحدى الجرائم المشار إليها في هذه المادة وثبت ارتكابه خلال خمس سنوات من تاريخ الحكم النهائي جريمة من الجرائم السابقة، جاز للمحكمة أن تقضي في هذه الجريمة بعقوبة تزيد على الحد الأقصى المقرر قانونا،ً شرط ألا تجاوز الزيادة نصف هذا الحد وبغلق المنشأة التي استغلت في ارتكاب الجريمة مدة لا تزيد على ستة أشهر، بخلاف الجزء المدني وفقا للقواعد العامة في القانون المدني الذي تلزم المعتدي بدفع تعويض جابر للضرر الذي أصاب صاحب حق المؤلف، إضافة إلى الجزء الإداري إذا كان فعل الاعتداء يشكل مخالفة إدارية، ويجب أن يكون وفقا للنظم الوظيفية التي يخضع لها المعتدي.وضع قواعد صارمةوفي خصوص سرقة البحوث العلمية أكد دولاتي أنها تقع بلا شك تحت طائلة الجزء المذكور في قانون حق المؤلف الصادر بمرسوم رقم 5 لسنة 1999، علاوة على أن المعتدي يلتز م بتعويض صاحب حق المؤلف إذا نتج عن فعل الاعتداء ضرر أصابه، بالإضافة كذلك إلى الجزء الإداري إذا كان هناك محل لتطبيقه.أما إن كانت سرقة البحوث تحدث من بعض الطلاب والأساتذة فالمصيبة أخطر وأعمق، والمفترض في هؤلاء أن يكونوا الحصن المانع لمثل هذة الاعتداء ات التي تنتفي وقواعد الامانة العلمية، متمنيا على المنظمات التعلىمة وضع قواعد تأديبة صارمة تقف حائلا أمام كل من يخون الأمانة العلمية. جيل «غوغل»طالب المستشار القانوني والي الدولاتي بالتعلم من الجامعات البريطانية، حينما قامت بتجربة جديرة بالاقتداء، فبعد أن واجهت الجامعات البريطانية مخاطر تدهور مستوى طلابها وبعض أساتذتها بعد أن اشتهر كثيرا منهم بسرقة أبحاث وأفكار آخرين من خلال شبكة الانترنت، في الوقت الذى يتعين فيه على هؤلاء إطلاق العنان لأفكارهم ومخيلاتهم من أجل إثراء عملية التعلم والارتقاء بالتعليم والبحث العلمي، عقد رؤساء كبريات الجامعات البريطانية أخيرا اجتماعا بحثوا فيه سبل مكافحة تزايد ظاهرة الغش من الإنترنت، بعد أن تزايدت ظاهرة سرقة أبحاث الآخرين ما يهدد مسيرة تطور الجامعات.وقد أسفر هذا الاجتماع عن قرار بشن حرب ضد سرقة أفكار الآخرين، أطلق عليها «الحرب على جيل غوغل» نسبة إلى أكبر محرك بحث على الإنترنت، الذي يتهم أتباعه بالاكتفاء بقص أبحاث الآخرين من الإنترنت ولصقها في أبحاثهم من دون أدنى مجهود من جانب الطالب.عشر كلماتاتفقت الجامعات البريطانية الكبرى مثل أكسفورد وكامبريدج على تشكيل لجنة مشتركة للتوصل إلى تعريف يحدد بدقة الوصول إلى مرحلة توجيه الاتهام بالغش وسرقة الملكية الفكرية، فبعض الجامعات البريطانية طالبت بتوجيه الاتهام لمن يقوم بسرقة الملكية الفكرية للآخرين إذا ما تبين قيامه بلصق عشر كلمات في بحثه تتشابه بصورة طبق الاصل من عشر كلمات موجودة في بحث منشور على شبكة الإنترنت، في حين طالبت جامعات أخرى بتوجيه الاتهام بالغش في حال تبين أنه اقتبس ثلاث جمل من بحث آخر.