رسالة حيّ بن يقظان
تأليف: ابن طفيل الناشر: منشورات الجمل
تكاد سيرة حيّ بن يقظان ترسم مسيرة الإنسان منذ وطىء تراب هذا الكوكب الدوّار حول الشمس إلى أن روى عطشه الماورائي بما حملته الأديان السماويَّة من أجوبة على أسئلة ملتهبة، طالما سجنت أبناء آدم في دائرة الحيرة والقلق.وجدير بالذكر أنّ الخرافة إناء اتّسع لرسالة ابن يقظان منذ ولادته حتى آخر نبضة في قلبه. غير أنّ هذه الخرافة هادفة ورامية إلى البوح بما تقوله الحقيقة النسبيَّة على ألسنة الفلاسفة والفقهاء وأمثالهم من أهل البحث عن المعاني التي قد يمضي العمر ومعالج أبوابها لا يزال يَنْشُد المفتاح الذهبيّ في مفاتيحه التي هي ملء واد.الجزائرحيّ بن يقظان وُلد من غير أب وأمّ، في إحدى جزائر الهند حيث تضع الخرافة أولادها في ظلال أشجار تثمر نساء، أو هو ثمرة زواج تمّ سرًّا بين يقظان وامرأة هي أخت صاحب جزيرة، وذلك في ظروف يخشى فيها الفضيحة وبثّ الخبر ما جعل الأم تخبِّىء طفلها في تابوت صغير وتسلّمه لمياه اليمّ التي أوصلته على جناح المدّ إلى جزيرة قريبة ليقع بكاء الطفل في مسمع ظبية كانت قد فقدت صغيرها فتبنَّته وكان له منها حليب وحنان وأمومة. أطعمت الظبية حيّ ثمار الشجر، وأرسل نغمة الظباء، وصاغت حنجرته أصوات الحيوانات والطيور إلى أن صار بينه وبين الوحوش إلفة.وشيئًا فشيئًا، لاحظ صغير الظبية الآدمي أن ليس له ما للحيوان كوسيلة للدفاع وأخذه التفكير طويلاً وهو بعيد من معرفة الأسباب. ففي السابعة من عمره اتّخذ من أوراق الشجر مسترًا ومن أغصانها سلاحًا. وأثبت في كتفيه جناحَي نسر وتحتهما ذنبه، فحظي بسطوة على الوحوش. وكان لا بدّ للظبية من أن تهرم فانصرف حيّ إلى الوفاء لها، ورعاها كبيرة مثلما رعته صغيرًا.عند موت ظبية حيّ الحميمة، شقّ صدرها بالحجارة والقصب حتى وصل إلى القلب فأخذه حسنُ الوضع وجمال الشكل، غير أنّ القلب صامت ولم ينتفع الولد المفجوع إلاّ بمعلومة بيولوجيَّة. وتساءل كيف خرج من الظبية، ولماذا، وأخيرًا «سلا عن ذلك الجسد، وطرحه، وعلم أنّ أمّه التي عطفت عليه وأرضعته إنّما كانت ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك الأفعال كلّها، لا هذا الجسد العاطل» (ص.44). وبالملاحظة عرف أن عليه دفن أمه في التراب ففعل، وذلك بعدما رأى عقابًا قتل عقابًا ودفنه.حنّ حيّ إلى الظباء كلّها، لأنّها شبيهة أمّه، واستطاع أن يجد لكلّ حيوان شبيهًا إلاّ هو، فليس له من يشبهه. عرف النار بالمحاكّة، وقبض عليها، وأخذها إلى مأواه لتكون شمسه. وحين شوى حيوانًا بحريًّا، تحرَّكت شهيَّته فأكله، ومنذ ذلك الوقت شرع يمارس الصّيد.وظنّ حيّ أنّ في القلب ما يعادل النار بعدما شقّ صدر وحش ووجد قلبه ذا حرارة كبيرة، وأيقن أن بخار القلب هو ما يحرّك الحيوان، وبذهاب هذا البخار تذهب الحياة. وشرَّح الكثير من الحيوانات للوقوف على أسباب حياتها، ليجد أنّ جميع الأعضاء تخدم الروح، وليتعرّف عمل أعضاء الحيوان، «هذه الأعصاب إنّما تستمدّ الروح من بطون الدماغ، والدماغ يستمدّ الروح من القلب» (ص.49).ويومًا بعد يوم، تمكّن حيّ من اكتشاف المزيد من الحقائق بالملاحظة، فارتدى جلود الحيوانات، وبنى بيتًا بباب يحميه، ودجّن بعض الحيوانات، وحمل الرمح والترس، بعد ما دجّن خيل البَرّ وحمره. ومن المعرفة بفضل الحواسّ انتقل إلى المعرفة التي هي بنت العقل المرتكزة على الإستنتاج بالتجربة في عالم الكون والفساد. فالكون حكم حيّ على ذاته بالكثرة، وعلى ذات كلّ شيء أيضًا، باستثناء الروح «الروح واحد في ذاته، وهو أيضًا حقيقة الذات، وسائر الأعضاء كلّها»، (ص.52).ومن ملاحظته التشابه في تركيبة الحيوان قال حيّ بوحدة الروح الذي انقسم على قلوب كثيرة. وشبّهه بالماء المقسوم على الأواني الكثيرة. ومن ملاحظته التشابه في النبات لونًا وشكلاً قال أيضًا بأنّ شيئًا واحدًا مشتركًا بين النبات كالروح للحيوان، لكنّ الحيوان يزيد على النبات حسًّا وإدراكًا. وعرف أيضًا أن الأجسام واحد، منه ما يتحرّك صعودًا ومنه ما يتحرّك نزولاً، وتوصّل إلى صورة الحيوان، أي ما يعادل مفهوم «النفس الحيوانيَّة». والأمر نفسه بالنسبة إلى النبات. وبعد انصرافه من فهم الجسد إلى عالم النفس، كان قد أدرك الطول والعرض والعمق وصولاً إلى مشارف معنى «الهيولى». وذهب حيّ إلى الإعتقاد بأنّ الأفعال ليست صادرة عن ذاتها «إنّما هي لفاعل يفعل» (ص.64). وعبر معادلة الكون والفساد حاول حيّ فهم العالم بأسره والتأمّل في السماء، وعرف أنّ في السماء أجسامًا و»رأى أنّ جسمًا لا نهاية له أمر باطل» (ص.67).حتّى الأرض، تحسَّس حيّ كرويّتها، واستوعب المشرق والمغرب جغرافيًّا مثلما عرف القطبين شماليًّا وجنوبيًّا ربّما لأنّ وجوده الحياتي على خطّ الإستواء سمح له بذلك. وبالنشاط العقليّ وصل إلى أنّ العالم «أمر كان موجودًا في ما سلف ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه»(ص.72)، وإلى أنّ الفاعل في العالم كلّه يجب أن يكون بلا جسم، والفاعل هو علّة وجود كل شيء. وأبحر حيّ بعيدًا في بحور العقل إلى إدراك «الموجود الواجب الوجود» (ص.82)، الذي له أوصاف الكمال كلّها.نجح حيّ بروحانيَّته الشفّافة وإيمانه الصافي معاينة الموجود الواجب الوجود، ووصل إلى ما لم يصل إليه الفلاسفة وأهل النظر، لأنّ معاينة الواجب – الذي هو الله مجازًا – من شأن أهل الولاية المحظوظين بالوضوح والانبلاج واللّذة العظيمة. وأدرك وحيد الجزيرة الغريبة أنّ الحيوان لا يسعى إلى معرفة علّة الكون والأشياء وأنّه سائر إلى عدم، بينما ظنّ أنّ للكواكب ذوات غير أجسامها ولها القدرة على إدراك الموجود، كما أدرك أنّ الهواء والماء والنار والتراب «تتركّب منها الأشياء ذوات الصور الكثيرة» (ص.87). فلكإنّ نضج حيّ العقلي والإيمانيّ جعله يسمّي الله «العارف والمعروف والمعرفة» (ص.89)، فأراد التشبّه بالأفلاك المنيرة والطاهرة متخلِّيًا قدر المستطاع عن لذائذ الدنيا من مأكل ومشرب مكتفيًا بما يسدّ الجوع. وأخذ يدور على نفسه حتى يغشى عليه معتنقًا الحركة على الإستدارة. ففي طريقه إلى معاينة الموجود لا بدّ من انسحابه من هذه الدنيا بإغماضة العينين وسدّ الأذنين وتوجيه التركيز نحو الهدف المقصود وحده.في عالم الأفلاك «رأى ذاتًا بريئة عن المادّة» (ص.105)، هي ذروة في السرور، ورأى فلك الكواكب الثابتة وفلك زحل ولم يكتفِ شأن الغزالي:«خذ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ بهفي طلعة الشمس ما يغنيك عن زُحَلِ» (ص.19)ولم تغب عن ناظري ابن يقظان ذوات مفارقة مادتها «كأنّها مرايا صدئة» (ص.107). وهكذا بات سهلاً على حيّ أن يرتفع روحًا إلى الله معاينًا إيّاه، مطّلعًا على ما لا تتّسع له كلمة. إلى أن زاره «أسال» الرجل ذو العمق الروحي والإيمان العميق العارف، وتعرَّف عليه بعد نفور كان بسبب هيئة حيّ وخرسه البشريّ، فعلَّم أسال حيّ لغة البشر، وانسجم الإثنان وانتقلا على سفينة أرسلها إليهما الله ليبشّرا في جزيرة «سلامان» الرجل المؤمن بعيدًا من الغوص والتحليل والبحث. فشل حيّ في إيصال كلمته إلى أعماق سلامان وجماعته ليعود بمعيَّة أسال إلى جزيرة الوحدة والإيمان. حيّ بن يقظان هو البشريّة في طريقها إلى الله، وهو العبور من طاقة الحواسّ الى طاقة العقل. صحيح أنّ الفلسفة منذ آبائها اليونانيّين الأوائل، والأديان بعدها، حاولت الإجابة على الكثير من الأسئلة، غير أنّ الإنسان يعرف ثمّ يسأل، ثمّ يعرف ثمّ يسأل... وفي داخل كلّ منّا حيّ بن يقظان، على طريقته.تذوّقكان من بين جزائر الهند جزيرة عظيمة، متسعة الاكناف (فسيحة الجوانب)، بعيدة الأرجاء (النواحي)، كثيرة الفوائد، عامرة بالناس؛ يملكها رجل منهم، شديد الأنفة (الترفع والغيرة). وكانت له أخت ذات جمال نادر، وحسن باهر. وكان أخوهما متكبراً مزهواً (فخوراً معجباً بنفسه)، فلم يشأ أن يزوجها بأحد من الرجال لأنها فيما يرى لا يجد كفئاً لمصاهرته، أعني لمن يصبح له صهراً (زوجاً لأخته).وكان لهذه الفتاة قريب اسمه يقظان وهو كريم النفس، طيب الخلال (الأخلاق). فلما غاب الملك في بعض حروبه، وطالت غيبته، حسبه أهله قد مات، أو قتل في تلك الحروب، فزوّجوا يقظان تلك الفتاة سراً. وبعد أشهر قليلة، حملت منه، ثم وضعت طفلاً تلوح عليه مخايل الذكاء (أماراته)، ودلائل النبل. وما وضعت الفتاة طفها، حتى عاد أخوها من حروبه منتصراً. ولم يجرؤ أحد من أقارب الملك على الإفضاء إليه (إعلامه وإخباره) بسر الزواج الذي تم في غيبته، خوفاً من غضبه عليهم وانتقامه منهم.وخشيت الفتاة أن يذيع سرها، فيقتلها أخوها. ولم تر بداً (لم تجد سعة ولا مفراً) من كتمان أمرها عنه.وبعد افتكار طويل، قرّ قرارها على التخلص من الورطة: بإقصاء الطفل التاعس (الساقط الحظ) المسكين عن الجزيرة، حتى لا تسوء العقبى (النتيجة والخاتمة).