الأبنودي يتذكّر ويروي حكايات البدايات 8: كنّا نجمع محصول القطن المحاط بالحيّات والعقارب
هذه الحلقات ليست ثمرة حوار ممتد عبر عدة جلسات مع صديقي الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، بل ثمرة حوارات طويلة، معظمها عفوي، كان خلالها «يبوح» وكنت «أحفظ». حوارات عفوية تطرق فيها إلى تفاصيل كثيرة ورسم معظم الملامح الأساسية في لوحة حياته فلما جاء وقت الحوارات المقصودة لم يكن علينا أن نبدأ البناء من أوله بل أن نستكمل بعض التفاصيل أو نضع لمسة هنا ولمسة هناك. ولا تحسبوها مهمة سهلة، إذ استدعى الأمر جلسات عديدة وساعات طويلة اقتنصتها من جدول الأبنودي المزدحم بين سفر وسفر، من شاطئ الخليج العربي إلى تونس ومن احتفالية فنية في قرطاج إلى مولد «سيدي عبد الرحيم» الشعبي في قنا، حتى أمكن في النهاية أن أجمع هذه الباقة من «حكايات البدايات» الأبنودية.
في البداية لم يبد الأبنودي متحمساً لموضوع الحوارات. قال: لم لا نحدد موضوعا أهم من «البدايات» للحوار حوله؟ قلت: وهل هناك أهم من البدايات؟ إن حياتك عبارة عن سلسلة متواصلة من البدايات، كأنك تولد كل يوم مرة أخرى، أول يوم في الحياة، أول يوم علم، أول يوم عمل، أول حب، أول وظيفة، أول قصيدة، أول أغنية، أول نجاح، أول إخفاق، أول ديوان، أول جائزة، أول سفر، أول لقاء مع عبد الحليم حافظ وغيره من «مجرة» النجوم التي عشت واحدا منها.وافق الأبنودي على إجراء حوارات «استكمال أجزاء الصورة». وافق ربما لأننا صديقان، وربما من باب أن «الحياة تجارب»، أو لأي سبب آخر. المهم أنه وافق، مع احتفاظه بموقفه غير المتحمس. لكن «الحماسة» لم تتأخر كثيرا فمع أول سؤال وأول إجابة كان يتدفق كالشلال، كالنيل الذي كان يفيض هناك في أبنود قبل أن يكون هناك سد عالٍ. وليس عجيبا أن الأبنودي يذكر أيام الفيضان هذه بكل الود ويضعها في الموضع الذي يليق بها من تاريخ مصر. وفي الوقت نفسه يعتبر السد العالي «مشروعه» الذي يفاخر به فهو القارئ لتاريخ مصر ـ المكتوب وغير المكتوب ـ بعين محبة وقلب رؤوم والقادر على اكتشاف ما كان في كل حقبة من «فضيلة».مع السؤال الأول والإجابة الأولى كان الأبنودي يتدفق حماسة واكتشف واكتشفت معه كم كانت مبهجة تلك البدايات التي راح يقص حكاياتها. يقول عبد الرحمن الأبنودي عن والده الشيخ الأبنودي إنه «أهداه» مهنة الأنبياء وهي مهنة الرعي التي اضطر الى ممارستها طفلاً غض العود، إذ تركه أبوه مع أمه وجدته وحدهم في القرية، ولمواجهة أعباء الحياة كان على عبد الرحمن طفلاً لم يتجاوز الخامسة أن يعمل راعيا للغنم. يتذكر الأبنودي اليوم الأول الذي خرج فيه الى العمل قائلا: «سوف أظل مدينا لجدتي «ست أبوها» لأنها قذفت بي إلى عمق الحياة وجعلتني منذ الخامسة أخرج مع أولاد جيراننا وبناتهم لرعي الغنم في بقايا الحصاد والأرض التي أعطت محاصيلها وما زال فيها بقية من عشب وأعواد خضراء».يستعيد الأبنودي ذاك الزمن: «في المراعي تعلمت كل صنوف الغناء وتفاصيل العمل وأدواته. اقتربت جدا من الشواديف والسواقي (أدوات لري الحقول) ومن النوارج (أدوات لفصل حبوب القمح عن القش)، صرت جزءاً من عالمها وصارت جزءاً من عالمي، وتعلمت غناء كل منها على حدة، فلكل أداة غناؤها الخاص بها، يستمد موسيقاه من حركتها».يضيف: «علمني الرعي كيف أسوس الأغنام والدواب وصارت لديَّ الخبرة بطبائعها ودوافعها. مثلا تتميز «النعجة» ببلادتها وهي تتحمل الضرب والشد من صوفها ولا تتراجع - أبدا - عما تفعله مهما كان خطأ. أما العنزة فهي رشيقة سريعة الحركة، يكفي أن ترى العصا حتى تقفز إلى أعلى نقطة يمكنها أن تصل إليها لتهرب منها، وهي رغم خفة حركتها ونشاطها تحمل في ركن عينها حزناً لا يخفى على من ينظر في عينيها اللتين تحملان تلك النظرة الإنسانية، وتوحيان أنها تعرف نهاية الحياة المحتومة المؤلمة على سكين الجزار. ثم لا تنس ذلك التأمل المهيب للطبيعة والوجود، فالرعي - كما قلت لك -مهنة الأنبياء والنبوة قرينة التأمل في أحوال الحياة وتجددها، وتجدد المواسم مع اختلاف الأضواء والظلال والحر والبرد. بفضل الرعي عرفت نباتات الأرض من أصغرها لأكبرها، وحتى الآن لا يوجد نبات على أرض مصر لا أعرف اسمه وطبيعته وخصائصه وهي معرفة ضرورية للراعي، فهناك نبات يفيد الحيوان ونبات يصيبه بالمرض، إلى جانب أن نبات «يسطله» أي يجعله فاقد الوعي. أذكر المرة الأولى التي غابت فيها نعجة من نعاجي عن الوعي واعتقدت أنها ماتت. يومذاك فزعت وبكيت كثيراً، إلى أن جاء رجل خبير بشؤون الرعي».النعجة الميتةيتذكر الأبنودي تفاصيل ما جرى كأن لم تمر عليه إلا ساعات معدودة: «كان بيت «أبو العلا» - الذي يجاور بيتنا تماما - يفتقر إلى طفل يرعى غنماته، شأنه شأن بيوت كثيرة كبر أطفالها وتركوا أبنود وربما تركوا الحياة! وكان على كل طفل منا أن يتحمل مسؤولية رعي غنم جيرانه الفقراء كجزء من «الواجب» لا يقبل المناقشة وهكذا لم يكن هناك فرق بين غنمات جدتي «ست أبوها» وغنمات «يا منة أبو العلا» جارتنا التي كانت في مقام جدتي هي الأخرى. وذات صباح شتائي قارس البرودة خرجت مع رفاق الطفولة بالغنم إلى المرعى كالعادة. أطعمناها وانشغلنا باللعب وألقينا أجسادنا في النهر وفجأة قطع علينا استرسالنا في «برنامجنا اليومي» صوت إحدى زميلات المرعى وهي تصرخ: «الحق يا عبد الرحمن.. نعجة يامنة أبو العلا ماتت!»».يقول الأبنودي: «شعرت بهول الفجيعة، فموت النعجة بالنسبة لـ«يامنة أبو العلا يشبه خسارة كل أموالها في البورصة، وبالنسبة إلي فإن النعجة أمانة ومسؤولية لا يجوز أن أفرط فيها. وهرولت إلى حيث كانت النعجة ترقد على جنبها وقد استقرت منها رجلان على التراب وتعلقت رجلان في الهواء. رأيتها مفتوحة العينين، جامدة النظرة، منفوخة البطن كالقربة، فبكيت وبكى بقية «الأطفال الرعاة» معي. اعتقدنا أن حية لدغتها فأنهت حياتها وغرقنا في الإحساس بالذنب لأننا انشغلنا باللعب والسباحة وتركنا النعجة بلا حراسة فتمكنت الحية منها ولم ندر كيف يمكن أن نعود ونواجه الناس من دونها».يضيف: «فكرنا في أن نحملها معنا، لكن: كيف؟ وقررنا أن نتركها، ثم تراجعنا لأننا لو فعلنا لسقطت - إلى الأبد - مكانتنا كرعاة. وبينما حلقتنا منعقدة حول جسد النعجة المسجى نتداول حيرتنا وصدمتنا، كان أحد العابرين قد رأى ما حدث وأخبر يامنة أبو العلا بالكارثة، فجاءت مسرعة مع جاراتها وقد اتشحن جميعا بالسواد. كانت يامنة أبو العلا نائحة مشهورة تعرف أبنود كلها صيحاتها ونواحها في المآتم والكوارث. وراحت بكل «موهبتها» تصرخ في وجوهنا وتلومنا لأننا تركنا نعجتها للحية تنهشها كانت تعبر عن فجيعتها وخسارتها التي لا تعوض، ولم تنتبه - ولا نحن انتبهنا - إلى أن المغرب على الأبواب والظلام سيخيم بعد قليل. فجأة جاء صاحب الحقل صائحا في «المتشحات بالسواد»: «وسعي يا «بت» أنتِ وهي»! كان الرجل قد جمع في كفيه نباتات الشيح والدمسيسة والغبيرة وجاء بإناء غلى فيه هذه النباتات، ثم فتح فم النعجة ـ الميتة حتى هذه اللحظة - وراح يصب عصارة النباتات المغلية في حلقها، مكررا عمله عدة مرات، وفجأة انتفضت النعجة وأطلقت عطسة مدوية ثم أفرغت ما في جوفها واندفعت بغتة تجري بخفة ثعلب وسرعته، كأنها لم تكن «مع الأموات» منذ ثوان قليلة ورحنا نجري خلفها لنلحق بها.أفهمنا الرجل أن النعجة أكلت «نوار العاقول» والعاقول نبات له زهرة «نوارة» وردية اللون ضئيلة ترقد بين أشواكه، ذات تأثير مخدر تسببت للنعجة بانتفاخ البطن وأفقدتها الوعي وجعلتنا نعتقد أنها ماتت. هكذا تعلمنا أن نتجنب «شوك العاقول» فهو نبات لا تقدر عليه سوى الإبل».يتابع الأبنودي: «كنا رعاة «هواة» إذا جاز التعبير، لكننا كوّنا بسرعة معارفنا الخاصة. كان هناك الرعاة «المحترفون»، هؤلاء الكبار الذين يرعون الأغنام مقابل أجر مالي إذا كانت النعجة أو العنزة غير قادرة على الولادة، ومقابل نصف قيمة الصغار إذا ولدت. كان الرعاة المحترفون يخدعون أصحاب الغنم عن قيمة ما يبيعونه ولا يعطونهم أكثر من نصف أو ثلث حقهم، كما كانوا يتكسبون من عائد بيع مخلفات الأغنام التي تستخدم كسماد، لذا كانوا ينظرون إلينا -نحن الرعاة الهواة - في عدم ارتياح!».قميص خاميتذكر الأبنودي ملابسه التي ارتداها في أول أيام العمل، وكانت تتلخص في قميص خام، أي قميص من قماش «الدمور» وهو أرخص قماش يصنع من القطن، له جيب طويل على جانبه يعرف بـ«السيالة» يتسع لقطعة الخبز «البتاو» التي حملها معها لغدائه. ولم يكن يرتدي حذاءً. يقول الأبنودي: «كنا جميعا حفاة، نكتفي بقميص خام رخيص يستر نصف البدن وكان ذلك يسهل الحياة علينا، إذ يكفي أن ترفع هذا القميص وتتركه على الأرض لتقفز في الماء، وبعد أن تخرج تضع القميص على بدنك المبتل لتتولى شمس الصيف تجفيف القميص والبدن معا، وفي طقس كهذا لا مكان لحذاء في القدم، حذاء لا يمكن القفز به إلى النهر، كما لا يمكن - طبعا - تركه على الجسر، إذ لو تركناه سنعود فلا نجده. كنا جزءا من الطبيعة، نتعامل مع حرها وبردها، مع مائها الذي نعبه من النهر عباً ونغتسل فيه مباشرة وترابها الذي يلتهب في الظهيرة ويلهب بحرارته أقدامنا الصغيرة وتربتها التي نقلبها في الحقول بحثا عن «الكمأة» التي كنا نسميها «السقط» ويسمونها في الوجه البحرى والقاهرة «حب العزيز». ومن الطبيعة أيضا كنا نحصل على بعض رأس المال، ولم يكن رأسمالنا إلا الثمار الصلبة لأشجار السنط الشوكية».يقول الأبنودي: «ساعات طوال كنا نقضيها في مراعينا التي لا يوجد فيها إلا بقايا المحاصيل وأشجار النخيل والسنط. أما النخيل فكنا نتسلقه ونقذفه بالطوب لنحصل على البلح الذي كنا نأكله - أحيانا -مع الخبز كوجبة غذائية، أما السنط فنجمع ثماره الجافة الصغيرة التي تسمى «القَرَض» ولم يكن الأمر سهلا. كان علينا أن نرجم فروعه الشوكية بطوب ربما ارتد ليسقط فوق رؤوسنا ويجري دماءنا، نرجم الفروع ليتساقط منها «القرض» فنجمعه في جوال كبير، نعاني لنقله من المرعى إلى السوق حيث نبيعه لـ«عم عزب» الأعمى وكان أهم تاجر في طفولتنا فهو - أولا-يشتري جوال القرض لقاء نصف قرش يمنحه لنا، نحن الرعاة الثلاثة أو الأربعة الذين جمعوه ونقلوه، ولم تكن هناك طريقة لتوزيع نصف القرش بيننا إلا بشراء حلوى «العسلية» أو سنارات صيد السمك وتقسيمها علينا، وكان «عم عزب» يبيع لنا هذه الأشياء، مستردا بذلك نصف القرش الذي سبق أن دفعه لنا، ويبقى معه «القرض» الذي يبيعه بعد ذلك بأضعاف أضعاف الثمن الذي اشتراه به منا، ليستخدم في صباغة الأقمشة ودباغة الجلود». غناء الشواديف والسواقييستكمل الأبنودي سيرة الطفولة: «في طفولتي، وقبل أن أذهب إلى المدرسة، عملت أيضا في جني القطن وهو مدرسة أخرى للعمل. كان النيل يفيض ليغرق الأرض ويصبح نصف النبات في الماء قبل إتمام جمع المحصول، وكنا نشقى لجمع القطن من لوزاته المتفتحة من دون أن يبتل، بينما تحوم العقارب والثعابين حولنا في الماء الذي كان «مزرعة للآفات» مثل «أم 44» وهي دودة متعددة الأرجل و«أم شبير» وهي دودة طولها «شِبر» تقريبا، ولكل منهما إبرتان تغرسهما في الجسد وتفرغ سمها فيه. كنا نتعامل مع وجود هذه الآفات باعتباره أمراً عادياً لا يستدعي القلق، فقد كنا نتحلى بالشجاعة فعلا.في الحقول اكتشفت العلاقة الرائعة بين الغناء والزراعة، اكتشفت الأغاني التي تجر الشواديف وتدور مع النوارج والسواقي ولكل أغنية لحنها الثابت الذي لا يتغير من جيل إلى جيل، فاللحن هو إيقاع دوران الآلة أثناء العمل، وهو بالطبع إيقاع واحد لا يختلف، إذ لا يمكن تغيير حركة الساقية ولا رتابة دوران النورج وهو يسير فوق حزم القمح».ويشرح الأبنودي: «يمكنك أن تغير الكلمات، يمكنك أن تقول ما تشاء معبرا عن أحوالك المختلفة، من الحزن والفرح، مع الالتزام باللحن الذي «يعزفه» الشادوف أو الساقية أثناء العمل. الشادوف، مثلا، يعمل على مرحلتين، في الأولى يبذل الفلاح جهدا خارقا ليشد الكتلة الطينية الثقيلة ويجعل الدلو يمتلئ بمياه النهر، وفي الثانية تتولى الكتلة الطينية أثناء عودتها إلى وضعها الأصلي رفع الدلو، لهذا فإن كل أغاني الشادوف تتكون حكماً من جملتين موسيقيتين تتناغمان مع مرحلتي العمل، الأولى منهما صارخة والأخرى هادئة:مثلا يقول الفلاح وهو يعاني مع الشادوف مغنيا لنفسه في الأساس:يا ميه..ما أحزنك يا دارع اللي ماتوا صغارالجملة الأولى هي «يا ميه» التي تسمح حروفها (الألف والياء والهاء) بمد الصوت، ليصرخ الفلاح معبرا عن معاناته وهو يشد الشادوف الثقيل. ثم وبعد أن تبدأ الكتلة الطينية في العودة ويهدأ نفس الفلاح، تأتى الجملة الهادئة البطيئة (ما أحزنك يادار ع للي ماتوا صغار). وربما يعبر هذا الفلاح «الصابر» عن سخطه قائلا:وأدعي على أبويا يموت غريقياللي جعل وسط البحور طريقيأما «الجازر»، وهو الولد الصغير الذي يعمل أجيراً لمدة فصل زراعي، يتولى خلاله تسيير البقرة أو الجاموسة المربوطة إلى الساقية لتديرها. فصل زراعي كامل وهو يجلس - في مواعيد الري - فوق ترس الساقية الخشبي متابعا البهيمة وهي تعمل، والليل هو موعد عمله، فهو الموعد الذي يتم فيه ري الأرض، أما نهاراً فهو نائم أو في فترة راحة حتى يستطيع أن يعمل طوال الليل، مع الساقية التي تئن مصدرة لحنها الأساسي وهي تدور، ويئن «الجازر» معها بأغنية تعبر عن شكوى حارة يطلقها غلام فقير، يتيم غالبا، يضطر إلى العمل وحيدا ليلا في الحقول الموحشة، نراه، مثلا، يعبر عن يتمه قائلا:عمي كسا ولادهوأنا خلانيقال: جرَّد الغنماتوعاود تانيعمي كسا ولادهوأنا خلانييارب.. يا كريمولا تنسانيويعبر الجازر في غنائه عن أشواقه المختلفة، عن أحلامه بلا حدود. ولهذا نجده، هو الغارق في أنين الساقية وظلمة الليل المشدود إلى ترس يدور معه، يحلم بأنه طائر:مين حطني طيرةوأحوم لفوقيوأنزل على المحبوبوأبل الشوقيمين حطني طيرة وريشها هنديوأنزل على المحبوبوأجيبه عندي».يتابع الأبنودي: «من أغاني العمل التي كانت جزءا من الحياة اليومية في أبنود، الحداء، تلك الأغنيات التي كان يرددها «الجمَّال» وهو يقود جمله في الطريق إلى «جبل الوطواط» لجلب السماد من خارج أبنود، سماد تكون من مخلفات حيوان الوطواط. كانت الرحلة لا تستغرق أكثر من ليلة واحدة يمضيها الجمَّال بعيدا عن بيته، لكنه يصورها في حدائه غربة قاسية، معبرا عما يحيطها من أخطار، إذ ربما سقطت «رضفة» كبيرة لتدفن الرجال تحتها وهم يحفرون في باطن التل للحصول على السماد، ثم يبدأ الحادي رحلته مرتعباً مما سمعه عن الوطواط الذي يلتصق بالإنسان ليمص دمه ولا يتركه إلا وقد حصل على آخر قطرة منه. فضلا عن الخوف من الهوام كالحيات والعقارب والخوف من الذئاب (في مصر نوع ضخم من حيوان ابن آوى يسمونه الذئب) والشكوى من حرارة الشمس التي يقول عنها الحادي:بنحسبه صباحيإحنا سرينا بنحسبه صباحيأتاريك يا نجم الضحى فضاحي».وهكذا منح العمل عبد الرحمن الأبنودي دروسه الأولى، كان المنبع الأول لثقافته قبل أن يتلقى دروسه في أول أيام التعليم، وهي بداية أخرى تستحق أن نحكي حكايتها، فإلى الحلقة المقبلة.سكة شجر الأتل ع الصبح البدري بيمشوا الجملين وعلى البعد..وعلى مرأى ليلة..جبلين..جبل أبيض.. وجبل أحمرالجبل اللحمر مشواره ياخد ليلة..للي بيجيبوا منه سباخ وبراموالجبل اللبيض مشواره تلات تيام..وخطر..جبل الوطواطاللي بيعيش فيه الوطواطكنابيش كنابيش يولد ويبيضويعشش في كسور الصخربيجيبوا منه زبل..يسبخوا بيه الأرضالأبنودي ـ أحمد سماعين وعيال قديمه مهلهلهومبهدلهجوه الجرونمتغطيه بقش وعيدانمتغطيه بضل الحيطانمن غير أماني.. بنص عينفيها سنينمن غير إيدينمن غير عينينيا لحستي ع العيلينوالأب في الغيط نخله ما بتطرحش ع الحول تمرتين الأبنودي ـ الأرض والعيال ونزلت أنام ويَّا الجناينيةأقسم معاهم (كسرة البتاو)وساعات اغمسها ف طبق ميهفاتوا الأطبا عُمي على دربيعميان بلا عكازداسوا برجليهم على قلبيكل اللي بيحاول يطببنيبيرجعوه من أول الطرقةالأبنودي ـ حدوتة مصرية ـ الأرض والعيالجارتي الضريرة خططتع الأرض بالعود الرفيع مرتينفاكراني بنت من البناتقالت وكان الجفن قايم زي كتف البيريا ستناطول ما انتي مش قاعده هناالدنيا كلمه سودهنعقة بومهأنَّه.. طنطنهأرجوكي ما تروحيش بعيدأصل الوحيد يومه بسنهوالأعمى أصله منناعكازه كلمه حنينهيكفيه يشم نَفَس بنيه طيبهيا بنتيلو جربتي يومريحة ضناالأبنودي ـ جارتي الضريرة ـ الأرض والعيال