بوش وشرقه الأوسطي الجديد

نشر في 06-04-2008 | 00:00
آخر تحديث 06-04-2008 | 00:00
 شلومو بن عامي إن تقييم الرئيس جورج دبليو بوش الحالي للوضع في العراق، والذي أعلن بموجبه أن زيادة أعداد القوات هناك كانت سبباً في إحراز نصر استراتيجي كبير في الحرب ضد الإرهاب، لا يقل غطرسة واستغراقاً في الوهم عن إعلانه منذ خمسة أعوام عن «اكتمال المهمة» في العراق. إن مغامرة العراق لا تشكل الحرب الأطول والأشد تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة فحسب -بلغت تكاليف هذه الحرب حتى الآن طبقاً للاقتصادي المخضرم الحائز على جائزة نوبل، جوزيف ستيغليتز، ثلاثة تريليونات دولار أميركي (التريليون = مليون مليون)- بل إنها أيضاً الحرب الأقل حسماً على الإطلاق.

لقد دمرت هذه الحرب المجتمع العراقي فحولته إلى خليط عرقي طائفي مشوش. وسوف تنتهي حملة «فرض القانون» هذه سواء آجلاً أم عاجلاً، ولسوف يظل العراقيون عاجزين عن توحيد دولتهم سياسياً، بعد أن أصابهم العنف والفساد بالعجز. ومع انعدام قدرة المؤسسة العسكرية العراقية على تسلم الزمام من الأميركيين، فمن المحتم أن يعود العنف الجهادي والطائفي من جديد. كان عمر علي قائد الكتيبة العراقية في الموصل، المعقل الرئيسي للمتمردين اليوم، قد عَـبَّر عن هذا الموقف أخيراً قائلاً: «من دون الأميركيين سوف يكون من المستحيل بالنسبة لنا أن نسيطر على العراق».

إن الحروب، كما عَرَّفها ونستون تشرشل، عبارة عن «سلسلة من الأخطاء الفادحة». وعلى هذا فإن حكم التاريخ على حرب العراق سوف يدور بكل تأكيد حول تحديد ما إذا كانت هذه الحرب قد أنجزت أهدافها الاستراتيجية في «إعادة بناء» الشرق الأوسط المختل، وفقاً للتصور الأميركي للديموقراطية وعلى النحو الذي يخدم موقف الولايات المتحدة كقوة مهيمنة على المنطقة، أكثر من تركيزه على تحديد ثمن هذه الحرب من حيث الخسائر في الأرواح والأموال التي أنفقت عليها.

لقد سجلت هذه الحرب فشلاً ذريعاً على الصعيد الاستراتيجي، وهي تشكل نموذجاً واضحاً للمبالغة في التوسع الاستعماري الإمبراطوري، حيث تسببت في إجهاد المؤسسة العسكرية الأميركية، وقوضت المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم وسمعتها في الشرق الأوسط، وهددت اقتصادها على نحو خطير، وأظهرت لكل من الأصدقاء والأعداء مدى قصور القوة الأميركية.

كان بروز التحدي الشيعي القوي للتحالف السُـنّي المؤيد للغرب في الشرق الأوسط، من بين أخطر العواقب غير المتوقعة التي ترتبت على هذه الحرب. فكان تحطيم أميركا للعراق باعتبارها قوة إقليمية سبباً في تسليم الهيمنة على منطقة الخليج الفارسي إلى النظام الإسلامي الشيعي في إيران على طبق من فضة، وهذا لا يصب في مصلحة الغرب بكل تأكيد.

على أنقاض دكتاتورية صدّام حسين القديمة، ساعد الأميركيون في تأسيس الدولة العربية الأولى التي تسيطر عليها حكومة شيعية. وهي الدولة التي قد تصبح في النهاية تابعة لإيران وخادمة لمصالحها الإقليمية، وهذا يشكل كارثة ذات أبعاد تاريخية بالنسبة للتحالف بين أميركا والأنظمة السُـنّية في المنطقة. والحقيقة أن زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد أخيراً إلى العراق تحمل رسالة واضحة للأميركيين، مفادها أن أمل الولايات المتحدة في تحقيق أي قدر معقول من الاستقرار في العراق أصبح الآن رهناً بتصرفات قوة متحالفة مع إيران.

مما لا شك فيه أن المصاعب التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق وغيرها قد ساهمت بشكل حاسم في تحقيق الطموحات النووية الإيرانية. والآن يرى الإيرانيون أنهم محصنون ضد أي هجوم على منشآتهم النووية من جانب الولايات المتحدة، إذ تضمن لهم المتاعب التي تواجهها أميركا في العراق، فضلاً عن المعارضة المتنامية للحرب في الولايات المتحدة، أن استراتيجية الحروب الاستباقية الوقائية الأميركية قد فشلت.

بيد أن النظام الحاكم في إيران ليس انتحارياً، رغم القدر الذي يظهره من التطرف. وهذا يعني أن التهديد المترتب على وجود إيران نووية لا يتمثل في نزوعها إلى الدخول في حرب نووية ضد إسرائيل بقدر ما يتمثل في قدرة هذا التهديد على إبراز قوة ذلك النظام على الصعيد الإقليمي. وقد تشكل إيران النووية تهديداً للقدرة الأميركية على توظيف قوتها العسكرية التقليدية في الخليج في أوقات الأزمات. ولا ينبغي لنا أن نستبعد أيضاً استجابة إيران لإغراء دعم طموحاتها الإقليمية بتزويد الجماعات الإرهابية بالمواد النووية.

إن كان لهذا الإخفاق الأميركي الذريع في العراق أي فائدة فهي تتلخص في تشجيع محاولات تحدي الوضع الراهن في المنطقة. ويصدق نفس القول على حملة فرض الديموقراطية على المنطقة التي شرع بوش في شنها استناداً إلى قدر أعظم من الرداءة في التخطيط. لقد اكتشف بوش أن أي ممارسة للديموقراطية العربية لابد أن يؤدي إلى بروز قوى إسلامية مناهضة للغرب، سواء كانت تلك القوى متمثلة في الإخوان المسلمين في مصر، أو الأحزاب الشيعية في العراق، أو «حماس» في فلسطين.

لقد اضطرت الولايات المتحدة في النهاية إلى التخلي عن أوهامها بشأن فرض الديموقراطية على المنطقة العربية وفقاً للأسلوب الغربي، ولكن من عجيب المفارقات هنا أن يؤدي ذلك إلى حمل إيران لشعلة الديموقراطية في المنطقة. فقد أدركت إيران بسرعة أن الانتخابات الحرة هي الطريقة الأكثر أماناً لتقويض الأنظمة المناصرة لأميركا في الشرق الأوسط.

كانت الحرب في العراق تعني أيضاً أن أميركا قد تجاهلت عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. والآن أصبحت فرص نجاح إدارة بوش في حشد القوى السُـنّية «المعتدلة» المناصرة لأميركا في المنطقة للمساعدة في إنقاذ السلام الإسرائيلي الفلسطيني رهينة بين أيدي محور إقليمي تتزعمه إيران ويتضمن «حماس»، و«حزب الله»، و«سورية». وكل هذه القوى تجتمع على رفضها للسلام الأميركي في الشرق الأوسط، كما أظهرت جميعها حتى الآن قدراً عظيماً من القوة والصمود في تجاهل الشروط الأميركية المسبقة للدخول في حوار معها.

ليس من المدهش أن تعجز الولايات المتحدة عن إلهام شعوب الشرق الأوسط، التي تحكمها أنظمة استبدادية مدعومة من جانبها. أما الجديد حقاً فهو أن القوة الأميركية ربما كانت في طريقها الآن إلى فقدان قدرتها على إرهاب هذه الشعوب.

* شلومو بن عامي رئيس خارجية إسرائيل الأسبق، ويتولى حالياً رئاسة مركز توليدو الدولي للسلام، وهو مؤلف كتاب «ندوب الحرب وجراح السلام: المأساة الإسرائيلية العربية». «بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»

back to top