الحجاب الإسلامي يطغى على النقاش الانتخابي في تركيا

نشر في 23-07-2007 | 00:00
آخر تحديث 23-07-2007 | 00:00

في تركيا، تدور المسألة كلّها خلال النقاشات الانتخابية حول الحجاب. فأكثر ما يقلق الناخبين العلمانيين ما تضعه، أو لا تضعه النساء على رؤوسهن. إلا أن آخرين يرون أنه إذا تسلم حزب «العدالة والتنمية» الحكم، فسيضع حداً للتمييز وسيسمح بوضع الحجاب في الجامعات العامة.

إنّه الحجاب أيها الأحمق.

لو لم تكن المسألة تتعلّق بقطعة قماش تبلغ مساحتها زهاء متر مربع، أحيانا سوداء اللون، وفي معظم الأوقات متألقة أو مطرزة، بلون الورد والأزهار، لما قرر 42 مليون ناخب تركي التوجه إلى مراكز الاقتراع يوم الأحد.

أدت الأزمة التي أحدثتها تسمية رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان من حزب «العدالة والتنمية» التركي، وزير الخارجية عبد الله غول للرئاسة في شهر أبريل الماضي، الى إقامة انتخابات نيابية مبكرة.

تتبع خير النساء، زوجة غول، وهي امرأة مثقّفة، وذات عقلية متمكّنة في المجال السياسي، التقاليد الإسلاميّة المحافظة وتغطّي شعرها بحجاب، عادة ما يكون أبيض أو بألوان فاتحة، وفي بعض الأحيان مرقط كترقيط الفهد.

وقد صارت الممنوعات على اللباس الإسلامي التقليدي متبعة منذ قيام تركيا كدولة علمانية بحت على يد مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك في القرن الماضي.

ويمنع القانون ارتداء الحجاب في المباني العامّة والجامعات، كما رفض الرؤساء السابقون قبول نساء محجّبات في استقبالاتهم الرسمية.

لا يعتبر ارتداء خير النساء حجابا عملا غير قانونيّ، غير أن العلمانيين الأتراك يخشون أن يعتبر وصول امرأة محجّبة إلى منصب السيدة الأولى خسارة لهم أمام موجة التشدد الإسلامي القائمة.

ويعرف %90على الأقل من الأتراك أنفسهم كمسلمين. غير أن النقاش عن الحجاب يثير القلق القائم حول ما إذا كانت تركيا سترضخ لتشدد العالم الإسلامي المتزايد.

ومن شدّة قلقهم، تظاهر مئات الآلاف من الناخبين العلمانيين ضد ترشيح عبدالله غول.

كما أشارت القوى العسكرية العلمانية في تركيا إلى إمكان تدخلها لمنع مجلس النواب من انتخاب غول. فتراجع اردوغان ودعا إلى إقامة انتخابات نيابية مبكرة، مراهنا على أن ذلك سيعزز موقع حزبه.

وبلغ الوضع الاقتصادي أحسن المستويات منذ نحو خمس سنوات في ظل حكم حزب «العدالة والتنمية»، لذلك تبقى أهم المسائل التي تقلق الناخبين وهي التخوّف من هجمات قد يشنّها المسلّحون الأكراد من شمال العراق، بشأن ما تضعه أو لا تضعه النساء على رؤوسهن.

وصرّحت حديس البالغة من العمر 25 عاما، وهي لم تقبل سوى الإفصاح عن اسمها الأول، بينما كانت تتسوق في محل ملابس نسائية في حي متشدد دينيا في اسطنبول، «في تركيا، هذا كل ما يتكلمون عنه في الانتخابات. تدور المسألة كلّها حول الحجاب».

خلعت النساء المحجّبات أوشحتهنّ لتجربة أمور مختلفة. فغطّين رؤوسهنّ بقطع قماش ويجتمعن أمام المرآة الطويلة لرؤية التغيير الحاصل.

«نينجا، غراب»، تتذكّر حديس بعض الإهانات التي توجّه إلى صديقاتها المحجّبات عندما يدخلن الأحياء الغنية العلمانية في اسطنبول. بينما استخدم الجنرالات مصطلحا أشد قسوة في كلامهم عن حجاب خير النساء زوجة غول (صراصير).

وردّت متسوّقة أخرى، ياسمين سيفين البالغة من العمر 19 عاما، على حديس: «سيفهمون خطأهم يوما ما». ووافقتها حديس الرأي، مضيفة: «في الحياة الثانية».

أعلن علي كاركوغلو، وهو خبير في السياسة والاستطلاعات في إحدى جامعات اسطنبول، أن التمييز ضد النساء اللواتي يرتدين الحجاب، ويواجه معظمهنّ صعوبة في إيجاد عمل، أدّى إلى انخفاض نسبة المحجّبات منذ تسلم حزب «العدالة والتنمية» الحكم، والذي أدى وعمد الى الخوف من نمو الإسلام الناشط.

وأضاف كاركوغلو أن الأبحاث التي أجراها في العام 1999 أظهرت أن نسبة19% من النساء اعترفن بأنهن يرتدين الحجاب بينما انخفضت النسبة هذه السنة إلى %15.

أما التشدد الإسلامي، فقد سجل تراجعاً بسيطاً. فهو يعلن أنه في عام 1999 بلغت نسبة الأتراك الذين أعلنوا أنهم يودّون إرساء الشريعة الإسلامية في البلاد 21% وانخفضت إلى 9% هذه السنة.

ويضيف كاركوغلو: «يستاء الناس عندما أقول هذا، وأمّي تستاء عندما أقول هذا. فهي تظنّ أن هذا يخدم مصالح حزب العدالة والتنمية». ويخاف العلمانيون مثل أمّه أن يؤدّي تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم إلى نمو التشدد، غير أن أبحاثه تبرهن العكس.

وهو يعتبر أن تسلم حزب اسلامي معتدل الحكم يخفف من تأثير المتشدّدين، ومن احتمال تدخّلهم في شؤون البلاد. فيقول: «إن كان متسلم الحكم مسلماً، فلا يمكن إلقاء اللوم لمشاكل البلاد على كون الكفّار في السلطة».

كما أن الاعتراض على الحجاب جزء من استراتيجية دفاع عن مجموعة خيارات تتمحور حول أسلوب العيش يرفض الأتراك أن يفوز بها المتشدّدون. ويضيف كاركوغلو «لا أسمعهم يقولون «أودّ لو يمكنني أن أحتسي المشروب متى أريد، وأن يكون لي عشيقات». بينما التكلّم عما سيحدث لبناتهن في حال بقي الحجاب، فهو مقبول أكثر».

وتختلف أساليب لبس الحجاب من وشاح خير النساء غول الرائج والمتواضع الذي يوضع فوق ربطة واسعة ومطاطية تمنع الشعر من الظهور، وصولا إلى الحجاب الأسود الذي ارتدته سيفين للتسوّق يوم الجمعة، والذي يربط تحت الذقن تحت قماش أسود يصل حتّى الأنف، مع أزرار عند المعصم.

غير أنه من النادر جدا أن تجد في تركيا الأثواب المتطرّفة التي يرتدونها في بعض الدول الشرق أوسطية، مثال التشادور الأسود الذي يغطّي المرأة من الرأس حتى أخمص القدمين، مع كفّين من اللون الاسود، فيجدر بالمرأة ان تشقّ طريقها عبر الجموع محاولة الرؤية من خلال القماش.

وفي تمييز قليل ما يعرف في الغرب، تعتبر نسبة 40 إلى %45 من النساء التركيات أنهنّ يرتدين الحجاب من باب التقليد وليس الدين. فهو بمنزلة إرث من تاريخ القرى التركية.

تصرّح فاطمة دومان البالغة من العمر 50 عاماً وهي تتسوّق في شارع اسطنبول الرئيسي «لقد كبرت وأنا أرتدي الحجاب». وتلوح غرّتها تحت وشاح فاتح اللون وغير مشدود تحت ذقنها.

وترافقها ابنتها حنيفة دومان البالغة من العمر 30 عاما وهي لا تغطّي شعرها البني اللون بأي حجاب.

وتعلن حنيفة، وهي من أتباع حزب «العدالة والتنمية» مثل أمها، أنها تربت وهي تعرف أنها ستدخل سوق العمل ولذلك لم تضع الحجاب يوماً.

وأعلنت أنّ بعض النساء العاملات معها في مركز الاتصالات الهاتفية، يضعن شعراً مستعاراً في محاولة للتوفيق بين التقاليد الدينية وسوق العمل. كما أعلن أصحاب المحلات في الشارع ذاته أنهم يخسرون أعمالهم بسبب توظيفهم نساء محجّبات، والذي أثار غضب الزبائن العلمانيين.

واعتبرت ألفة فودينال البالغة من العمر 70 عاماً وزوجة جنرال متقاعد من العاصمة أنقرة وهي تقف في محلها، أن «الأمر سخيف». وتضيف أنه من المفترض أن تحدد النوعية وليس الدين مكان التسوق.

غير أنها تعترف أنها لا تسيطر على نفسها فتوجه الملاحظات إلى الغريبات المحجّبات. فتقول لهنّ: «لم يكن أتاتورك ليعجبه الأمر».

وتتذكّر أيام العز وقت السلطنة العثمانية فتقول: «لقد انتدبنا المملكة العربية السعودية. يجدر بنا ألا نصير مثلهم اليوم».

وتضيف: «إن أثار بعض الشعر رجلاً ما، فلا بدّ أن يكون الخطب في هذا الرجل»(..).

واعتبر متحت ميلين، وهو مرشح وطني أن الحجاب يشكّل المسألة الأهم في التصويت في الانتخبات التشريعية إذ إنه بالنسبة إلى العلمانيين أي خطوة في طريق زلقة للغاية تؤدي إلى انتشار التشادور في كلّ أنحاء تركيا. ويضيف ميلين: «لقد صرنا في القرن الواحد والعشرين».

إلا أن بعض المحجبات صرّحت يوم الجمعة الماضي أنه ربما يكون هذا القرن قرنهنّ.

وأعلنت حليمة علتاي، وهي محجّبة تعمل في مركز لصناعة الحجاب «يمثّل حزب العدالة والتنمية الإسلام بالنسبة إلي، كما أنه يمثل الحرية».

وصرحت علتاي أنها لم تتمكن من تحصيل الدروس العليا لأن تركيا تمنع الحجاب في الجامعات العامة. وتضيف: «إن تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم، أظن أنه سيضع حدّاً للتمييز».

back to top