صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4841

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الشاعر شوقي بزيع: أنا مفتون بقراءة الرواية وأخاف اقتحام عالمها

  • 04-02-2008 | 00:00

جاء في كلمة عن اعمال الشاعر اللبناني شوقي بزيع الشعرية انه لو أريد وصف تجربته الإبداعية بكلمة واحدة لما كان هناك أفضل من «النهر»: حركته متجددة دائمة وماؤه واحد لا يتغير، ولو أريد اختصار لغته الشعرية بلفظة لقيل إنها «الشجرة»: جذورها ضاربة في الأرض وأغصانها مسافرة في فضاء الإنسانية الرحب.

ربما يكون هذا الكلام أفضل ما يعرّف عن شعر شوقي بزيع أو تجربته ونظرته الى الثقافة.

معه هذه الحوار.

هل فكرت في كتابة قصيدة النثر بعد عقود من كتابة قصيدة التفعيلة التي حظيت باتمام جمهورك؟

لا، لم افكر في كتابة قصيدة النثر.لكنّ ذلك لا يتعلّق بموقفٍ سلبيٍّ من هذه القصيدة. أعتقد أنّ الشعر الحقيقي يتجاوز الشكل كمعيق للكتابة الا حين يكون هناك ازمة في الكتابة نفسها، وفي رؤية الشاعر وتربته ومشروعه، ولذلك لدينا نماذج من الشعراء كتبوا في وقت واحد قصيدة النثر والشعر الموزون وقصيدة التفعيلة، قد يكون هؤلاء ملمين اكثر من سواهم في تكوينهم الشخصي أو حساسيتهم الشخصية، واذكر في هذا المجال ادونيس ومحمود درويش ونزار قباني. أشعر انني غير قادر على كتابة قصيدة النثر، لان تكوّني الشخصي ونشأتي، علاقتي باللغة بدأت تتصل بالايقاع، والايقاع ليس لباساً خارجياً بل جزءاً من نسيج القصيدة ومن نظام تكوُّنها الداخلي في اللاوعي. بالنسبة إليّ تحضر اللغة في قصيدتي متصلة بشكل مباشر بنمطٍ ايقاعي، بتواترٍ ايقاعي معين، ولكن الذي قلّل من عدم حماستي لكتابة قصيدة النثر أمران، الاول انني شغوف بالنثر العادي الفني والادبي شغفاً منقطع النظير، اشعر بمتعة حقيقية لقراءة النثر، سواء كانت قصيدة النثر أو الرواية واشعر بمتعة كتابة النثر ايضاً، سواء من خلال الكتابات الصحفية أو من خلال كتابة بعض الاشياء التي تخصني، فهذا يخفف عني قليلا الحماسة لكتابة قصيدة النثر.

الأمر الثاني هو أنني افدت الى حد ما، من الاقتراح الذي تقدمه قصيدة النثر مقارنة بالقصيدة العربية، حيث التخفف من الافاضة والترسل الوجداني والبحث الدائم عن لغة مضمرة، لغة تصيب المعنى، كذلك أفدت من قدرة قصيدة النثر على التقاط تفاصيل وجزئيات واندثار العالم الممزق والمتباعد.

هناك اليوم «موضة» الشاعر الذي يكتب الرواية او العكس، ألم تفكر في كتابة الرواية كونك عاشقاً لها؟

اصدرت مجموعة واحدة هي مختارات من كتاباتي النثرية بعنوان «ابواب خلفية»، ولا اخفي أن اصدقاء وقراء اشاروا الى ان نصوصي تتضمن نواة سردية وروائية، وتمنى عليّ بعضهم أن أكتب رواية، حتى غلاة الحداثة مثل عادل فاخوري منظر القصيدة الالكترونية، يعتبر أن لبنة الرواية موجودة في نصوصي سواء من حيث اللغة نفسها، أو من حيث تركيب النص الذي فيه شيئ من السرد الحكائي. أنا مفتون بقراءة الرواية اكثر من الشعر، حتى في كتاباتي النقدية أركز عليها. اعترف أنّ الرواية هي بحق ديوان العالم، وليست ديوان العرب وحدهم، وهذا يعود ليس لاسبابٍ مزاجية لأنّ البشرية تمرّ في مفاصل وتحوّلات كبرى وخطيرة، أحسب بأنها وهي تتهيأ لاستشراف الغامض الذي لم يأت بعد، وهي تحاول التخفّف من اثقال الحروب التي مرت في القرن العشرين والتحولات الخطيرة والسريعة، كأنها تريد أن ترتاح، أن تأنس الى هذا الفن الجميل، والذي يمكن الناس من الاقامة من حيوات أخرى، ومغذية لحيواتهم وليست هي نفسها، ولكنها تشبهها الى حد بعيد، فيشعر الانسان أنّه يعيش في حياة الاخرين، ولأنّ هذه الحياة عصية عن الموت باعتبار انّها من ورق، أو حياة من كلمات، فكأنه تماهى مع هذه الحياة نفسها، واصبح فيما يقرأ هذه الرواية خارج دائرة الحياة والموت، وحين يرسم ابطال الروايات يستطيع ان يعود الى حياته الأساسية التي تشبه الحياة الاحتياطية في هذه اللحظة، فاذا به يشاركهم متعة ما يعيشونه، حتى في مجازفتهم بقدرٍ عال من التشويق والاثارة، ولكنه في مأزقهم او مصائرهم المميتة، ينسحب الى حياته وهذا يشبه ما يحصل لنا في الاحلام، حين نقع في كابوس او نواجه موتاً، حتى ونحن داخل الحلم نهيئ انفسنا بأننا سنستيقظ بعد قليل. لكن كما قلت أخاف من اقتحام عالم الرواية، أشعر أنّ الحياة قصيرة ولا تتسع للحفر في مكان واحد فكيف في مكانين، فهي قليلة حتى على الرواية وحدها وحتى على الشعر وحده، اذا حاولت كتابة الرواية اضيع بين الاثنين، فيما عليّ ان اواصل التنقيب داخل الشعر عن مستجدات او عن اماكن غير مأهولة. قد أُصيب أو لا أصيب، قد اخفق أو أنجح، ولكن على الاقل تمضي في مكانك.

هل تستلهم الشعر من الرواية؟

صدمت الى ابعد الحدود، بالمقابلة التي اجراها زاهي وهبي مع ادونيس في برنامج «خليك بالبيت» على شاشة «المستقبل»، حين قال له ادونيس إنه لا يقرأ الرواية، وغير معنيّ بقراءتها. وأنا اعرف رأيه قبل المقابلة، فهو يعتبر اللغة الروائية عادية مستهلكة لا تحمل اضافات. وفي رأيه ان الشعر هو الذي ينقل اللغة الى مساحات التوتر القصوى. لا اشاطره هذا الرأي على الاطلاق، اعتبر الانجاز الروائي البشري فعلا نقلة في القرن العشرين وحتى في القرن التاسع عشر. ما تؤمنه الرواية من متعة، في تقديري يفوق ما يقدمه الشعر وهذا قول يتناقض مع موقعي كشاعر، طبعاً. سبب ذلك كما ذكرت، هو أنّ الرواية تتسع لاشكال القول كلها، فهي تستطيع أن تمسرح الحوارات داخل النص، وأن تقوم بالسرد بحدّ ذاته، بصفتك الكاتب ومتقمص شخصية الراوي، تطلّ على العالم وكأنك «إله» كما يقول فرغاس يوسا في كتابه «رسائل الى روائي شاب»، لانك تدخل الى غرف نوم الناس وتعرف تفاصيلهم وسرائرهم، وتستطيع ان تكون شاعراً في الرواية بمعنى ان هناك مجالاً من خلال ابطال الرواية كي تذهب الى مناطق قصوى، والى اماكن ليست محدودة، عندك عالم غير محدود.


ليس صحيحاً انّ الرواية لا توازي الشعر او العكس، في الحد الادنى هما فنان متوازيان، وليس بالضرورة أن ينهض احدهما على انقاض الآخر.اعتقد ان الشاعر يمكن أن يستفيد من القراءات غير الشعرية أكثر من افادته من الشعر نفسه، لأنه عندما يقرأ شعراً قد يتأثر ضمناً به وهذا ليس في مصلحته، بينما عندما يقرأ الرواية والمسرح والتاريخ يتأثر، وهذا التأثر لا يكون خطراً على تجربته. وكثيرا ما نكتب قصائد بعد قراءة روايات معينة، او قراءة مقالات نقدية حتى. اعطيك مثلاً: أنا واثق من أنّ الشاعر محمود درويش كتب ديوان «احد عشر كوكباً» عن الهندي الاحمر، بعد قراءة كتاب «الاخرون» للكاتب البلغاري الاصل تودروف، لأنني وجدت تشابهاً كبيرا بين القصيدة والكتاب، وأكثر من قصيدة لمحمود درويش مكتوبة بعد قراءة ابحاث او كتب معينة، وهو اعترف انه يستفيد جدا من كتاب «لسان العرب» لابن منظور ويستمتع بقراءته. شخصياً عندما كتبت قصيدة «عروة بن حزام» في ديوان «سراب المثنى» بعد قراءتي لكتاب صديقنا الطاهر لبيب «سوسيولوجيا الغزل العربي». لا أقول هذا الكلام من باب الانتقاد لأحد، ولا من باب الانتقاد الذاتي لنفسي. اعتبر ان القراءات المختلفة تفتح الشاعر على موضوعاتٍ شاسعة جدا، وتثري لغة الشاعر. ثم من قال إنّ هناك لغة شعرية ولغة نثرية؟ اللغة مفتوحة على الاحتمالات كلّها.

ولكن ثمة من يعتبر أنّ الشعر أقرب الى الفلسفة منه الى الرواية؟

حتى لو صحّ ذلك، هذا لا يلغي استفادة الشعر من الرواية، واستفادة الرواية من الفلسفة، وانما على طريقتها الخاصة فهي تحمل نقاشاً معرفياً عالياً لاسرار الوجود، ونقاشاً رفيعاً منذ «الاخوة كارامازوف» وحتى روايات ماركيز وقصص بورخيس، نشعر أنّ هناك معالجة للقضايا معرفية وفلسفية كثيرة، يعني أنّ الحقل الدلالي لمفردات اللغة تتسع للشاعر الذي يقرأ روايات.

في كتابك «صراخ الاشجار» كنت رومنطقياً الى حد ما، أريد أن اسألك عن المباني التي تشاهدها كلّ يوم في المدينة، ما تأثيرها عليك، هل تخصها بكتاب؟

أريد ان اصوّب استعمال كلمة رومنطيقي التي قيلت في وصف كتابي «صراخ الاشجار» لانه في الواقع، اذ كان هناك من شبهة رومانسية ولكنها ليست رومانسية، بقدر ما هي محاولة لتقصي احوال الاشجار من داخلها وبتأويلاتها المفتوحة على أشياء أخرى، لا علاقة لها بالشجر.

لست هنا بمعرض العودة الى الاشجار والتغني الطبيعة بالمعنى العادي. في «صراخ الاشجار» هي الاشجار وخلافها في آن. وحتى وان كانت اشجار فهي متصلة بالانسان، فالاشجار قد تقرأها بوصفها اشجاراً وقد تقرأها بوصفها حاضنة لزمن، خصوصاً بالنسبة اليّ، أنا الذي عشت طفولتي في كنفها، في السرير الاول المصنوع من خشب، فهي متصلة بالوجود الانساني، وحتى في لحظات الموت يسجى الانسان على نعش من خشب، هي أيضاً حالة ترابية مثل الانسان تزرع في تراب ما.

لذلك الاسئلة كلّها التي في داخلي قلتها في «صراخ الاشجار»، علاقة الشجرة بالأنوثة والزوال، فالزنزلخت مثلاً يتحول الى بيت الذاكرة، اقصد بيوت الطين كانوا يصنعون سقوفها من خشب الزنزلخت. هكذا كلّ شجرة مفتوحة على أشياء مختلفة، لذلك تم تناول الكتاب بوصفه يتضمن اضافة ما. كذلك اذكر انه في الشعر العربي لم يصدر ديوان عن الاشجار بحد ذاتها، او ككتاب مستقل، يتناول كلّ شجرة وكلّ شجرة لها اسئلتها، بما توحي به من دلالات ومعانٍ.

واعترف هنا انني تأثرت بكتاب «باقة برية» للشاعر الحائز جائزة نوبل هاري مارتنسون، ولو انه لم يتحدث عن الاشجار، تحدث عن الطحالب والقواقع البحرية.

قبل كلّ ذلك تأثرت بالشجر في طفولتي، والطريف أنني لم اكتب إلا عن الشجر الذي أعرفه، فأنا لم أكتب مثلاً عن الحور لانني لم اعرفها، كتبت عن اشجار اعرفها تماماً، وهذا يدل على أننا يجب أن نكون صادقين في كتاباتنا، وأن تكتب عن شجرة لا تعرفها، كأنك تكتب قصيدة حب عن امرأة لا تحبها.

هل يمكنك الكتابة عن المباني في المدينة طالما انك كتبت عن الاشجار التي عشت طفلولتك في كنفها؟

في ديواني «مرثية الغبار» كتبت قصيدة اسمها «البيوت» وهي الاقرب الى نفسي، لم احدد تلك البيوت اين تقع كما كنا نفعل في السبعينات، رغم ان هذا الامر ليس سيئاً، في النهاية من لا يتفاعل مع بيته لا يتفاعل مع أي بيت في العالم، ولكن ان اجرّد البيوت من محليتها، هناك دعوة الى كنف البيت ربما بسبب الحرب الأهلية حيث انتصر الشارع وهو ساحة مفتوحة على الحرب، وانت تعرف لفظة «ساحة» كم تكرّرت، عندما سقط بيتي في الجنوب في بلدة زبقين في «حرب تموز» الاخيرة، كتبت قصيدة بعنوان «تحت أي سقوف سأغفو اذن» وهي منشورة في ديواني «لا شيء من كل هذا»، رثيت فيها البيت الذي ولدت فيه، بيت الطفولة وقد احسست كأني في العراء، مع اني لم اكن اقطن في ذلك البيت. على الاقل كان لدي حلم ان اعود الى ذلك السقف، اتنشق الروائح ابحث عن كنف اخير في اللحظات التي تسبق الموت، اشعر انه في تلك البيوت يمكن ان نرتاح قبل الراحة النهائية، فالبيوت تعني لي كثيراً لكن بيوت المدينة لم اتصالح معها، نادراً ما كتبت عن البيوت التي سكنتها في المدينة لان منبع الشعر، بالنسبة اليّ موجود في امكنة الطفولة في جنوب لبنان، حتى لدرجة انني لكثرة ما كنت احن للعودة الى الجنوب طلبت من والدتي ان تجلب لي غرسة دفلة التي احبها كثيراً، واحب لونها الذي يجمع بين شفاه النساء ودم الشهداء، بين الحياة والموت، بين الشهوة والالم. تصور ان الدفلة تنبت بسرعة على ضفاف الانهار في اعتبار انها تحب الماء، هذه الغرسة رفضت ان تنمو على شرفة بيتي في بيروت. كأنها تشعر أنها تعيش في مكان غير طبيعي، واخذت موقف احتجاج او كأنها غريبة. قد تسألني لماذا لا تعود الى الريف؟ اقول لك نحن نفطم مرتين، مرة عن ثدي الام، ومرة عن المكان الاول. ومجرد ان نأتي الى المدينة لكي نتعلم او نعمل، نخسر قرانا وتتحول الى عقدة لغوية تدخل في القصيدة، حتى اذ اردنا استرداد القرى في الواقع نجد انها ليست هي نفسها ولا نحن نفس الاشخاص، حتى العين التي نراها فيها هي عين اخرى.