لماذا فضّلت النساء السيد الرئيس؟

نشر في 05-06-2007
آخر تحديث 05-06-2007 | 00:00
 د. شاكر النابلسي على الرغم من احتضان فرنسا لمسيرة التنوير وحصول المرأة على حقوقها السياسية منذ القرن السابع عشر، فإن المرأة الفرنسية عجزت عن محاكاة مثيلاتها في دول أخرى مثل باكستان والهند وبنغلادش وإندونيسيا، وهي دول مصنفة ضمن بلدان العالم الثالث، هناك مسببات حقيقية قوضت فرص سيجولين روايال لاقتناص قصر الإليزيه، ولاسيما مع تبنيها خطابا انثويا ركز على استمالة بنات جنسها من الفرنسيات اللائي فضلن تغليب لغة المصالح

- 1 -

يبدو أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، لم تكتفِ فقط بايصال اليمين الفرنسي الى سدة الحكم من جديد، بقدر ما أكدت من جديد أيضاً أن احتمال وصول سيدة الى قصر الإليزية لم يحن موعده بعد، برغم كل ما تتمتع به المرأة الفرنسية، منذ حازت على حقها السياسي في الانتخاب والترشيح في الأربعينات من القرن الماضي. وهو ما يثير أسئلة عدة عن سبب ذلك، في الوقت الذي تصل فيه المرأة في الهند وباكستان وبنجلادش وإندونيسيا وإسرائيل الى سدة الرئاسات، وهي بلدان لم تكن حاضنة التنوير في القرن السابع والثامن عشر، ولم تكن مُفجِّرة لثورة الأنوار، كما حصل في فرنسا. ولم تحز فيها المرأة على حقوقها الاجتماعية والسياسية مثلما كان عليه الحال في فرنسا في وقت مبكر. ويبدو أن السبب الرئيس وراء هذا كله أن الوراثة السياسية وأن النظام الحزبي السياسي في هذه البلدان، قد لعب دور رئيساً في تنصيب المرأة في هذه المراكز السياسية العليا.

- 2 -

إن العرب والمسلمين في الشرق عموماً ما زالوا ضد تنصيب المرأة في المراكز السياسية والقضائية المهمة. والسبب الرئيس - من وجهة نظري - هو سيطرة المجتمع الذكوري، وما يعانيه من «فوبيا النساء»، وحب امتلاك المرأة كشيء داخل بيتها وليس خارجه. زيادة على ذلك فإن عدم خبرة الرجل الشرقي بعلوم السياسة المعاصرة وفشله في أن يدير الدولة المُعنى بها فشلاً كبيراً منذ نصف قرن مضى على استقلال بلاده، أدى الى كل هذه المواقف من المرأة. فمعظم الأنظمة العربية القائمة الآن فشلت فشلت ذريعاً في أن تدير، ليست دولة فقط، ولكن مطاراً واحداً من مطاراتها ادارة عصرية سليمة، أو محلاً من محلات بيع الفول والفلافل. ومن هنا نرى هذه المعارضة الجامحة لتولي المرأة مناصب سياسية وقضائية. ولعل اقتراحات تخصيص «كوتا» في البرلمانات العربية، كانت واحدة من العلاجات لإعطاء المرأة فرص سياسية لممارسة نشاطها السياسي، الذي ما زالت تعارضه بشده المؤسسات الدينية عامة في الشرق، وتأتي لنا بنصوص دينية، كانت قد وضعت للمرأة التي عاشت قبل أربعة عشر قرناً، وليست لمرأة القرن الحادي والعشرين. ويتم سلخ هذه النصوص عن سياقها التاريخي والاجتماعي في القرن السابع الميلادي، ويجري تطبيقها على واقع جديد وحياة جديدة تفصل بيننا الآن وبينها أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان. والاحتجاجات التي سمعناها في الكويت ومصر تجاه الحقوق السياسية والقضائية التي أُعطيت للمرأة مؤخراً ما هي إلا انموذج حي، لمحاولة مواصلة سجن المرأة داخل النصوص الدينية التي يفسرها ويطبقها فقهاء المؤسسات الدينية وفقهاء السلاطين على هواهم، ومن خلال مصالحهم ومصالح سلاطينهم العامة، ودفاعاً عن ذكوريتهم وذكورية المجتمع الذي اعتادوا أن يعيشوا فيه طيلة القرون الماضية وحتى الآن.

- 3 -

وكما أن للشرق تحفظاته وأسبابه التاريخية والدينية والاجتماعية والثقافية والقبلية في عدم إعطاء الفرص المختلفة للمرأة، والصدِّ عن اعطائها حقوق المواطنة الكاملة وبكل صراحة، فإن للغرب أسبابه كذلك، ولكن ذلك يجري بصوت أخفض، وبأقل حدة، نتيجة للطفرات الحداثية التي اجتاحت المجتمع الغربي، ولاختلاف التركيب الاجتماعي اختلافاً بيناً.

ففي الوقت الذي فازت فيه انجيلا ميركل بانتخابات المستشارية الألمانية عام 2005، وذلك لأول مرة في تاريخ ألمانيا الموحدة، لا لأسباب سياسية وراثية كما هو الحال في بعض بلدان الشرق، خسرت في فرنسا الاشتراكية الشهيرة مدام روايال معركتها السياسي أمام اليميني المحافظ ساركوزي. والمدهش في هذه المعركة السياسية أن غالبية نساء فرنسا قد صوتوا لساركوزي ولم يصوتوا لروايال. وكانت خسارة روايال متأتية بالدرجة الأولى من اعتمادها على أصوات النساء الفرنسيات اللائي لم يستجبن لنداء الجنس الأنثوي، ولكنهن غلّبن نداء المصالح. وهذا هو الخطاب الذي كان سبباً في نجاح انجيلا ميركل في ألمانيا، التي لم تخاطب النساء كإمرأة فقط دون برنامج إصلاحي مقنع، ولم تدغدغ مشاعرهن كأنثى مرشحة فقط، تريد من الإناث التصويت لها، فهي أحق بأصواتهن من الذكور. ولعل هذا ما سوف يُسقط هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية القادمة 2008 والتي بدأت منذ بدء حملتها الانتخابية على التركيز على كونها امرأة فقط، وتريد من النساء الأمريكيات نصرتها، وايصال أول امرأة الى البيت الأبيض. وهذا المطلب المجرد فقط سوف يؤدي الى سقوطها كما أدى الى سقوط روايال في فرنسا. اضافة الى ذلك، فإذا كانت هناك فرص كبيرة مستقبلاً للمرأة الرئيسة في أوروبا، فإن الفرصة في الولايات المتحدة الأمريكية أمام دخول المرأة البيت الأبيض ضعيفة جداً. والسبب أن الرجال والنساء في أمريكا مقتنعون بأن الدولة الأعظم قوة وسطوة، من الصعب على امرأة ما أن تدير شؤونها، حتى ولو كانت تاتشر الحديدية، أو أنديرا غاندي الحكيمة، أو جولدا مائير المخلصة، أوأنجيلا ميركل الواقعية.

- 4 -

في فرنسا كشفت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أن نسبة 48 بالمائة من النساء صوتوا للمرشحة الاشتراكية روايال، بينما صوّت 52 بالمائة من النساء للمرشح اليميني المحافظ ساركوزي. وهذا لا يعني بأن النسبة التي حاز عليها ساركوزي من النساء حاز عليها لكونه رجلاً وروايال امرأة، ولكن لأن برنامج ساركوزي السياسي والاجتماعي والاقتصادي أفضل من برنامج روايال، ويحقق للشعب الفرنسي طموحاته وآماله. في حين أن الاعتراض على هيلاري كلينتون في امريكا ليس على برنامجها الانتخابي الشامل، ولكن على جنسها كونها امرأة، لا تصلح أن تقود دولة عظمى فريدة في العالم، وبغض النظر عن خطابها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهذا مردة – ربما - بالدرجة الأولى الى كون المجتمع الأمريكي مجتمعاً علمانياً متديناً جداً، يؤمن ويطبق «العلمانية التوحيدية» المتشددة. فقد أظهرت التقارير أن أعلى نسبة (14 بالمائة) من التبرعات الأمريكية الأهلية السنوية، تذهب للكنيسة وليس للتعليم، الذي ينال نسبة أقل من ذلك. وأن لا فرق كبيراً بين نظرة المؤسسات الدينية الاسلامية والمسيحية واليهودية للمرأة. فكلها من نسيج واحد وإن اختلفت الأزياء والألوان.

السلام عليكم.

 

كاتب أردني

back to top