الكويتيون يدافعون عن الحرية الشخصية ويرفضون الوصاية والتعسف حشد القوى الوطنية للدفاع عن المكتسبات الدستورية وتحرير الدين
انطلقت الحملة الوطنية لإسقاط قانون منع الاختلاط إلى آفاق جديدة في مواجهة التيارات التسلطية، بتوجيه الطاقات إلى الدفاع عن الحريات في المجتمع، لأن القانون المذكور يحد من إرادة المواطنين وخياراتهم الشخصية التي كفلها الدستور، والتصدي للهجمة التي تقودها التيارات المتطرفة، بالتشكيك في نظافة المجتمع الكويتي وأصالته، باستخدام لغة رخيصة، تؤكد أن التيارات الدينية المنغلقة شعرت باهتزاز صورتها في المجتمع.
الكويتيون تحركوا بقوة لمواجهة فكر الوصاية ورفض الآخر، وأكدوا ضرورة العودة إلى الدستور باعتباره عقداً اجتماعياً ينظم مسيرة المجتمع، وهو الذي حض على حرية الأفراد، وخياراتهم الشخصية، ليس في اختيار نوعية التعليم وحسب، بل في شكل النظام الاجتماعي، الذي يؤصل العيش المشترك، من دون فرض وتعسف لطرف ضد آخر، دفاعاً عن الحريات الخاصة.لاحظ أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت الدكتور فلاح المديرس أن «هيمنة الاتجاه الديني ونفوذه داخل المؤسسات الحكومية، أثرت بشكل كبير في تراجع الحريات، وبدأت التيارات الدينية تفرض هيمنتها على وسائل الاعلام، من صحف واذاعة وتلفزيون، وحضورها في التلفزيون الرسمي مثلا أكثر من سواها من التيارات الاخرى، ولعل ما حصل أخيرا بوقف عدد من البرامج الحوارية يدخل في سياق التضييق على الرأي الآخر غير الديني».واعتبر المديرس أن «التنظيمات الديموقراطية كانت سلبية غالبا، في ظل معطيات سياسية غير قادرة على تحريك الناس، ولاحظنا كيف تجاوب الناس مع مهرجان الجمعية الثقافية النسائية، وبدا أن التيار الديني فوجئ بما حدث، أمام ردة الفعل الكبيرة من الناس، والحشود التي حضرت للدفاع عن مكتسباتها الدستورية، فخرج التيار الديني عن طوره، وهذا أفضى الى ظهور بيان جمعية الاصلاح البذيء والمتخبط، مما يؤكد أن الأغلبية الصامتة لو تحركت لكان في إمكانها التأثير في صناع القرار السياسي، لأن صوت التيار الديني كان هو الطاغي في الساحة السياسية».تنظيم التيارات الديموقراطيةوقال المديرس إن «أغلب القوانين منذ ظهور التيار الديني في مطلع الثمانينيات كانت ترمي الى كبح الحريات من خلال المشاركة في مجلس الأمة، حتى وصلنا أخيرا الى منع بيع الورود لمناسبة عيد الحب»، مشيرا الى دور الحكومة «التي أعطتهم الفرصة، وأتاحت لهم التحرك بحرية، وفتحت لهم كل المؤسسات للانتشار والهيمنة» واعتبر أن مواجهة هذا التيار تستدعي «إعادة تنظيم التيارات الديموقراطية بالشكل الصحيح، وحشد القوى الوطنية للتصدي لهذا التراجع، لأن التيار الديني يسعى وبخطط مدروسة، ولأنه يعرف أن تحويل الكويت الى دولة دينية يتنافى مع الدستور الكويتي الوضعي، دأب ومن خلال القوانين الى تحويل النظام في الكويت الى نظام ديني». تخويف وخطوط حمراستاذة قسم اللغة الانكليزية وآدابها في جامعة الكويت الدكتورة ابتهال الخطيب، فسرت ما يحدث بأنه نتاج «الموجة الدينية التي اجتاحت العالم العربي، ومن الواضح أن السياسيين اكتشفوا مدى قوة هذه الموجة وفعاليتها، فاستخدموها، لاسيما أن سلاح الدين قوي جدا، قادر على إخافة الناس واستقطابهم، ويجعلهم يلتزمون بالاطروحات الصادره عنه، وحركة تقييد الحريات جاءت تحت مسميات دينية، وجرى وضعها في إطار روحاني عقائدي، ينطوى على تخويف وخطوط حمر، كفيلان ببث الرعب عند الناس ودفعهم إلى الاستسلام لهذه الطروحات السياسية أصلا، وغير القابلة للنقاش كمسلمات دينية كما يصورون».وأضافت «جرى تطويع الناس بالمسوغات الدينية وكانت سلاح تخويف فعال جدا، استُخدم كنوع من التقية السياسية من جانب التيار الديني، لتمرير أغراضهم السياسية، واستخدموا سلاح الدين بصورة ناجحة، وبذكاء خارق، وهذا منحهم قوة استثنائية، ولهذا تكرس وجود عداء للتطور والتقدم داخل المجتمع، لأنهم أخافوا الناس ومارسوا عليهم إرهابا نفسيا، لمنعهم من التفكير بأي شكل خارج إطار العقيدة الدينية، وفقا لفهم هذه التيارات، وليس العقيدة الحقيقية المتسامحة».العودة إلى الدستورودعت الدكتورة الخطيب إلى «مواجهة هذه الموجة المتطرفة، عبر حملة توعية» لكنها استدركت بالقول «عندي شعور أن أي جهد لن يغير الواقع ما لم تكن الحكومة الى جانبنا، وهذا يتحقق إذا تمكنا من اقناعها بأن هذه التيارات بدأت تزحف الى أماكن خطرة في حياة الناس، ودخلت حتى في التفاصيل الصغيرة، وهي تواصل هيمنتها على مفاصل النظام ذاتها، وإذا لم تنتبه الحكومة الى خطورة ما يحصل ستحل الكارثة علينا جميعا، لهذا لابد من التحرك من جانب الطبقة المثقفة لتوضيح الأهداف الحقيقية لهذه التيارات، شرط بمساندة الحكومة، فهم مثل ماطلعوهم يرجعونهم»! ويقول حامد الحمود «هناك شريحة كبيرة من المواطنين تناصر الحريات العامة ولا تقبل ان تمس هذه الحريات التي كفلها الدستور الكويتي لهم، لافتا ان مشكلة هذه الشريحة هي انها كانت صامتة، ولكنها بدأت الآن تتحرك للتعبير عن رفضها للمساعي الرامية الى مصادرة حقوقها الدستورية» ويضيف الحمود أن «الجميع مسؤول عن ايصال رأيه وصوته لأصحاب القرار ليعبر عن رأيه في قضية التعليم المشترك لما تمثله هذه القضية المطروحة الآن من مثال لتقييد للحريات العامة التي كفلها الدستور الكويتي لكل مواطن، مؤكدا ان الاختلاط بين الجنسين أمر قائم، ولا يمكن لأي شخص منعه، لذلك كان حريا بالنواب التركيز على السبل التي يمكن من خلالها تنمية الأخلاق والقيم والمبادئ الحميدة التي تربى عليها المجتمع الكويتي». الصوت العاليوتؤكد الدكتورة رولا دشتي «ان كل مواطن يستطيع أن يحمي حقوقة ومكتسباته الدستورية بالتعبير عن رأيه بصوت عالٍ، مشيرة الى ضرورة ان يبدأ في محيط الأسرة، ومن ثم ينتقل الى المجتمع المدني من خلال التواصل الاجتماعي».وتقول دشتي إن «مطالبنا، والحريات التي نتحدث عنها ما هي الا جزء اساسي من الدستور الكويتي، وهي أيضا نفس الحريات النابعة من عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا الأصيلة التي تربينا عليها»، مؤكدة أن «هذه المبادئ قائمة أيضا على التسامح وعلى الحوار البناء بين مؤسسات المجتمع المدني». الناشط السياسي ماجد السلطان أرجع ما يحدث من تراجع في الحريات الى ما أسماه «اندماج قوى اجتماعية جديدة مازالت حتى الآن لم تستوعب شروط الحياة المدنية»، وقال إن «الزمن كفيل من خلال الصراع الاجتماعي والثقافي باستقطاب هذه القوى ودمجها في المجتمع، بدلا من تركها فريسة للتيارات الدينية الظلامية، التي استخدمت الدين لتحقيق أهدافها السياسية».يسرا اعتبرت ما يحصل «هجمة منظمة ضد الحريات الشخصية في الكويت» لكنها أكدت بعزم أن من وراءها «سينهزمون، ولن يستطيعوا هدم قيمنا ومبادئنا»، وقالت إن ارسال أبنائها الى مدارس مشتركة «حرية شخصية، ولن نسمح للبعض بتلويث سمعتنا، وهزيمة إرادتنا في العيش المشترك مع كل مكونات المجتمع، وفق علاقة أساسها الاحترام والتقدير».أضافت يسرا «يجب أن ننظم أنفسنا أكثر لمواجهة الفكر المتزمت والمنغلق، لدينا ثقة كبيرة بأبنائنا، وأي قرار لن يزعزع هذه الثقة»، وحمّلت الحكومة مسؤولية «عدم التصدي لهذه التيارات، وسمحوا لهم بالتمادي، وأعطوهم الخيط والمخيط، ويريدون هدم جيل بأكمله للسيطرة على مقدرات المجتمع، ولن نسمح لهم». الصمت الحكوميوتعتقد منى السالم «ان هناك خطوات وتنسيقا منظما من قبل بعض التيارات السياسية لتقليص الحريات العامة للمواطنين بهدف السيطرة على المجتمع المدني، مؤكدة ان الديموقراطية القائمة على فرض اجندات أحزاب سياسية على المجتمع المدني هي تعتبر ديموقراطية ناقصة النمو». واستغربت السالم من صمت الحكومة امام هذه التدخلات غير المبررة من قبل الاحزاب السياسية في حريات المواطنين، مؤكدة ان الصمت الحكومي يؤكد أن هناك تحالفا حكوميا نيابيا على تقليص الحريات و بشكل تدريجي». وتساءل ناصر العبدالله عن السبب الحقيقي الذي دفع بعض النواب في مجلس الأمة الى طلب منع الاختلاط في المدارس والجامعات الخاصة، مؤكدا ان هناك توجها من قبل بعض التيارات السياسية لمحاربة الحريات التي باتت تزعجهم وتهدد مصالحهم. وذكر ان على جميع المواطنين المؤمنين بالحرية التي كفلها الدستور عدم الركون و الاستسلام للمحاولات المريضة التي تهدف الى تقييدهم، مؤكدا ان دعم المواطن لجمعيات المجتمع المدني هي من اهم القنوات التي يمكن من خلالها ان يعبر عن رفضة لقرار منع التعليم المشترك وأي قرار آخر فيه تعدٍ على حقوق المواطنين. تهيئة الشبابودعت فرح العسكر طلبة الجامعات والمدارس الخاصة باتخاذ موقف حازم تجاه قرار منع الاختلاط في مؤسساتهم التعليمية، مشيرة الى ان الاكتفاء بالمراقبة وانتظار الآخرين لتحديد مصيرهم يعتبر موقفا سلبيا، كما انه قد يفسر على انهم قبلوا بهذا القرار الذي فيه اساءة لهم جميعا. وتضيف العسكر «ان الاختلاط أمر واقع لا مناص منه سواء في العمل أو في الأماكن العامة الأخرى، لذلك تهيئة الشباب لهذا الأمر سيمنحهم ثقة بالنفس ويساعدهم على التعامل مع الجنس الآخر وفق المبادئ والقيم التي يتربى عليها المجتمع الكويتي، مؤكدة ان معظم الذين درسوا في جامعات ومدارس غير مختلطة يعانون مشكلة الخجل بعد توجههم الى سوق العمل». وتؤكد روان نشمي ان الحريات العامة لا يمكن تجزئتها او تحجيمها، كما يحاول البعض من خلال تبني قرارات تخالف الدستور والقانون الكويتي، لافتة الى ان أجواء المؤسسات التعليمية ذات النظام التعليمي المشترك تنمي لدى الطالب القيم والعادات الحميدة، التي تربى عليها اهل الكويت جميعا، مؤكدة ان الطلبة في هذه المؤسسات يكنّون لبعضهم كل احترام وتقدير، ويتعامل الطلبة مع بعضهم على أساس انهم من اسرة واحدة. ملاحظات سخيفةوذكرت نشمي ان من حق المواطن الدفاع عن حقوقه الدستورية كاملة من خلال القنوات الرسمية المتاحة له، ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني لايصال صوته إلى متخذي القرار، لافتة الى انه لا يمكن ان يقوم عدد من النواب لأسباب سياسية فرض رأيهم على الجميع، خصوصا ان الخيارات التعليمية مفتوحة أمامهم. سما، طالبة، قالت مستنكرة «تعلمت في مدرسة خاصة منذ البداية، وهذا النوع من التعليم منحني ثقة كبيرة، وقوة استثنائية للتعامل مع الجنس الآخر، ولا أعلم من أين أتوا بملاحظات سخيفة وغرائزية لم نسمع عنها، نحن نهتم بالتعليم وحسب، والتجاوزات التي يتحدثون عنها موجودة في عقولهم المريضة، أعتقد أنهم يحاولون تحطيم شخصياتنا للنيل منا، من خلال تشويه سمعتنا، في الحقيقة لا أعلم لماذا يحصل هذا في الكويت فقط، ولم نسمع شيئا مماثلا في الدول الأخرى، حتى في دول الخليج القريبة، ما يحصل أمر له علاقة بالسياسة وحجر حرياتنا».تحفيز المجتمعالطالب في جامعة الخليج مشعل المنيس، اعتبر ما يحصل «تدخلا من أعضاء مجلس الأمة في حياتنا الشخصية، وعلى حد علمي كثير منهم تلقوا تعليمهم خارج الكويت، في مدارس مختلطة بطبيعة الحال، فلماذا استهدافنا؟» وقال إن بيان جمعية الاصلاح البذيء احتوى على «كلام جارح ومرفوض، وغلطوا في أهالينا، الذين تخرجوا في جامعة الكويت المختلطة»، ودعا المنيس الى «حشد القوى الديموقراطية في المجتمع وتنظيم أنفسنا، للتصدي لهذه التيارات المتطرفة، من خلال توعية الشباب وتحفيز المجتمع، والعمل لتعديل القوانين المجحفة وتصادر حرياتنا». بدر المنصور رفض «التدخل في الخيارات الشخصية»، وقال انه كطالب في جامعة خاصة أكد أن «التدريس أرقى، وعلاقاتنا مع زميلاتنا قائمة على الاحترام والتقدير، نحن ننتمي الى مجتمع واحد، أعتقد أن جمعية الاصلاح طعنوا في شرف الطلبة، فهل يصح القول إن أبناء المجتمع الكويتي لقطاء، يطعنون في تربية الاهالي» ورأى المنصور أن المرجع يجب أن يكون الى الدستور، الذي أعطى حرية الاختيار للعائلة أو الطالب لاختيار نوعية التعليم الذي يناسبه، من دون التدخل في خصوصيات الآخرين، من أي فئة كانت، الأمر يتعلق بالحريات الشخصية». تعليقاتاستخدم الدين تقية سياسية لتمرير أغراض السياسيينابتهال الخطيبالتيار الديني خرج عن طوره عندما تحركت الأغلبية الصامتة فلاح المديرسحرياتنا نابعة من عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا الأصيلةرولا دشتي