التاكسي البرتقالي صامد في وجه الجوال والحافلات... وتعسف الشرطة! منافسة شديدة بين الغترة والعقال ... والنفرات!
مع تزايد أعداد التاكسي «الجوال» في شوارع الكويت بشكل لافت إلى حد الإزعاج... وعلى مدار الساعة، وانتشار حافلات النقل العام التابعة لأكثر من شركة، التي تجوب الطرقات الداخلية والخارجية، يتساءل الكثيرون: أين «التاكسي البرتقالي»، ولعل أبرز ما يلاحظ في هذا التحول المفاجئ في استخدام وسائل حديثة لم تكن موجودة في السابق، هو اختفاء الهوية الكويتية والمتمثلة في ارتداء سائقي «التاكسي البرتقالي» الغترة والعقال.
كان الاعتقاد السائد هو أن التاكسي البرتقالي أو التاكسي القديم اختفى إلى الأبد بشكل أو بآخر، وفقا للمشاهدات اليومية للطرق، لكن بعد البحث عن أماكن تجمعات أصحاب التاكسي، تبين أنهم يتنقلون من مكان إلى آخر بعد أن تم الاستيلاء على مواقعهم السابقة المعروفة للجميع، إلى أن استقر بهم الحال تحت إحدى البنايات المهجورة على امتداد شارع فهد السالم، بالقرب من مكان تجمع باصات شركة النقل العام، أما الطريف والغريب في الأمر أنهم صاروا يدفعون رسوما يومية نظير توقفهم في المواقف الحالية لانتظار الركاب. «وضعنا مأساوي وننتظر الفرج بتحديد موقف رسمي وخاص بنا بدلا من التشرد الذي نعيشه حاليا» يقول فيصل العنزي بأسى وهو أحد أصحاب «التاكسي البرتقالي» ويضيف «مشاكلنا لها أول وليس لها آخر، وعلى سبيل المثال لا يوجد موقف خاص بنا منذ سنوات طويلة، الأمر الذي جعلنا نتنقل من مكان إلى آخر كان آخرها هذا المكان التعيس»، وزاد العنزي «صرنا ندخل هذه المواقف مقابل رسوم يومية تتجاوز في بعض الأحيان الدينار يومياً، فماذا نستفيد إذا كنا ندفع هذا المبلغ يوميا؟ لهذا ننتظر تعويض رسوم المواقف من الركاب، وهي مفارقة عجيبة ومضحكة في نفس الوقت، إضافة إلى أن المكان الذي نستظل به من حرارة الشمس عبارة عن عمارة مهجورة تفتقر إلى أبسط مقومات الراحة، فالمقاعد محطمة ولايوجد براد ماء في هذا الجو الحار، علما بأن الموقف المخصص لنا في السابق كان مناسبا ولايحتاج إلى شيء، لكن أعطوه لشركة النقل العام وأصبحنا بلا مأوى».
مخالفات وغضب رغم سنه المتقدم، يجلس «بوصالح» منذ الساعة الخامسة فجراً تحت عمارة مهملة، يلفحه الهواء الحار والغبار، على أمل وصول الركاب ونقلهم إلى وجهتهم التي يرغبون في التوجه إليها، ولم يستطع أن يخفي غضبه من الوضع الذي يعيشه أصحاب «التاكسي البرتقالي» حينما قال «رغم أننا كويتيون ونحمل رخصة قيادة عامة وتصريحا ونلتزم بالأنظمة المرورية، نحاسب على أي شيء من قبل رجال المرور»، مستغربا في الوقت نفسه من «تجاهل المسؤولين لسائقي الجوال الذين لايحملون تصريحاً يخولهم بتحميل الركاب ويحملون رخص قيادة خاصة» يتدخل العنزي ليضيف «سائقي الجوال يقومون بتحميل الركاب إلى كل المناطق دون تشغيل العداد، بل انهم يحددون السعر مع الركاب وهذا مخالف للقانون، فأين المسؤولون». يتابع بوصالح «أنا أعمل في التاكسي منذ العام 62، في السابق كان المدخول أكثر من الآن رغم أن تسعيرة تحميل الركاب لاتتجاوز ربع الدينار في تلك الفترة، لكن للأسف تغيرت هذه الظروف وأصبحت معاناتنا كبيرة في ظل الإهمال الذي نواجهه في وقتنا الحالي، وقال ان «معدل الدخل المادي الآن لايتجاوز الخمسة دنانير في اليوم، تخصص ثلاثة دنانير منها للبنزين، خصوصا أننا نأخذ الركاب إلى الفحيحيل وهو مايسمح لنا فقط، إلا في حال كان هناك زبون يود ان يأخذ التاكسي «خصوصي» وهذا معناه أخذ الراكب دون انتظار آخرين، في هذه الحالة نزيد التسعيرة على الراكب المحددة بدينارين ونصف». حوادث الجوال يقع موقف سواق البرتقالي بشكل مباشر على الطريق العام، والمفارقة العجيبة أن المشهد الذي يتكرر أمامهم بمعدل كل دقيقة تقريبا هو توقف «الجوال» لتحميل «النفرات» كما ينادون الركاب... ويصف حمد العنزي هذا المنظر اليومي بكل حسرة «ان الجوال يستحوذ على رزقنا، رغم اننا متقاعدون ولدينا مسؤوليات كثيرة وعائلات نصرف عليها، مع ذلك نجد التاكسي الجوال يملأ الشوارع الداخلية والخارجية، يتحرك بحرية بلا رقيب أو حسيب». ويضيف «الأدهى والأمر من ذلك هو أن سائقي الجوال لايلتزمون بقواعد وأنظمة المرور ومشكلاتهم لاحصر لها»، مؤكدا «أن الأغلبية العظمى منهم لايعرفون أصول القيادة»، وذهب العنزي إلى أكثر من ذلك حينما قال «انهم السبب الرئيسي في معظم الحوادث المرورية التي تودي بحياة الكثيرين». 47 عاماً في التاكسي وفي الوقت الذي كنا نعتقد أن «بوصالح» هو أقدم سائق تاكسي في المكان، يقف «عواد الدويسان» بالقرب من براد ماء، يبدو أنه موجود منذ إنشاء العمارة، يحاول التفاوض مع عدد من الركاب الذين كانوا يطالبونه بسرعة التحرك، وهو يتحدث إليهم باللهجة الكويتية الممزوجة بشيء من اللهجات الآسيوية، ويؤكد الدويسان أنه يعمل في هذه المهنة منذ عام 1960 ويقول بكل تذمر «على مدى سنوات طويلة لي في التاكسي، لم أجد أسوأ من الفترة التي نمر بها حاليا، المشاكل لا حصر لها، وفي المقابل لانجد أي التفاتة من المسؤولين الذين تجاهلونا دون سبب معروف، رغم اننا كويتيون وأبناء هذا البلد» وأشار إلى أن المدخول الان لايغطي الاحتياجات اليومية لنا ولأسرنا، لعدة أسباب أهمها كثرة وسائل تحميل الركاب، مستغرباً من تزايد شركات النقل الجماعي التي أصبحت ثلاث شركات في حين كانت في السابق شركة واحدة فقط. مخامط التاكسي الجوال وحافلات النقل العام التي تتكاثر يوميا، ليست المنافس الوحيد للتاكسي البرتقالي، بل حتى السيارات الخاصة تعمل على تحميل الركاب، وهؤلاء يعملون «عيني عينك»... وعلى مرأى من الشرطة الذين لا يبالون، لدرجة وصول الأمر الى «المخامط»... للحصول على الركاب! رغم كل شيء يقول الدويسان «نحمد الله على مانحصل عليه الآن، لكن المنافسة التي نلقاها من عدة أطراف مثل التاكسي الجوال، وباصات النقل العام غير متكافئة»، موضحا «أن الجوال والباصات ينقلون الركاب بأسعار رمزية جدا ولهذا فإن الأغلبية تفضل التنقل بهما، والأطرف من ذلك هو أن السيارة الخصوصي تقوم بتحميل الركاب أيضا، فمن يركب معنا ؟، ويمكن للجميع ملاحظة الشوارع الآن، التي أصبحت خالية من الركاب ولاتجد سوى الباصات والجوال فقط». ويتناول حمد العنزي أطراف الحديث مرة أخرى ليؤكد «أن المصاريف التي تدفع لصيانة التاكسي كبيرة مقارنة بما نحصل عليه شهرياً، مشيراً إلى أن عملية تبديل الزيت مع الفلتر تصل إلى أكثر من ستة دنانير، إضافة إلى البنزين ورسوم المواقف التي نستغلها رغم أنها غير مخصصة لنا، خصوصا أننا نسعى دائما للمحافظة على السيارة من أي أعطال كونها تمثل مصدر الرزق الوحيد لكثير منا». عائد لا يستحق قال فيصل العنزي ان أهم أسباب اختفاء التاكسي البرتقالي من الشوارع «هو ابتعاد أصحابها عن ممارسة نشاطهم، لعدم حصولهم على العائد المادي المطلوب، وحاليا لايوجد سوى التاكسي المخول بتحميل الركاب إلى الفحيحيل فقط، خاصة بعد انقطاع أصحاب التاكسي الذين كانوا يوصلون الركاب إلى محافظة الجهراء، وكانت نقطة تجمعهم هي المواقف المقابلة لحديقة البلدية». الجوال ذبحنا رغم وجود عداد في التاكسي الجوال، يفترض أنه يحتسب قيمة الأجرة، فإنه لا يعمل، وهو يشبه كثيرا من القوانين في الكويت، التي وضعها المشرعون لكنها تظل بعيدة عن التطبيق، ويشتكي جميع سائقي التاكسي البرتقالي، بالقول ان «الجوال ذبحنا» وهم ناقمون عليه كثيرا، لأنه دمر ليس رزقهم فحسب، بل مجتمع أصحاب التاكسي من المتقاعدين! 50 من 400 بلغ عدد سيارات التاكسي البرتقالي المقيدة في المرور أكثر من 400، بينما التي تسير منها في الشوارع الآن لا تتعدى 50 سيارة فقط، وهذا العدد الصغير لايقارن بالتاكسي الجوال الذي يصل إلى نحو خمسين ألف سيارة!