ما قلّ ودلّ: عطلة السبت وحديث ذو شجون
صحيح أننا مطالبون بالامتناع عن كل أمر منهيّ عنه شرعاً، إلا أن ذلك ينبغي إحسان فهمه، لإحسان تطبيقه، ويشترط لاعتبار الأمر منكراً أن يكون حراماً، يستحق عقاب من يقترفه، بالنص الشرعي المحكم من كتاب الله وسنة رسوله، وأن يكون مجمعاً على أنه منكر، أما ما اختلف فيه العلماء المجتهدون قديماً وحديثاً، فلا يدخل في ما هو منكر، لأنه اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ.وليس في كتاب الله وسنة رسوله، نص ينهى عن اختيار يوم السبت بدلاً من يوم الخميس، كعطة أسبوعية، تضاف الى يوم الجمعة، الذي نزلت فيه وحده الآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون».لذلك فإن فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن في ترك المسلمين أعمالهم في أعياد النصارى، واتخاذها أيام راحة تشبها بهم، وفتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمة الله عليه، بعدم جواز تعطيل مدرسة يوم السبت، لما في ذلك من مشابهة اليهود والنصارى، هو اجتهاد من أصحابه، لهم فيه أجران إذا أصابوا، ولهم أجر واحد إذا أخطؤوا.وأغلب الظن أن هذا الرأي غلوّ في الدين، نهانا عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، وابن تيمية هو القائل «بأن الشارع لا يحظر على إنسان إلا ما فيه فساد راجح أو محض، فإذا لم يكن فيه فساد، أو كان فساده مغموراً بالمصلحة لم يحظره أبداً»، وهو القائل بأن كل ما احتاج إليه الناس في معايشهم، ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب أو فعل محرم ،لم يحظر عليهم.ولا أحسب ابن تيمية معصوماً من الخطأ، أو أنه كان مصيباً عندما أجاب على سؤال، عن رجل يجهر بالنية في الصلاة، بما يشوش على صفوف الجماعة، فأجاب بقتله، إن لم يمتثل بعد تعريفه بالشريعة، ودعوته إلى الاستتابة (مجموعة فتاوي ابن تيمية - المجلد الأول - ص 2 - ط دار الفكر العربي 1983)، وقد قال المولى عز وجل «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا».ولا أحسب أن التشبه بالغرب في ما ينفع، لا في ما يضر، أمر منهي عنه شرعاً، إن ما ينهانا عنه الشرع هو التشبه بالحياة المنحلّة، ومظاهرها الماجنة الرخيصة.ولم يجد القرآن في ما تتنزل من آياته غضاضة، في أن يكون يوم الجمعة، هو يوم اجتماع المسلمين، وقد كان هذا اليوم ذاته، يوم اجتماع العرب قبل الإسلام في مجتمع، وصفه الإسلام بالجاهلية.كما لا يجد القرآن حرجاً من أن يفرض الحج إلى مكة، وأن يجعله ركناً من أركان الإسلام الخمسة، وفرضاً من فروضه، وكان الحج إلى مكة إحدى شعائر الجاهلية. وأباح الاسلام تعدد الزوجات الذي عرفته شريعة حمورابي، وأباحته الديانة اليهودية، وبقي إلى القرن السابع عشر، بعلم الكنيسة واعترافها.وكانت عقوبة قطع يد السارق تطبق أيام الجاهلية، قبل أن تنزل به الآية الكريمة.أي أن الإسلام لم يقطع صلته بالماضي، وأخذ من قواعده وعوائده، ما أصبح أحكاماً مقررة شرعاً.بل ذهب الإسلام أبعد من هذا، فدعانا إلى التعارف بالشعوب الأخرى في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام «الحكمة ضالّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقّ بها». و«اطلبوا العلم ولو في الصين».وفي هذا السياق يقول فضيلة الشيخ سيد سابق رحمة الله عليه إن الإسلام دعانا إلى التعارف والتعاون مع الشعوب الأخرى، والعشرة الجميلة والمعاملة بالحسنى وتبادل المصالح (المجلد الثالث من فقه السنة ص 73)، فإذا كان اتخاذ يوم السبت بديلاً من يوم الخميس هو ما يحقق هذا التبادل في المصالح، فإنه لا ريب أمر يحمد ويندب إليه.ولا أحسب أحداً من علماء المسلمين المجتهدين المعاصرين ، إلا متشبها باليهود والنصارى، وهو ينتقل في دعوته إلى الاسلام، وهداية الأقوام والشعوب، بطائرات وسيارات غربية الصنع، غربية المنشأ، ويجري اتصالات بوسائل التقنية الحديثة التي صنعتها أيديهم.وان الاستشهاد بما كان يجري أيام العباسيين من اتخاذ يوم الخميس راحة ليوم الجمعة، لا ينهض وحده ترجيحاً لاختيار هذا اليوم، وقد باعد الزمن بين عصرهم، وما نعيش فيه من عالم، أصبح قرية صغيرة، نتبادل فيه المعلومات، ونعقد فيه الاتفاقات بسرعة الريح والبرق، ولا تكبدنا حملات التجارة شهوراً في السفر المضني، بما لا يمكن معه أن نحبس أنفسنا في الماضي، أو أن نسجن تفكيرنا في ما هو بعيد عن واقعنا الذي نعيشه، وعن إيقاع الحياة التي نحياها ومقتضيات عصرنا.