الجبل الخامس
تأليف: باولو كويلوالناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر
رواية «الجبل الخامس» للروائي البرازيلي باولو كويلو تثير لدينا حافزاً يتعدى محاولة عرض مضمونها الى التعبير عنها في قراءة معمقة تتناول مستويات المضمون والأسلوب من خلال الاستعانة بأدوات التفسير والتحليل، لعلّ ذلك يمكّننا من فهم هذه المستويات التي وضعها الكاتب بشكل خال من التعقيدات النظرية والأسلوبية على السواء.وتزيح هذه الرواية الستار بوضوح عمايسمى بالنبوءة السياسية- التاريخية التي تتعدى التحليل المادي للأمور كما يحصل عادة في ميدان علم الاجتماع السياسي، أو في علم السياسة، وهي تبرز في المستوى الأول تجلي هذه النبوءة السياسية لدى «ايليا» البني حين يقول: «يراودني شعور مخيف: هذا الصراع بين إله اسرائيل وآلهة الفينيقيين سيستمر لأجيال، لا بل لآلاف السنين».الصراع الأزليبهذه العبارة يشير الكاتب على لسان «ايليا» للصراع الأزلي، الذي بدأ منذ ثلاثة آلاف عام، بين شعب اسرائيل وشعب فينيقيا (لبنان)، وأساسه صراع اقتصادي- تجاري وثقافي له عمق ديني وجذور كهنوتية، فيبدو وكأنه صراع ديني بين إله اسرائيل وآلهة الفينيقيين. ويقول المؤلف في مقدمة كتابه: «في بداية سنة 870 ق.م كانت هناك أمة تعرف باسم فينيقيا يدعوها الإسرائيليون لبنان، تحتفي بثلاثة قرون من السلم، شعب برع في التجارة فسيطر على معظم البحار في عالم تدمره الحروب، فتكاثر حسّاده، وتحالفوا مع ملك اسرائيل سليمان في عام 1000 ق.م فزادهم ذلك نفوذا. اخترع هؤلاء الأحرف الأبجدية التي ادخل اليونانيون عليها علم الصوتيات، وهي لغة كتابة اكثر عملية من لغة المصريين القدامى وسهلة الانتشار والتعليم».وترد في الرواية على لسان ايليا بأنّ هذه الكتابة كانت كتابة بيبلوس (جبيل) وهي مدينة في لبنان، أراد ان يعلمها لسكان مدينة «اكبر» والتي تسمى «صرفت»، على نقيض كبير كهنتها الذي اعتبرها تهديداً للآلهة.وفي الرواية ايضاً انه في بداية العام 870 ق.م، اجتمع مجلس الحرب للتشاور في مدينة «نينوى» البعيدة، وقرّر فريق من القادة الأشوريين أن يرسلوا فرقهم لغزو المناطق المحيطة بضفاف المتوسط وفي طليعتها فينيقيا.وفي بداية العام نفسه كان ايليا يختبئ مع رفيق له اسمه «اللاوتي» داخل اسطبل «جلعاد» بانتظار الموت، ذلك انّ ايليا اعتبر ان شعبه وملك اسرائيل قد ابتعدوا عن الرب بسبب امرأة جميلة، اشارة منه الى زواج الملك «آحآب» من «ايزابيل» الفتاة الفينيقية الجميلة من مدينة صور التي شنت حرب إبادة على أبناء اسرائيل وحيث بنى لها زوجها معبدا لآلهتها الفينيقية. وتصل بنا نبوءة ايليا السياسية - التاريخية إلى المستوى الثاني او البعد الثاني من الكتابة التاريخية لدى باولو كويلو، وهذا البعد هو أن لبنان مازال ساحة قتال منذ غزا الاشوريون المدن الفينيقية (منذ ما يقارب 3000 عام)، ودمروا مدينة «صرفت» أو «اكبر» التي لجأ اليها «ايليا» بعد ان هرب من «جلعاد» في إسرائيل وقاسى ما قاساه من محن وأهوال. ومنذ ذلك الحين «لم تستعد المدن الفينيقية ابداً اهميتها السابقة وتعرضت لغزوات متتالية على ايدي البابليين الجدد والفرس والمقدونيين والسلوقيين وأخيرا الرومان. ووفقاً للتقليد القديم لا يختار الرب، مصادفة الأمكنة التي يريدها مأهولة. ولاتزال صور وصيدون وبيبلوس موجودة في لبنان الذي لايزال حتى اليوم ساحة قتال».إن هذه الكتابة التاريخية السياسية بأسلوب روائي، هي من معدن كتابات أخرى تتشابه معها، فتقربنا من «أمين معلوف» في رواياته التاريخية ومن «ماركيز» في واقعيته السحرية ومن «اسماعيل كاداريه» في وصف التحول الاجتماعي التاريخي لواقع ما.وبعيدا عن هذين المستويين تكتنز الرواية بالحكمة في البعد الثالث او المستوى الثالث وهو مستوى روحاني وشعري وفلسفي في آن، تنضح بها حوارات أبطال الرواية وبخاصة «ايليا» الذي يقول بأن مصير الإنسان لا شأن له غالبا بما يعتقد او يخاف منه، وعندما يمشي الإنسان باتجاه قدره يضطر غالبا إلى تغيير وجهته وأحيانا تكون الظروف أقوى منه. لكن أحدا لا يستطيع ان يشيح بنظره عن هدفه، في اشارة منه إلى الانتقال من «جلعاد» إلى «اكبر» بأمر من الرب ثم بأمر من الرب ايضا، قرار العودة إلى اسرائيل.حكم فلسفيةوها هو ايليا بطل الرواية يطلق الحكم الفلسفية في خلال مسيرته فالحرية في نظره هي أن تشعر بما يرغب فيه القلب، بمعزل عن رأي الآخرين، وفي وصفه لغرور الحاكم يقول: «إن أعظم الحكام تحتجب حكمته خلف بريق غروره»، «وكما الجداول والنباتات، كذلك النفوس فهي بحاجة أيضا إلى المطر». وعندما يلتقي بالراعي يبادر هذا الأخير بالحكمة التالية» «اذا كان لديك ماض ولم تكن راضيا عنه، انسه الآن. تخيل قصة جديدة لحياتك وآمن بها. واحصر اهتمامك فقط باللحظات التي وفقت في الحصول على ما تشتهيه، وهذه القوة تساعدك على نيل كل ما تريد».وها هو بعد مروره بمحنة الإشراف على الموت عند تدمير «اكبر» من قبل الاشوريين وموت المرأة التي أحبها هناك فأوصته بطفلها يقول: «عندما نفقد الأمل يجب الا نبدّد طاقاتنا في محاربة المستحيل».. فيجيبه الراعي: بأنّ «المسألة لا تتعلق بالأمل في المستقبل، بل بإعادة خلق الماضي نفسه»، هنا يقرر ايليا العودة الى مدينة «اكبر» الموقرة، بعد أن هرب منها، فيعيد بناءها مع من تبقى من أهلها «الآن توقفنا عن التفكير في الحياة وقررنا ان نعيشها، فالأحزان لا تدوم إلى الأبد عندما نسير باتجاه مارغبنا فيه على الدوام. اذ يجب علينا أن نعرف متى تنتهي مراحل حياتنا، فإذا فوتت فرصة الانتقال إلى مرحلة لاحقة فإنك تفقد البهجة ومعنى الراحة وتتعرض لأن يدعوك الله الى التقيد بنظام الحياة».وها هو يدخل لعبة الاسماء فيدرك «حكمة من وراء تغيير اسمه بعد تدمير المدينة كي يستطيع اعادة بنائها، وجعل الآخرين ايضا يختارون لأنفسهم أسماء جديدة، فهو اختار التحرر، والصبي اختار الألفباء والعجوز يختار المحيط، والمرأة التي احبها وماتت في الحرب اختارت اسم «اكبر» اسم المدينة التي أراد أن يبعثها من رمادها من جديد.وها هو يسجل تاريخ المدينة بعد أن علّم الكتابة للآخرين، وعرف أنه كان يجب تدمير المدينة (مدينة اكبر) حتى يستطيع الجميع ايقاظ القوة الهاجعة فيهم. وكان ينبغي ان تدمر المدينة وأن يخسر ايليا المرأة التي يحبها.البطل في روايات «باولو كويلو» منذ الكيميائي أو ما قبله وما بعده، هو هذا الساحر أو النبي أو هذا الإنسان الشفاف والذكي والحكيم المليء بزرقة السماء، الذي يناسب الرسالة الروائية التي تحمل هذه الحكم الفلسفية والأفكار التي تنم دائما عن قدرة على الترفع عن سفليات الأمور، فتتسلق سلم السماء لتشكل رافعة حقيقية لنبي البشر الذين تعوزهم دائما الشجاعة والحكمة عند الشدائد، والذين هم بحاحة إلى المواساة وأخذ العبر من التجارب، فلا بد دائما من قائد أو من نبي او من شهيد ليأخذ بيد الشعب المنبهر دائماً بما وراء الواقع الذي يعجز عن تفسيره.