الأبنودي يتذكّر ويروي حكايات البدايات 9: شاكوش الشيخ مبارك يصنع الرعب في يوم الخميس الدامي

نشر في 23-09-2007 | 00:00
آخر تحديث 23-09-2007 | 00:00

هذه الحلقات ليست ثمرة حوار ممتد عبر عدة جلسات مع صديقي الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، بل ثمرة حوارات طويلة، معظمها عفوي، كان خلالها «يبوح» وكنت «أحفظ». حوارات عفوية تطرق فيها إلى تفاصيل كثيرة ورسم معظم الملامح الأساسية في لوحة حياته فلما جاء وقت الحوارات المقصودة لم يكن علينا أن نبدأ البناء من أوله بل أن نستكمل بعض التفاصيل أو نضع لمسة هنا ولمسة هناك. ولا تحسبوها مهمة سهلة، إذ استدعى الأمر جلسات عديدة وساعات طويلة اقتنصتها من جدول الأبنودي المزدحم بين سفر وسفر، من شاطئ الخليج العربي إلى تونس ومن احتفالية فنية في قرطاج إلى مولد «سيدي عبد الرحيم» الشعبي في قنا، حتى أمكن في النهاية أن أجمع هذه الباقة من «حكايات البدايات» الأبنودية.

في البداية لم يبد الأبنودي متحمساً لموضوع الحوارات. قال: لم لا نحدد موضوعا أهم من «البدايات» للحوار حوله؟ قلت: وهل هناك أهم من البدايات؟ إن حياتك عبارة عن سلسلة متواصلة من البدايات، كأنك تولد كل يوم مرة أخرى، أول يوم في الحياة، أول يوم علم، أول يوم عمل، أول حب، أول وظيفة، أول قصيدة، أول أغنية، أول نجاح، أول إخفاق، أول ديوان، أول جائزة، أول سفر، أول لقاء مع عبد الحليم حافظ وغيره من «مجرة» النجوم التي عشت واحدا منها.

وافق الأبنودي على إجراء حوارات «استكمال أجزاء الصورة». وافق ربما لأننا صديقان، وربما من باب أن «الحياة تجارب»، أو لأي سبب آخر. المهم أنه وافق، مع احتفاظه بموقفه غير المتحمس. لكن «الحماسة» لم تتأخر كثيرا فمع أول سؤال وأول إجابة كان يتدفق كالشلال، كالنيل الذي كان يفيض هناك في أبنود قبل أن يكون هناك سد عالٍ. وليس عجيبا أن الأبنودي يذكر أيام الفيضان هذه بكل الود ويضعها في الموضع الذي يليق بها من تاريخ مصر. وفي الوقت نفسه يعتبر السد العالي «مشروعه» الذي يفاخر به فهو القارئ لتاريخ مصر ـ المكتوب وغير المكتوب ـ بعين محبة وقلب رؤوم والقادر على اكتشاف ما كان في كل حقبة من «فضيلة».

مع السؤال الأول والإجابة الأولى كان الأبنودي يتدفق حماسة واكتشف واكتشفت معه كم كانت مبهجة تلك البدايات التي راح يقص حكاياتها.

من أين بدأ طفل أبنود البري، العصي على الاستجابة للقوالب، رحلته مع التعليم. تلك الرحلة التي تحتاج إلى درجة عالية من الانضباط والتخلي عن عفوية الركض فوق الدروب الترابية الملتهبة والانطلاق في براح الحقول والمراعي؟

في رحلة البدايات يرتبط التعليم في حياة الأبنودي بوالده الشيخ الأبنودي، كما يرتبط بمدينة قنا التي حقق الأب فيها قدراً من الاستقرار واكترى بيتا يصلح لإقامة أسرته، ثم أرسل يستدعي زوجته فاطمة قنديل وابنه الصغير عبد الرحمن ليغادرا المنزل الريفي وحياة القرية في أبنود إلى عالم المدينة في قنا. لعل هذا الفصل الحاد - الذي فرضته واقعة الانتقال إلى قنا وأكدته الحوادث التالية - بين عالم الأم / القرية / الحياة الفطرية من جانب وعالم الأب / المدينة /فرض النظام من جانب آخر، هو ما جعل أبنود وفاطمة قنديل يحتلان تلك المكانة الكبرى في وجدان الأبنودي، فهما، معا، جناحا جنة الطفولة وعذوبة الأغاني وسحر القصص ومتعة اللعب ودهشة الكشف الأول.

يقول الأبنودي: كانت البداية في مدرسة صغيرة بجوار محطة قطارات قنا، كنت قادما للتو من أبنود، من حياة المرعى وجني القطن والسير خلف الحصادين، من أحضان النيل الذي كنت ألقي بجسدي في مياهه، كما كنت أعب منها لا لأروي ظمأي فحسب، بل لأشبع أيضا. كان الفيضان - قبل بناء السد العالي - يأتي محملاً بالطمي الذي نشرب الماء ممزوجا به فنشبع. كان «ماء النيل» وجبة كاملة، كما كان النهر يمنحنا «السمك» أيضا، سواء اصطدناه منه بالسنانير أو انتظرنا أيام الجفاف حين يبقى السمك محاصرا في الماء القليل والوحل لـ«نجرفه» تجريفا. كان النيل عالما متكاملا، كذلك كان النخل الذي كنا نتسلقه ونستظل به ونعتمد على بلحه، كان، أحيانا، كل المتاح لنا من طعام.

كنت قادماً للتو من اللعب في ليالي أبنود المرعبة التي تسري في دروبها الهوام من عقارب وحيات وتتربص بنا في أجوائها العفاريت والشياطين حسبما تصور لنا عقولنا الساذجة.

جئت من هذا العالم للإقامة مع أبي وما إن وصلت إلى المدينة وقبل أن أتحقق جيدا من ملامح الشيخ الأبنودي، كان هو يزج بي في تلك المدرسة الصغيرة بجوار المحطة، لأجد نفسي تلميذاً في الصف الأول.

مدرسة المحطة

بالكاد يتذكر الأبنودي بعض تفاصيل مدرسته الأولى، أو ما بقي من تفاصيلها في الذاكرة كانت مدرسة من خشب، أعمدة خشبية وسقف خشبي، يشبه المظلات التي تقام على أرصفة محطات القطار، مدرسة كل ما فيها موقّت كأنها بنيت على عجل لاستيعاب لاجئين ينتظرون العودة إلى أرضهم وكأنهم حين يعودون سيتم تفكيك أعمدة المدرسة وسقفها وجدرانها ولن يبقى لها أثر.

مدرسة كأنها محطة سفر، أو محطة سفر تؤدي دور المدرسة، فالمقاعد والحوائط تهتز مع مرور كل قطار ونهتز معها. والجرس الذي يعلن نهاية الحصص يختلط صوته مع صوت الجرس الذي يعلن مرور القطار فلا نعرف هل نجمع كراساتنا وأقلامنا لأن الحصة انتهت، أم نستعد للاهتزاز لأن القطار على وشك المرور!

يتذكر الأبنودي: «كانت مقاعد المدرسة تشبه مقاعد عربات الدرجة الثالثة في القطار، على أحدها جلست، للمرة الأولى، وأنا أرتدي البنطلون القصير «الشورت»، ونظرت للمرة الأولى إلى ساقيَّ (المعصعصتين) النحيلتين وهما عاريتان وكانتا آية من آيات قدرة الله وشاهداً على ما تصنعه إرادة الحياة من معجزات!

كنت قادما من أبنود لا تفصلني عن حياة «التشوف» وزمن «الفرجة» إلا ساعات ولم أكن صعدت إلى رصيف محطتها القروية إلا لأركب القطار الذي حملني إلى قنا، أما قبل هذا فكانت كل علاقتي، وعلاقة أقراني، بهذه المحطة تنحصر في هرولتنا إليها كلما كان أحد القطارات مارا فيها، حيث يتم إغلاق «بوابة المزلقان» في هذا الوقت، والبوابة هي تلك «العارضة» التي توضع بشكل أفقي لتمنع المشاة من العبور فوق القضبان أثناء مرور القطار، ووجودها في هذه الحال كان يسمح لنا بامتطائها، كالحمار، واستعمالها كالأرجوحة بجعلها تهبط و تصعد، وهي الأرجوحة الوحيدة التي عرفناها في أبنود.

كان عالم «محطة القطار» الملاصقة لمدرستنا جديدا عليَّ إذاً، لذا حرصت على أن يكون مقعدي إلى جوار الشباك حتى يتاح لي أن أطل منه وأستمتع بالفرجة على ما يجري. ولتحقيق هذا الهدف اشتريت المقعد، بلى اشتريته مقابل نصف قرش كان مصروفي اليومي، دفعته عن طيب خاطر للولد الذي كان يجلس إلى جوار الشباك لنتبادل الأماكن. ومقابل نصف القرش هذا استمتعت بما أتاحه لي الشباك من معايشة تامة للمحطة وما يجري فيها، طوال عام دراسي كامل، هو الوقت الذي أمضيته في «مدرسة المحطة». معرفة تمثل كل ما خرجت به من هذه المدرسة، أما التعليم فلا أظن أنني حصلت منه شيئا؛ ذلك أن متابعة الدروس كانت تحتاج إلى معجزة تعينك على استخلاص صوت المدرس من بين صفارات القطارات وأجراس المحطة العامرة المزدحمة وضجيجها وزحام روادها في طلوعهم ونزولهم وتدافعهم لإدخال ما يحملونه إلى القطارات، أو لـ«قذف» أطفالهم من نوافذ القطار ليتمكنوا من ركوبه حين تكون الأبواب مزدحمة بالركاب، وهي دائمة مزدحمة، وأيضا وهم يفتحون الطريق بالنبوت والشومة لنسائهم حتى لا يلمس غريب طرف ثوب المرأة أو يتمكن من رؤية وجهها. كانت مراقبة هذا الكرنفال اليومي أهم ما أحرص عليه ولعلني كنت الوحيد الذي يحرص على هذا بين بقية التلاميذ، إذ كنت أتعرف الى عالم المدينة التي وجدت نفسي فجأة فيها».

بطربوش... للمرة الأولى

يمضي الأبنودي متذكراً: «كأنما كانت كل مهمة مدرسة المحطة ببنائها الخشبي أن تنزع عني ردائي الريفي لتلبسني زي أبناء المدن، أن تنزع عني «قميص الخام» لتضعني في الشورت والقميص الأوروبي، ولتضع على رأسي «الطربوش»، وآه من الطربوش!

كان طربوشاً مرتجلاً رخيصاً بقماشه الأحمر وزره الأسود الضعيف الذي ينقطع يوميا وخوصته الداخلية المكسوة ببطانة من الشاش شديدة الرقة، بطانة أكلها العرق ومزقها وعرى خوصها قبل أن يمر شهر واحد على استعمال الطربوش. وما زلت أذكر اليوم الذي اصطحبني فيه أخي الأكبر الشيخ جلال لشراء ذلك الطربوش، عامدا إلى اختياره من أردأ الأنواع، ربما لأنه - كأزهري - كان يستعمل طربوشا من نوع آخر غير هذا الطربوش «المدني» الذي لم يكن مقنعاً له، لهذا اختاره متهافتاً ولو أنصف البائع لأعطاه لنا مجانا! وكان على أمي فاطمة قنديل أن تكتسب خبرات جديدة من الطربوش الذي جعل الإبرة والخيط لا يفارقان يدها، لرفيه وإصلاحه وإعادة تثبيت زره الذي كان ينقطع يومياً. ولا عجب أننا لم نكن نتعامل باحترام مع طرابيشنا، إذ كنا نشعر ونحن نعتمرها بالغرابة كأننا نسير عراة في الشارع، وكنا - أحيانا - ندحرجها أمامنا وربما استخدمناها في اللعب ككرة القدم، وبمجرد مغادرة المدرسة كنت أقوم بـ«تقفيص» الطربوش - أي تطبيقه - ووضعه في جيبي.

هذا كل ما أذكره عن عامي الدراسي الأول في «مدرسة المحطة»، عدا ذلك لا أذكر وجه أيّ مدرس او اسمه ولا موضوع درس واحد. لا أذكر زميلا واحدا من زملاء الدراسة. يبدو لي الموضوع كله كأنه حلم! خاصة أن المدرسة لم تعد موجودة الآن ومنذ سنوات ذهبت إلى محطة «قنا» محاولا تحديد مكانها أو مكان النافذة التي منحتني إطلالتي اليومية على عالم المدينة وكرنفال المحطة، حاولت لكنني لم أستطع تحديد المكان!

إلى الكُتَّاب

في الريف المصري عامة، بصعيده ودلتاه، يذهب الطفل إلى «الكُتَّاب»، أو المكتب كما يسمى في بعض القرى، أولا قبل أن يلتحق بالمدرسة وهو في السادسة من عمره، ومهمة الكُتَّاب الأولى حفظ القرآن - كاملا أو أجزاء منه - ثم تلقين مبادئ القراءة والكتابة والحساب فإذا التحق الطفل بالمدرسة بعد ذلك كان مهيأ بشيء من العلم ومدربا على أوليات التلقي والحفظ. هذا هو الترتيب الشائع: الكُتَّاب ثم المدرسة، لكن الأبنودي عكس هذا الترتيب إذ ذهب إلى الكُتَّاب، للمرة الأولى، في الإجازة الصيفية التي تلت عامه الدراسي الأول!

يقول الأبنودي: «حين قرر أبي أن يأخذنا للعيش معه في مدينة «قنا» كان الوقت المتاح للالتحاق بالكُتَّاب قد فات وأصبحت في سن التعليم المدرسي. هكذا ذهبت إلى المدرسة أولا لأتعرف الى التعليم للمرة الأولى عبر كتبها ودفاترها وأقلامها وسبورتها، لا عبر «لوح الإردواز» الذي يستخدمه الأطفال في الكُتَّاب للكتابة عليه باستخدام قلم البوص الذي يحتاج إلى بلّ طرفه في الحبر باستمرار وهو حبر «صناعة منزلية» كنا نجهزه بأنفسنا من خامات متوافرة في البيئة التي نعيش فيها. لكن ذهابي الى المدرسة لم يجعل أبي الشيخ الأبنودي يتخلى كاملاً عن مشروع الكُتَّاب، لهذا ما إن أطل الصيف حتى ألحقني بـ«كتاب الشيخ مبارك» أو «اُمبارَك» كما كنا ننطقه».

وعلى عكس «مدرسة المحطة» التي لا يكاد الأبنودي يذكر شيئاً من تفاصيلها فإنه يتذكر بالتفصيل كل ما يتعلق بالكُتَّاب! يقول: «كان مقاما على مساحة كبيرة ومقسماً أقساماً واسعة - تلعب دور حجرات الدراسة أو الفصول - بعضها مسقوف وبعضها مكشوف. وكان الشيخ «مبارك» قاسيا، كأنه بقسوته هذه يعاقب فينا أهالينا الذين أهملونا حتى وصلنا إلى هذه السن - 7 سنوات - من دون أن نحفظ القرآن، بينما حفظه هو أصغر منا بكثير كما كان يردد على مسامعنا، فضلا عن أنه كان يعاقبنا لجهلنا وأميتنا، وبسبب ذينك القسوة والعقاب البلا نظير انقلبت بهجة الإجازة غما، وبعد أن كنت أطمح إلى التخفف من عبء العام الدراسي وجدت نفسي متورطا في ما هو أسوأ!

الخميس المرعب

يستعيد الأبنودي تلك الحقبة: «كان هناك شيخان يعملان معاونين للشيخ مبارك ويقومان على تحفيظنا وتعليمنا. كان الشيخان «رمضان» و«همام» يتمتعان بطيبة القلب ويرفقان بنا، إلا إذا حضر «الشيخ مبارك» وأرادا أن يتقربا إليه بالقسوة في معاملتنا! في أي حال كانت الأمور تسير على نحو معقول ومحتمل طوال الأسبوع، حتى نصل إلى يوم الخميس - كفانا الله شره - وفيه كان «الشيخ مبارك» يتولى بنفسه اختبارنا.

أيام الخميس كان كل طفل يذهب إلى الكُتَّاب ومعه قرش وكنا نطلق على هذا القرش اسم الخميس وعليه أن يدفعه للشيخ حين يأتي عليه الدور لمواجهة الاختبار. وكان يوم الخميس أيضا هو يوم «الخَتْم» إذ يأتي الشيخ بقطعة من الحديد منقوشة ويدهنها حبراً من نوع خاص، ثم يقوم بمساعدة معاونيه بطبع هذا الحبر على سمانة ساق كل منا، ويوم السبت كان يكشف على موضع الختم والويل ثم الويل لمن يكتشف الشيخ أن الحبر لم يعد موجوداً على ساقه، ذلك أن اختفاء الحبر يعني أن الولد سبح، يوم الجمعة، في ترعة «الجاويش» المجاورة لمحطة القطار في قنا حيث كان يحلو للأطفال أن يعتلوا القطارات الواقفة في المحطة ثم يخلعون ملابسهم على سطحها ويقفزون إلى الترعة للسباحة. سلوك أزعج الآباء الذين شكوا للشيخ مبارك فابتكر طريقة الختم التي لم تحرمنا من ترعة الجاويش فحسب بل حرمتنا حق الاستحمام على الإطلاق يوم الجمعة، حتى لا يضيع الحبر ونضيع نحن حين يعاقبنا الشيخ.

وقبل «الختم» كان هناك «التسميع» أي الاختبار الذي يجريه الشيخ لنا لـ«نسمعه» ما حفظناه، أو ما يفترض أننا حفظناه. كان «الشيخ مبارك» فارع الطول يسير وفي يده مطرقة «شاكوش» نعم شاكوش كان وسيلته للعقاب وخلفه يسير الشيخان رمضان وهمام. وحين يصل هذا الموكب إلى طفل منا على هذا الطفل أن يدفع فوراً «الخميس» للشيخ، وإلا... ثم بعد ذلك يقرأ الشيخ آية كريمة مطالباً الطفل بأن يقرأ ما بعدها، بينما تبعث ملامحه الجامدة القاسية الرعب في نفس الطفل وتجعله ينسى ما حفظه، بل ينسى اسمه، هنا يهز الشيخ الشاكوش في وجه الطفل قائلا: «كمّل يا.... ويكون الفزع وصل إلى غايته والطفل غائب - تقريباً - عن الوعي، هكذا لا يشعر بالشاكوش وهو يهوي فوق رأسه، كما لا يشعر بالشيخ «همام» وهو يصب محلول «صبغة اليود» الكاوي فوق جرحه ولا بالشيخ «رمضان» وهو يضع قطعة من القطن فوق الجرح لإيقاف النزيف، وينتقل الشيخ تاركاً ضحيته الغارقة في دمائها إلى ضحية أخرى يكون قد ركبها الهلع أيضاً من هول ما أصاب سابقتها... وهكذا يتحول الكُتَّاب يوم الخميس إلى ما يشبه قسم الجراحة في مستشفى.

كان «الشاكوش» أداة عقاب خاصة بالشيخ وحده، يوم الخميس فحسب، يعاقب بها من لا يدفع القرش ومن يفشل في التسميع ومن لا يجد الختم على ساقه، وكم من دماء نزفت في هذا اليوم الذي كانت قنا كلها تفرح فيه باعتباره يوم السوق، للبيع والشراء والفرجة والتمتع بما في السوق مما لذ وطاب، إلا نحن - رواد كُتَّاب الشيخ مبارك، كان الخميس بالنسبة إلينا هما ثقيلا. أما لبقية أيام الأسبوع فإن عقاب عدم الحفظ هو القيام بشد المروحة حتى موعد الانصراف، والمروحة قطعة كبيرة من قماش ثقيل مشدودة بين عمودين، نشدّها من الأمام فتعود بسبب ثقلها إلى الخلف وكانت الوسيلة الوحيدة لجلب بعض النسمات إلى الكُتَّاب في صيف قنا القائظ. وكان هناك عقاب أشد، «الفلقة»، وهي عصا غليظة تنتهي بحبل أشد غلظة يُربط إليها قدما من يتلقى العقاب ضربا بالعصا عليهما».

لكن «كُتَّاب الشيخ مبارَك» لم يكن عقابا كله، فيه تلقى الأبنودي أول «منحة» كبيرة في حياته، وتلك حكاية أخرى من حكايات البدايات، فإلى الحلقة المقبلة.

امبارح.. جانا «الشيخ قرشي»

.. وخبط ع الباب

جه ساعة المغرب

قال لي لابدن (لا بد) ما نبص لعيد

قال لي: «يا بت المرحوم..

الواد لازمه الكتَّاب

يوم السوق..

إتدلي هاتي له قلمين بوص

ودواية.. ولوح»

وضحك.. بعدين قال لي: «لاحسن يطلع لوح»

وانا بيني وبينك يا حراجي عاوزاه يكبر

ويعوضنا عن الأهل

ويعمل لنا قيمة

الأبنودي ـ جوابات الأوسطى حرجي القط العامل في السد العالي إلى زوجته فاطنة أحمد عبد الغفار في جبلاية الفار

قال لي:

قولي لابويا كمان جوابين

وأكون اتعلمت اقرا الورقه وافك الخط

قال لي: طول ما البسطاوي بيقرا الجوابات

سرنا مكشوف

واللي جوانا يا مه (يا أمي)

يكون معروف

رديت ع الواد عيد يا حراجي

قلت له ما تخافش

ولو اني معاه في القول

الأبنودي ـ جوابات الأوسطى حرجي القط العامل في السد العالي إلى زوجته فاطنة أحمد عبد الغفار في جبلاية الفار

ومديت إيديا أجيب اللي ما حد جابه

أجيب للسؤال الصغير.. جوابه

أجيب للسان اللي مسلول عليا.. جرابه

وأجيب للميعاد الكبير.. اقترابه

أجيبهم وانا هدومي متقطعين

وفي ضلوعي عته وطين

تمام زي أولاد حبايبي وعمامي.. وجيراني

حبايبي أنا الفلاحين

الأبنودي ـ الربابة الحزينة ـ الأرض والعيال

اعفيني م الكتَّاب يومين

عايز أصيع وأرمي الدواية والقراية لحظتين

واتمشى في الأزهر

وازور سيدنا الحسين

حاسس في فكي بضرس عقل

حاسس بقيمتي في المجال

أنا يا سيدنا صبي

ساعات باقول الحكمه ما يقولهاش نبي

وساعات غبي

الأبنودي ـ سورة العنكبوت ـ الأرض والعيال

يا ساكنين بيتي الخشب

ما تدبدبوش

الدرس ده لسه أنا

ما حفظتهوش

الدرس أصله هدني

وباخاف لا شيخي يمدني

الأبنودي ـ سورة العنكبوت ـ الأرض والعيال

back to top