عادل إمام... من الحارة إلى السفارة 12 سرت في جسدي قشعريرة عندما صرخت أمي في وجه أبي لأول وآخر مرة
من الحارة إلى السفارة مشوار كفاح طويل لم يكتبه عادل إمام بعد.. صخرة أشبه بصخرة سيزيف حملها الفتى الفقير بدأب من السفح إلى القمة، لقد صار ابن الحارة الشعبية نجما لامعا وسفيرا لأشهر منظمة دولية في التاريخ الحديث.. الطفل المشاغب المولود في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي وسط أجواء الحرب والفقر والقمع العائلي صار زعيما، ثريا، صانعا للأخبار، زادا للشاشات وهدفا للعدسات.لم تكن الرحلة سهلة، ولم تكن قدرا عبثيا، كان عادل يعرف أن صخرته من الممكن أن تتدحرج إلى أسفل في لحظة ليبدأ الرحلة من جديد إذا استطاع، لذا كان يحسب خطواته ولايضع قدمه إلا على أرض صلبة، ومع كل هجوم يتعرض له، لم يكن يرتكن أبدا إلى ماحققه من نجومية أو ثروة أو شهرة او علاقات، كان يفكر بنفس البساطة التي بدأ بها مشوار الحفر في صخر الواقع.. كان يستعيد عزيمة البدايات، ويفكر في الاحتماء بالناس قبل أن يفكر في التوسل لـ»زيوس»
في هذه الحلقات نتعرف على التفاصيل الأسطورية لرحلة عادل إمام، ليس باعتبارها حكايات مسلية عن حياة نجم كوميدي مشهور، ولكن باعتبارها ملحمة تحكي عن حياتنا نحن أكثر مما تحكي حياة عادل وحده.. إنه قصة مجتمع بالكامل، مرآة نرى فيها أنفسنا ونتابع صورة الأب المتسلط والأم الحنون الحامية في صمت، والواقع القاسي، والقدر الذي يضن ويعطي وفق معادلات ولوغاريتمات غامضة، وشيفرات القوة التي نستهين بها قبل ان تفاجئنا بالكثير والكثير وفي مقدمتها الصبر والدأب والأمل..ومن دون تبجيل أو تقليل تعالوا نتعرف مع عادل إمام على مشاهد وخبرات من حياته نعتقد أنها أعمق كثيرا مما قدمه من شخصيات فوق خشبة المسرح وعلى الشاشةفي الحلقات السابقة تعرفنا على جوانب من شخصية الزعيم كما تعرفنا على عوامل التكوين الأولى، وجانب من المعارك التي خاضها سفيرا وزعيما ونجما، وفي هذه الحلقة نتابع تفاصيل دخوله إلى مدائن الفن وعالم الأضواء، ونبدأ من الرعشة الأولى وهو يتلقى أول «سوكسيه» كتحية من الجماهير التي احتشدت في إحدى ساحات حي الحلمية الشعبي، حيث وقف عادل يؤدي شخصية عسكري بريطاني من جيش الاحتلال يطارد أبطال المقاومة، وذلك من أجل رفع الروح المعنوية للشعب في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر في خريف 1956م.يقول عادل: كان العسكري خائفا ومرتجفا ومثلت هذه الشخصية وأعطيتها جرعة ضخمة من الخوف، جعلت جمهور الساحة الشعبية يغرق في الضحك.. في هذه المرة سمعت لأول مرة صوت الضحك والتصفيق على شخصية اخرى غير شخصيتي الحقيقية.يبدو أن عادل إمام شعر لأول مرة بأن الضحك ليس إهانة من شخصه، أو سخرية من شكله وهيئته، لكنه نتيجة لإبداع يعجب الناس ولايمس وضع «المضحكاتي»،، وقد تأكد ذلك له عندما استطاع ان ينتزع الضحك من الجمهور على شخصية كريهة لا تمت لشخصيته بأي صلة، ومن هنا أدرك قيمة الفن، وعرف أن الإضحاك لايمس شخص المضحك بسوءيقول عادل: يومها شعرت بمتعة غريبة تسري في جسدي كله، وفى ذلك المساء عدت إلى غرفتي في الحلمية وارتميت على سريري بسعادة بالغة كأنني عاشق ولهان يهيم في عشق محبوبة جميلة، وأن هذه المحبوبة قالت لي منذ لحظات كلمة «أحبك» لأول مرةيكمل عادل: قبل ذلك كانت علاقتي بالتمثيل بعيدة عن الفن بالمعنى الذي عرفته في هذه المرة، فقد كنت «أترازل» على خلق الله، واقلدهم بطريقة ساخرة، أو كنت أتعمد تلوين صوتي والاهتمام بالأداء وانا أقرأ بعض النصوص او القصص المقررة علينا، والغريب أنني تعلقت بهذه الطريقة منذ كنت طفلا في المرحلة الابتدائية، وأتذكر أننى أحببت هذه الطريقة بشدة من خلال الأستاذ «مسعود» الذي كان يطلب منى أن أقوم بقراءة القصة والتعبير عن حوار كل شخصية بطريقة مختلفة، وكان الأستاذ مسعود، وأنا سعيد انني ما زلت اذكر اسمه من أوائل اللذين لفتوا نظروا إلى موهبة التمثيل، وشجعني عليها بشكل غير مباشر، لمجرد أنه كان يضحك جدا من طريقة أدائي.طعم الفشلكان عادل يتعامل مع الدراسة، بشكل هامشي، لذلك لم يستطع أن ينجح في التوجيهية (الثانوية العامة)، وكانت مصيبة كبرى هددت أحلام والده في دخول ابنه ضمن فئة حاملي الشهادات، بعد أن أخفق في الوصول إلى الجامعة، لكن رغبة الأب في تحقيق حلمه الخاص، ووجود فرصة إعادة، مهدت الطريق لاستمرار عادل في الدراسة سنة أخرى، لكنه أخفق مرة ثانية، بعد أن قضى العام بين مشاغباته، وولعه بلعب كرة القدم في الشارع، واهتمامه بالقراءة، وحلمه بالوقوف على خشبة مسرح، ليجسد شخصيات أخرى غير شخصيته ليتذوق الطعم المبهج الذي شعر به ليلة تقديمه لشخصية العسكري الانجليزي الجبان، وعلى الجانب الآخر، ارتفع التوتر وصوت الشجار داخل البيت حيث كان والده يؤنبه على عدم المذاكرة، ويهدد ويتوعد انها الفرصة الأخيرة، وبعدها سيلحقه بالعمل في أي ورشة ليتعلم «صنعة» ويتحمل أعباء نفسه.شعر عادل بغصة شديدة في نفسه، خاصة وأن الأحوال داخل البيت نفسه تغيرت، وربما وجد الأب تعويضا لحلمه في الوافد الجديد الذي بدأ يعلن وجوده في البيت بكلمات قليلة، وحركة طفولية محببة إلى النفس، إنه الشقيق الأصغر عصام الذي انتظرته الأم أكثر من 14 سنة بعد مولد طفلها الأول عادل، وذهبت إلى مشايخ وأضرحة للتبرك والدعاء من أجل أن تنجب عصام، وبالطبع لم تكن هناك مساحة لاستيعاب هموم عادل داخل البيت، لأن الأب كان يزيد الأمور تعقيدا وتوترا، خاصة بعد الفشل الأول الذي هدد الأحلام الذي ظل عم امام يرعاها لأكثر من 16 عاما، ثم انفرطت أمام عينيه فجأة، ولم يعد عادل يسمع داخل البيت إلا المعايرة والتوبيخ، والبكاء والعديد على اللبن المسكوب،، ولجأ عادل إلى خاله كالعادة، وكان يقضي معظم الوقت في بيته، وتذوق عادل في هذه الشهور طعم حياة أخرى.. منفتحة، ومختلفة، وتعرف خلالها على مساحات أوسع من الحياة سواء من خلال القراءة، أو خبرة الخال في شئون الحياة، وتعرف على اهتمامات من هم أكبر منه عمرا، وجرب اللذات الحسية في الطعام والنساء، وشعر بالتناقض في لعبة الإغواء والأخلاق، وعانى من الصراع المميز جدا بين الضمير والمتعة المحرمة.انتهى العام، وظهرت النتيجة ورسب عادل للمرة الثانية في امتحان الثانوية، ويصف عادل ماحدث قائلا: كنت أعرف أنها مصيبة كبيرة، وكنت واثقا أن والدي سيلقني من رجلي في السقف كالذبيحة، ومش قليل يسلخ جلدي، لأنني ضيعت شقاءه وبعثرت أحلامه في الهواء، لكن الغريب ان حالة والدي كانت أقل ثورة من المرة الأولى، لأن حالة الحزن والغضب بداخله تحولت إلى حالة يأس، وفقد الأمل من ناحيتي نهائي، والحقيقة أن هذه النقطة بالذات أوجعتني أكثر من الضرب، وتعمق في نفسي الإحساس بالفشل جدا، والتمست العذر بطريقة ما لأبي الذي كان يتمنى أن أصبح مهندسا أو طبيبا، لكنني خذلته، ولم يجد وسيلة إلى الاستسلام، فقال بحسرة كان نفسي عادل يأخذ شهادة، لكن الأمر لله.. خلاص بعد فشله في السنة الثانية مالوش فرصة في التعليم، واقترح أن أعمل في مصنع نسيج يملكه خالي أو أعمل بالشهادة الابتدائية. وكان يوما أسودا في البيت، والهم يزحف على كل الوجوه، ولم يكن هناك مكان لي وسط هذه المحزنة، وليس من سبيل أمامي إلا اللجوء إلى بيت خالي، لكنه كان «اتدروش» وأصبح متدينا، ويصلي الفروض في أوقاتها، وكنت أنا طبعا مهلهلا من الداخل، ومؤهلا تماما للتصوف، واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، بعد ان انسدت أبواب الحياة أمامي، وبدأت أنتظم في أداء العبادات.. الوضوء حسب السنة، الصلاة في مواقيتها، الصيام يومي الاثنين والخميس، قراءة الأدعية والأذكار والأوراد، وحفظ ماتيسر من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وقراءة التفاسير، ودخلت في نهر من الروحانيات، واندمجت في القراءات الفردية والجماعية في المساجد الصغيرة، ومناقشات مع المشايخ،، وطبعا كانت الدنيا كلها حولي مندهشة، وتتعجب من هذا التحول المفاجئ.مظاهرة المشاغبينكانت الأجازة الصيفية على وشك الانتهاء عندما ناقشت الأسرة أحوالي من جديد، خاصة وان والدي لم يعجبه هذا الوضع، فأنا عاطل بلا مستقبل، ويجب أن أبحث عن مهنة أتعلمها، أو عمل يضع قدمي على أول خطوة لتحديد مستقبلي، وكان واضحا ان والدي قرر أن ينهي علاقتي بالتعليم، ويفكر في حياتي بشكل عملي ليخرجني أيضا من طريق «الدروشة»، وعندما وجدت أمي أن أبي مصمم على قراره، وأنه بدأ يرتب له.. في هذا اليوم بالذات سمعت صوتها يعلو لأول وآخر مرة أمام أبي، وأنا أذكر تفاصيله لأنه اليوم الوحيد في حياة أمي التي رفعت صوتها في وجه أبي، وطلبت منه ان أكمل تعليمي، وأن نبحث له عن فرصة جديدة، لا أنسى أبدا كيف انتفضت هذه السيدة العظيمة لتطالب باستمراري في التعليم، وكأنني أستمع إلى طه حسين ياجدع، وقفت «مزبهلا» وهذه السيدة الأمية التي لا تعرف القراءة والكتابة ترفع اصبعها في الهواء زي أكبر محام وتقول: لا .. لازم عادل يكمل تعليمه، وتنظر ناحيتي وهي تكمل: وهينجح بعون الله، وكأنها تتوسل مني أن لا أخذلها هذه المرة، واستعانت طبعا بخالي الذي وقف في صفها، وتكاتف معي حتى أخذت موافقة بإعادة الثانوية للمرة الثالثة،، ولكن كيف؟ واين؟.. وأنا استنفذت فرص التعليم النظامي؟.رتب والدي أموره، وفكر أن يبعدني عن هذه الأجواء التي أعيش فيها وتلهيني عن التركيز والمذاكرة، سواء الشقاوة، والتمثيل، أو موجة التصوف الأخيرة، وانتقلت الأسرة كلها إلى الاسكندرية، ودخلت المدرسة الثانوية المرقصية، حيث عدت إلى شخصيتي الحقيقة المشاغبة، وطبعا كنت أقرب ما يكون إلى شخصية بهجت الأباصيري في مسرحية «مدرسة المشاغبين».يعترف عادل امام انه كان اكثر جنوحا فى الواقع منه على المسرح، فيقول: عندما دخلت المدرسة الثانوية المرقصية بالاسكندرية كانت سينما «الهمبرا» قريبة من المدرسة (إقرأ الإطار)، وطبعا كنت قد نجحت في تكوين شلة المشاغبين من الأيام الأولى، وذات يوم شاهدنا أفيشات فيلم وأعجبتنا جدا، واتفقت مع الشلة، أننا لابد ان نشاهده في مواعيد المدرسة، لأنني لا استطيع أن اتاخر كثيرا بعد المواعيد بسبب الحصار المفروض علي في البيت، لأنهم يعتبرونني في بعثة دراسية رفيعة المستوى للانتهاء من الثانوية العامة، واتفقنا على الخطة، وكانت ساعة الصفر قبل موعد حفلة السينما بنصف ساعة، وبدأنا بالصياح والصراخ، وخرجنا من الفصل نجري وسط دهشة الجميع الذين تصوروا أن هناك حريقة أو مشكلة معينة، فخرجوا وراءنا وهم لايدرون شيئا مما يحدث، ووجدنا انفسنا في مظاهرة كبيرة، فبدأنا نهتف اي هتافات بلا معنى، لكنها لاعلاقة لها بالسياسة أو التعليم، أي كلام يخرج منا نردده، وعجبتنا القصة، لأنها كبرت فجأة من غير ترتيب، فقلنا نمر على الفصول الأخرى، فخرجت معنا، واتجهنا ناحية باب المدرسة، وفتحناه، وخرجنا جميعا إلى الشارع، ثم خلعت الشلة من المظاهرة واتجهت الى سينما «الهمبرا»، لاستكمال الخطة بنجاح ومشاهدة الفيلم شهادة رمضانسينما الهمبراتقع سينما الهمبرا فى شارع صفية زغلول ، فى وسط محطة ترام الرمل الشهيرة بالاسكندرية، وكانت سينما درجة ثانية برغم انها مجهزة بأحدث آلات العرض والإضاءة المسرحية، فكانت كوكب الشرق السيدة أم كلثوم تختارها لتقيم حفلاتها الغنائية فيها، وكانت أسعارها في تلك الفترة 3 قروش للصالة الأمامية، والخلفية بخمسة قروش ونصف، والبلكون بسبعة قروش ونصف، وكانت تعرض في كل حفلة فيلمين أجنبيين، ونادرا ما تعرض أفلاما عربية، وهى إحدى دور العرض التى كان يمتلكها قبل ثورة يوليو «إلياس جورج لطفي»، وفي الستينات أممتها حكومة الثورة ، وأصبحت تابعة لمؤسسة السينما، وهى ثاني سينما فى الإسكندرية من حيث المساحة بعد سينما ركس فى المنشية، وكانت الحفلة الصباحية تبدأ فى الثامنة والنصف صباحا، والحفلة التالية في الحادية عشر، وكنا نفضلها حتى نستطيع أن ندخل ونسجل اسمنا في كشف الحضور، ثم نخرج لنلحق بالحفلة الثانية، وبعدها نخرج لنجلس على مقهى أمام السينما يمتلكه رجل يوناني، كلن يحب القطط جدا، ودائما يتابع عمله في القهوة وهو يحمل قطة بين يديه.الزعيم مثقفاأهوي القراءة الي حد كبير بدات قراءاتى وانا طالب من خلال روايات ارسين لوبين واجاثا كريستى ثم تدرجت في القراءة إلى جورجي زيدان والمنفلوطي وما في كتاباته من عبرات وموع، ومافي ترجماته من قصص غرامية، بعد ذلك تعرفت على طه حسين في «الأيام» و»أديب»، وظللت لفترة اتجنب مؤلفات محمود عباس العقاد، ولكن بعد ذلك استغرقت فى قراءة العبقريات.وكذلك الحال مع الشعر، لم أكن أحبه حتى قمت بتمثيل دور في مسرحية بالشعرالعامي لبيرم التونسي هي «ألف ليلة وليلة» ومازلت احفظ اشعارها حتى الآن، وبعد هذه المسرحية قرأت كثيرا من الشعر، وأحببت أشعار المتنبى الذي تحول كل بيت من أبيات قصائده إلى حكمة، وكذلك عمر بن أبي ربيعة الذي استهوتني أشعاره فى الغزل، وسألت نفسي كثيرا: هل كانت أشعاره فعلا بغرض الغزل فقط، أم أنها كانت نوعا من الهروب والتحايل على محظورات السياسة، وهناك ابو العلا المعري الذي تحدث عن الفتنة بين المسلمين والأقباط فى بلاد الشام منذ مئات السنين، ثم قرأت بعد ذلك فى الشعر الحديث خاصة لصلاح عبد الصبور، وأمل دنقل وكذلك صديقي سليط اللسان احمد فؤاد نجمما أريد ان اقوله اننى أدرك أن الموهبة وحدها لا تكفي، ولابد للفنان أن يسلح نفسه دائما بالعلم والمعرفة، لذلك أقرأ أحيانا فى نظريات علمية لأن دراستى فى الأصل كانت علمية، ودخلت كلية الزراعة وتعرفت على نباتات وحشرات ومخلوقات دقيقة وعجيبة في المعامل، كما اننى عشقت أدب يوسف ادريس ، وهو على المستوى الإنساني كان صديقي، وقرأت كل قصصه القصيرة، وهو في رأيي لا يقل عن الكاتب الروسي المبدع أنطون تشيكوف، وفي رأيي أيضا أنه كان يستحق جائزة نوبل، وما زلت افكر فى عمل سهرة مسرحية يتم إعدادها من قصص يوسف إدريس، خاصة «طبلية من السماء»، و»بيت من لحم» والعديد من الأعمال الأخرى التى يمكن ان أحولها الي مسرحيات قصيرة.