الفلامنكو يثير حرباً في إسبانيا بين التقليديين والمحدثين

نشر في 19-08-2007 | 00:00
آخر تحديث 19-08-2007 | 00:00
No Image Caption

خصر يتمايل وقدمان تكادان لا تلامسان الأرض برشاقتهما ورجاء يعلو من قلب مغنّ هدفه حمل المشاهدين إلى بعد أسمى. الفلامنكو شغف بحت ليس أقل.

في هذا العالم المضطرب، يحمل المغنّون المشاهدين إلى عالم قصص الحب والقلوب المحطّمة والموت المفاجئ. وتبقى المشاعر وراء الكواليس بالحدّة ذاتها بل أكثر.

رغم أن الفلامنكو فن «حديث السن» نسبياً، لم يدفع الناس ثمن مشاهدته إلاّ منذ نحو 160 عاماً. تكثر الحجج عن «أصالته» وتعصف وتتعقّد. من ناحية يقف المتشدّدون غير القابلين أي تنوع أو اختلاف عمّا يمثل الإيمان الصحيح. بالنسبة إليهم، يعتبر أولئك الذين يمزجون الفلامنكو مع أنواع رقص أخرى كالباليه أو الرقص الحديث أو الجاز أو حتّى البوب مذنبينن إذ حطّوا من قدر الفن عبر مزجه بأنواع غير أصليّة ويعتبرون عروضهم محض سياحيّة. ويواجههم المحدّثون، الذين لا ينفكّون يمزجون، أو بالأحرى يغنون من وجهة نظرهم، هذا الفن الاسباني بأنواع رقص أو موسيقى أو غناء مختلفة بغية توسيع الحدود. حتّى في صفوف أولئك الروّاد تكثر الخلافات حين يدّعي أحدهم تحديثاً كان في الأصل من صنع مايسترو مختلف. فعندما أعلن الراقص خواكيم كورتيز، أحد أعضاء فرقة رقص حديثة، أنه قائد الثورة في عالم رقص الفلامنكو، ارتفعت الأصوات المعارضة بسرعة رهيبة.

اتّهم المتشدّدون راقص الفلامنكو غاديس وشريكته كريستينيا هويوس بإلحاق الضرر بروح الفلامنكو الأصلي عبر مزجه بأنواع أخرى. لكن في إحدى مقابلاتها النادرة أعلنت هويوس لصحيفة «إندبندنت»: «لم نمزج النوع بل أغنيناه. تماماً كباقي أنواع الفن. إن لم يتطوّر الفلامنكو يصير مضجراً. ثمّة من يريد المحافظة عليه كما هو، أعني المتشددين بينما يجدر بنا التقدّم لا البقاء حيث نحن». أضافت هويوس، المسؤولة اليوم عن معهد «Flamenco Ballet of Andalucia»: «يعتبر الفلامنكو فنّاً قوياً للغاية ويستحيل التخفيف منه إن أدخلت عليه أنواع جديدة، بل يساهم ذلك في تطويره. يفترض أن تفتح أبواب جديدة».

لكن آخرين مثل مغني الفلامنكو خوزيه دو لا توماسا يخالفون هذا الرأي. يعتبر دو لا توماسا المنتمي إلى مدرسة فلامنكو أكثر تشدداً: «لا أعارض مزج الأنواع لكن ذلك لن يؤدّي سوى الى تدهور النوعية. حين نشهد انتقاصاً من مزايا أنواع الرقص الأخرى، فإن الأمر قد يحصل للفلامنكو الأصلي».

قريدس الجزيرة

واجه كل من أسطورتي الفلامنكو، عازف القيثارة باكو دي لوسيا والمغني الراحل «أل كامارون دي لا ايلا (ترجمة اسمه الحرفيّة «قريدس الجزيرة)، انتقاداً لاذعاً عندما بدأا يختبران أنواع فلامنكو جديدة في سبعينات القرن الماضي. حين أدخل أل كامارون في بادئ الأمر طرائق غريبة في الفلامنكو كان الأمر أشبه بحفلة «نيوبورت فولك» في 1965 عندما استاءت الجماهير وانتفضت ضد بوب ديلان لاستخدامه الغيتار الكهربائي. لم يتأثّر أل كامارون بالانتقاد بل استمرّ في طريقته وطوّر ما يعرف اليوم بالفلامنكو الحديث. لدى وفاته في 1992 حضر 100 ألف معجب مأتمه ولا يزال يعتبر إله الفلامنكو. بينما وسّع باكو دي لوسيا نطاق الفن ليشمل الكلاسيكي والجاز وسواهما.

ينظر اليوم إلى هذين الفنانين بعين الاحترام والاجلال، حتّى من قبل منتقديهما في بادئ الأمر. غير أن المسألة تدور أكثر حول راقصي الفلامنكو الذين يشكّلون الخطر الأكبر بالنسبة إلى التقليديين فالرقص يتيح الفرصة أكثر لدمج أساليب مختلفة من الغناء أو العزف على الغيتار.

فيما يعتبر ييربابوينا من جيل راقصين يضم اسرائيل غالفن وماريو مايان ومانويلا كاراسو وأندريس مارتين، ينظر التقليديون إليهم على أنهم طارئون على الميدان. يصرّح خوسيه ماريا سيغوفيا مدير منظمة أندية الفلامنكو في مدينة اشبيلية: «لا يمكننا أن ننسى أصلنا. ينبغي أن يكون الفلامنكو فلامنكو. يجدر بنا معرفة إلى ماذا نستمع».

تسيطر تغييرات كبرى على عالم الفلامنكو ولم تبق أساساته سوى شكل من أشكال التقليد التي يتبعها الغجر الإسبانيّون التقليديون. في السنوات الأخيرة، جرى دمج بين البوب والفلامنكو فنشأ نوع جديد من الفلامنكو من أهم أنصاره فرقة «شامباو» التي أضافت بعض الموسيقى الأفريقية وأوجوس دي بروجو. كما تغيّر مكان أداء الفلامنكو فلطالما كان في منطقة بينياس أو في رقصات خاصّة مع بعض الأصدقاء المقربين. لكن مع تزايد أعداد المعجبين، لا يمكن نجوماً مثال كورتيز سوى أدائه في مسارح وساحات كبيرة.

في الأندلس

اشتهر نوع الموسيقى هذا في اليابان، حتى أن جيلاً جديداً من الراقصين والمغنين اليابانيين يحاولون بلوغ البعد الأسمى، هدف نجوم الفلامنكو جميعاً. وتترك النساء اليابانيات أزواجهن الموظفين في الوطن ليدرسن الفلامنكو في إسبانيا لفترة تصل إلى ستّة أشهر. وبالنسبة إلى مؤدّي الفلامنكو أضحت السياحة في اليابان واجباً طالما أن اليابانيين من أشد المعجبين بالفلامنكو في العالم بعد الإسبان. فيما يرى الأستاذ رافاييل إنفانتي، المستشار في مهرجان الفلامنكو في مدينة اشبيلية، أنه يتم تناسي جذور هذا الفن من أجل الكسب المادي: «في منطقة الأندلس لا نعطي الفلامنكو الأهمية التي يستحقها، ليس كأصل ثقافي من الدرجة الأولى فحسب بل كمصدر محتمل للعائد. إنما لا أظن أنه يجدر بنا التحرّك من باب الاهتمام المالي فحسب». ويرى البعض أن الخلاف حول أصول الفلامنكو مثير السخرية إذ نشأ أصلاً في القرن التاسع عشر ويقوم على إرث مختلط من عدة ثقافات. تصرّح تينا باناديرو مديرة متحف الفلامنكو في مدينة إشبيلية والخبيرة في هذا النوع الموسيقي: «ما لا يستوعبه الناس هو غياب تعريف محدد للفلامنكو. لم يمض على وجوده أكثر من 150 عاماً، وهو في تغيّر دائم. تملك كل عائلة أسلوبها الخاص في أداء الفلامنكو، لذا لا أسلوب فلامنكو موحّداً. إنّه في تغيّر دائم، وأعتقد أنه هو السبيل الصحيح».

منذ الحرب العالمية الأولى، أقيمت العروض في كل أنحاء العالم. غير أن الفلامنكو لا يحظى بإعجاب الجميع، إذ يعتقد البعض أن شعبيته الزائدة تقضي على روحه الأصلية. حتّى أن الموسيقيّ الاسباني مانويل دي فالا نظّم مسابقة مع بعض المثقفين لاكتشاف أصل غناء الفلامنكو.

يعود أصل الفلامنكو إلى الغجر، غير أنه يملك جذوراً هندية وعربية وكوبية وأميركية لاتينية. نشأت أولى مدارس الفلامنكو نحو عام 1760 في جنوب إسبانيا، غير أنه عرف عصراً ذهبياً بين 1869 و1910، لدى اعتماده في المقاهي. شكّل الراقصون مركز الاهتمام في بادئ الأمر غير أن عازفي الغيتار ما لبثوا أن أدّوا دوراً مهماً كذلك.

في منتصف الخمسينات بلغ الفلامنكو القمة فغمرت عروضه أهم المسارح وحدّث الراقصون وعازفو الغيتار أساليبهم.

أما في معهد الفلامنكو في الأندلس فإن راقصي الغد يؤدون رقصة الزاباتيدو وهي جوهر كل أداء للفلامكنو. لكن مثلما شهدنا في تاريخ هذا الفن، يخشى المرء أن يتخلى راقصو المستقبل حتّى عن هذه الرقصة خالقين جيلاً جديداً من المتشددين.

يخطف كورتيز الراقص غير التقليدي والوسيم ألباب النساء المعجبات من دون أن يحرّك ساكناً. وهو مؤدّ موهوب أضاف الكثير إلى طريقة رقصه. غير أنّه يبدو كأنه نسي أن يرد الجميل إلى الراقص الراحل أنطونيو غاديس، أحد أهم المحدّثين وأشهرهم في عالم الفلامنكو. دفع كورتيز السعر غالياً: لم تبقَ الحشود متحمّسة لحضور عروضه المقبلة في إشبيلية التي يمكن اعتبارها عاصمة عالم الفلامنكو.

كان غاديس أوّل راقص فلامنكو يؤدّي في دار أوبرا «لا سكالا» في ميلانو وهو الأهم في إيطاليا، أسّس شركته الخاصّة مع شريكته في الرقص كريستينا هويوس في باريس عام 1969. قلب غاديس وهويوس عالم الفلامنكو رأساً على عقب عبر اعتمادهما تقنيات نادراً ما كانت مستخدمة في الباليه وأنواع رقص أخرى، لكن من دون التخفيف من أهمية الفلامنكو. يكره غاديس سخف القصص التي تؤدى في الفلامنكو وبخاصة في أواخر عهد ديكتاتورية فرانكو. أضاف طابع الجديّة عليها وسمّاها «قصصاً مع حركة».

back to top