أسرار أسمهان لشريفة زهور... ليالي الأنس في حكاية الأميرة

نشر في 09-03-2008 | 00:00
آخر تحديث 09-03-2008 | 00:00
No Image Caption

ظلت اسمهان في حياتها وبعد موتها الغامض، امرأة فاتنة ومثيرة، «ملأت الدينا وشغلت الناس»، بصوتها وصورتها وحكايتها. هذا ما نلاحظه في «أسرار أسمهان/ المرأة، الحرب، الغناء»(دار المدى) للباحثة شريفة زهور التي تلفت الى ان اسلوب كتابة الصحافيين الذين «غطوا» اخبار اسمهان يتصف بالرومانسية والعادية والاستسهال.

يختلف «أسرار أسمهان» كل الاختلاف عن الطريقة التي يتبعها كتاب السيرة الاكاديميون الغربيون، مع ان كل نوع من انوع الكتابة يرمي الى العثور على حقائق في حياة الافراد وادعائها.

تابعت شريفة زهور سير ذاتية لنساء عملن في الفن وتعمقت في سير اكاديمية لشخصيات في الشرق الاوسط لتعرف كيف عرضت هذه الشخصيات التاريخية، في مقابل المواد الصحافية الشعبية المتيسرة بالعربية والمكتوبة من اواخر الاربعينات عن اسمهان. لاحظت ان الباحثين يصفون الشخصيات الشرق اوسطية (من النسب إلى الوضع الاجتماعي) ليبرزوا البيئة الاجتماعية للشخصية التاريخية ويتناولونها كوسيلة مفتاحية لتأكيد وزن الاواصر العائلية. تخلو هذه البؤرة المفتاحية في مواد السير العربية على الدوام من التفاعلات النفسية للعائلة، كما هو الامر في اكثر الاحوال في المواد الغربية. لذلك تعتبر المؤلفة ان حياة اسمهان هي نقطة التقاء مصادر كثيرة.

بوهيمية

عاشت اسمهان حياة غرائبية، فهي ابنة الأميرة علياء الاطرش التي هربت من السويداء مدينتها وكانت في شهر حملها الاخير بأسمهان، اثر تواتر الاخبار عن هجوم وشيك لليونانيين على تلك المنطقة. ذهبت إلى أزمير ومنها ركبت البحر إلى بيروت حيث ولدت في عرضه في تشرين الثاني (نوفمبر) 1912 وكان في صحبتها فريد الاطرش وفؤاد.

لم يمض بها الوقت طويلا في بيروت فرحلت إلى القاهرة وهناك انقطعت اخبارها عن زوجها وشح المال لديها، فمارست الخياطة وعملت مغنية في الموالد والحفلات الخاصة لتأمين لقمة عيش اطفالها وكان صوتها جميلا فتدربت معها ابنتها التي شبت وهي تستجدي قروشا قليلة في ملاهي شارع الهرم في القاهرة. لم يشفع بها الحزن الارستقراطي الذي يجلل وجهها من سماع كلمات السكارى النابية وسماجة غزلهم، الى حين أصبحت أهم مغنية هددت عرش أم كلثوم واكتسحت شهرة الباقيات. غير انها كانت من أكبر البوهيميات في زمنها، فلم تحتفظ بالمال الذي انساب بين يديها انهاراً ولا صانت قيمة صوتها ولم تعبأ بالشهرة.

عاشت بين وهم الامارة والافراط في الليالي الباذخة الى ان قتلت في حادث انقلاب سيارة العام 1944، قيل ان إحدى الأجهزة الاستخباراتية التي تعاملت معها هي التي تسببت بموتها. كانت على صلة بالبريطانيين والفرنسيين والالمان، الحلفاء والاعداء معا، في مرحلة خطيرة جداً هي الحرب العالمية الثانية، وراجت الاشاعات عن ارتباطها بالاستخبارات في هذه الفترة، بعدما اشتهرت كونها فنانة.

لم يكن عليها القيام بالعمليات الجاسوسية بل أن تذهب الى القدس ومنها الى سورية لتبلغ وجهاء الدروز ان الحلفاء يزحفون الى الشمال بهدف الحصول على وعد منهم بألا يعيقوا الغزو. كان دافعها ربما المال كما يعتقد البعض أو حماية الدروز وجبلهم كما يقول أهلها. هكذا ختمت حياتها بآخر اشاعة تناقلها الناس عنها.

اسمهان أو آمال الاطرش التي عانت من مشكلة الهوية، تقول المؤلفة، لا تعرف إلى من تنتمي، إلى سورية وجبل الدروز أو إلى مصر حيث نشأت وترعرعت. تزوجت مرتين كي لا تطرد من مصر ونافست، بحسب الاشاعات، الأميرة نازلي على قلب أحمد حسنين باشا رجل البلاط المتنفذ، فسعت الاخيرة إلى ابعادها. حاولت بعد ذلك العودة إلى أصولها بزواجها من ابن عمها الأمير حسن الاطرش وقصدت معه بلدها، ثم تركته ورجعت إلى مصر التي لم تستطع فراقها.

في المقابل، هيمن افراد عائلة اسمهان، الذكور والاناث، على حياتها وذاكرتها هيمنة محكمة فتدخلوا في حياتها مالياً وسياسياً وفنياً وعاطفياً، معتقدين أن تدخلهم ناتج عن حبهم لها، أما ادانتهم لنمط حياتها فأملتها الضرورة والتفكير السليم. أفضت الاساطير العامة عن النساء «السيئات» والعازفات في المجتمع العربي الاسلامي، الى صورة اسمهان الشائعة بين الناس.

كانت مكانتها الاجتماعية في مصر بلا معنى، تحولت الى مغنية اولى واثارت حولها كثيرا من الجدل. ظهرت على الشاشة بالغة الرقة والذوق، اما في حياتها الخاصة فكانت جريئة ومنغمسة في الملذات. لم ينظر الى اسمهان على انها شابة تنتمي الى مرحلة تاريخية معينة، بل على انها تحذير اخلاقي وثقافي للاخريات وحتى في عز تألقها انحصر دورها على الشاشة في البطلة المأسوية، المرأة الفاتنة.

القيل والقال، القصص، الاشاعات شكلت كلها اساس معلومات كثيرة عن اسمهان. كان يصعب تلافي البذاءات الموجودة في المعلومات لارتباط الغناء بالسلوك المحظور وتأصله في الاشاعة ووسائل الاعلام العامة.

موت مفاجئ

نجح ظهور اسمهان الاخير على الشاشة في الدمج بين الشخصية السينمائية المأسوية البارعة الساحرة، وقصة حياتها الخاصة. ماتت قبل انتهاء الفيلم، فاعاد الكتاب والمخرجون كتابة الخاتمة التي تؤكد موت النجمة المفاجئ في حادث سير وتماهي الجمهور مع بطلته. أضاف موت اسمهان المبكر جانباً مهماً الى لغزها العام، سواء كان فاجعة عادية ام مدبرة. اتخذ الحديث الشائع عن الغناء والمغنين من موتها موضوعا للجدل شأن حياتها وما كان قابلاً للاثبات من حقائق، لم يصبح غير منطوق به فحسب بل عصيا على الاسترداد ايضا، واقل اهمية من «القصة» المحكية.

ارتكزت مكانة اسمهان، كواحدة من المطربين السبعة الكبار في القرن العشرين، على قدرتها على الاستفادة من متطلبات الغناء القديم، والالحان التجديدية التي تفرض القاء ديناميا ونغميا دقيقاً. الذين رووا قصة حياتها هم في الواقع من الرجال، وانطلقت تفسيراتهم لاعمالها من انحيازهم الاجتماعي وتصوراتهم عن اسمهان كمطربة او شقيقة او «جاسوسة». يتضح هذا الانحياز اكثر في المادة المكتوبة وفي المناقشات الشفوية والذكريات المعاد تشكليها لاولئك الذين عرفوها معرفة جيدة او قليلة.

غير ان سيرة اسمهان ذاتها تبقى أقرب إلى حكاية مر طيفها على الخاطر ومضى مثل مساء صيف شفيف كما تقول أغانيها. اسمهان كما يسميها الكتاب، شرق أوسطية بامتياز، سواء في صوتها الذي كان مرشحا بين أصوات النساء العربيات للغناء الاوبرالي، أو سيرتها التي حولتها من إميلي الاطرش الأميرة الدرزية المتحضرة إلى مغنية مصرية من طراز خاص.

على عكس الشائع عن أم كلثوم، كانت أغاني اسمهان محاولة للخروج من مأزق الاغنية العربية المتداولة في الثلث الأول من القرن العشرين، فنوع الغناء الذي قدمته أم كلثوم نجح في افشال تجربة سيد درويش في تحديث الاغنية العربية وبقيت تجارب عبد الوهاب قاصرة عن تطويع الذائقة الكلاسيكية التي صاغتها ام كلثوم والتي اسماها أحمد رامي الفلاحة، فكانت على توافق في السلوك والمظهر مع الايقاع الرتيب الذي تبنته أو حاولت اعادة الروح اليه في أكثر اغانيها شهرة بخاصة الطويلة منها. على الرغم من محاولاتها مع أغاني الطقاطيق التي اشتهرت آنذاك، غير انها بقيت متهمة بالمساهمة في اشاعة طرب الحشاشين في الاغنية العربية في حين كانت اسمهان نتاج التلاقح بين الشرق والغرب، بين الشام ومصر في مرحلة ازدهارها وعزها الأول.

تبين المؤلفة الخصائص الفنية لكل أغنية من أغاني اسمهان المهمة وعلاقتها مع كلماتها. فترى ان حداثة بعض اغاني اسمهان تتأتى من تمازج الموسيقى الشامية والمصرية والتراث بالمعاصرة والاستفادة من الفلكلور واغاني المواليد. كذلك تخضع إلى دراستها التطبيقية اغاني مثل «ليت للبراق عينا» و{رجعت لك» التي تقول عنها انها تتميز بدقة في التعبير، مع فارق بين انخفاض في الصوت والإيقاع وارتفاع فيهما. يكمن سر جمال هذه الاغنية بالتحديد في التنوع أو الاختلاف بين مجموعة من العناصر من بينها صوت اسمهان وصوت الكورس الرجالي، فهي تبدو مسيطرة، محلقة، دقيقة في ارتجالها كي تتوافق مع نغم الكمان والعود.

تثير المؤلفة بعض الاسئلة حول نخبوية اغانيها أو جماهيريتها وترى انها تقف في بعضها بين الجانبين، فهي سعت إلى الاغاني الشعبية، كذلك غنت الاغنية الدينية مثل «عليك صلاة الله وسلامه» وهي اغنية الحجيج التي استقت فيها من ايقاع اغاني المولد الكثير. معظم الاغاني التي تشير المؤلفة إلى حداثتها هي من تلحين شقيقها فريد الاطرش وبينها «يلي هواك شاغل بالي» التي يخالط فيها الطرب القديم الرومانسي الحديث، و«ليالي الانس في فيينا» التي حاول فيها اللحن مسايرة الرقص، فهي أغنية مرئية، كما تقول، تمتزج فيها العاطفة الشعرية مع الاشارة عبر الموسيقى إلى المكان والزمان الرومانسي البهيج، فظهرت اسمهان وهي تؤديها على نحو احتفالي في فيلم «غرام وانتقام».

اول ما ينبغي التأمل في حيثياته هو ان اسمهان اصبحت سيرة لا تنتهي، وهذا ما تدل عليه اخبار مسلسلها الذي لم يتوقف الحديث عنه منذ أكثر من خمسة أعوام.

هامش

 أصر كاتبو سيرة اسمهان من العرب على محو انجازها الاول من سردهم لاحداث حياتها، اي براعتها الصوتية وانتاجها الغنائي. فحين كتب فوبيل لبيب روايته ورواية شقيقها فؤاد عن حياتها اسقط كل تواريخ اغانيها وتسجيلاتها. فهي في كتابه «قصة اسمهان» لا تغني الا ثلاث مرات، الاولى عندما «اكتشفت» صوتها والثانية لدى ظهورها الاول على المسرح في دار الاوبرا والثالثة في اثناء هربها على «طريق الموت» من الفرنسيين في سورية.

ربما افترض هؤلاء الكتَّاب أن اغاني اسمهان كانت مألوفة عند قرائهم، بحيث بات تفسيرها وتحليلها غير لازمين او غير ممتعين للجمهور لاتصاف العمل الموسيقي بالتعقيد، فالميل الى تغطية «ما وراء الكواليس» تغطية مبهرة موجود الآن في الصحف الغربية ونقرأ في الكتابات الجادة أن التركيز يكون على الانتاج اكثر منه على الوسيلة. اما عبقرية اسمهان الخاصة واسلوبها واداؤها، فكان التركيز عليها اقل.

هذا السهو، بحسب شريفة زهور، هو جزء من مأزق المطربات والمؤديات في المجتمعات الابوية. ساوى جمهور الغناء العام بين اسمهان و{المؤثرات الغربية»، واختلطت عنده حياتها ومظهرها الحديث احيانا بانتاجها الفني المذهل. الحقيقة هي ان اكثر اغانيها لم يخرج على التراث القديم، احرزت اسمهان منزلة رفيعة بأدائها الواضح المرهف للمعاني اضافة الى طريقتها في الغناء ويرتبط جزء من نجاحها بتمكنها من اللغة العربية، وأدائها العاطفي المناسب للعبارات المتنوعة التي تضمنت في الغالب فهما عميقا للحالات النفسية.

back to top