براون بعد بلير سياسة معدَّلة... أم للنهج تتمة؟

نشر في 27-06-2007 | 00:00
آخر تحديث 27-06-2007 | 00:00
No Image Caption

يتوجه بلير اليوم إلى قصر باكنغهام ليقدم استقالته رسمياً إلى الملكة اليزابيث الثانية عند منتصف ولايته الثالثة. ثم تدعو الملكة براون، الذي ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، للمجيء إلى القصر لتعيّنه رئيساً للوزراء، فيبدأ، بالتالي، عهد يصلح وصفه بـ«القديم الجديد»، في ظل ظروف دولية صعبة قد يتحتم على بريطانيا أن تختار خلالها، إما الاستقلالية وإما التبعية لواشنطن، في وقت لم تعد فيه مقولة «التنسيق» مقنعة كثيرا للشعب البريطاني.

اليوم، يحين موعد تداول السلطة في بريطانيا، فيتنحى رئيس الوزراء توني بلير جانباً ويتسلم وزير ماليته والزعيم الجديد لحزب «العمال» غوردن براون دفة الحكم، لتتحقق معالم الخلافة التي رسمها اتفاق بلير-براون عام 1994.

عهد جديد ينطلق، لم تكتمل صورته المستقبلية بعد، في انتظار مباشرة براون مهامه الجديدة على رأس السلطة التنفيذية الا أن المراقبين البريطانيين يتبارون في تحديد مواصفاته فيصنفونه بين خانتين: نهج معدل يملي تغييراً لا بأس به أو استكمال لنهج السلف.

وإذا كانت السياسة الداخلية تشكِّل منطلقاً أساسياً في مقاربة الرأي العام البريطاني للحقبة المقبلة وما تحمله من آمال بتشريعات وتدابير جديدة، على الرغم من موقع بريطانيا المتقدم على صعيد انعدام البطالة، فإنه من نافلة القول إن البعد الخارجي للسياسة البريطانية، سيكون أكثر جذباّ للرأي العام البريطاني، خاصة أن معظم مكونات هذا البعد الخارجي، الذي تطغى عليه الحرب على العراق و«مكافحة الارهاب» وصولا إلى ما وصم أحيانا العهد «البليري» من لحاق أعمى بواشنطن، ترتبط مباشرة بمفاعيل في الداخل البريطاني.

وكان براون أعلن الأحد، في خطاب تتويجه زعيما لـ«العمال» خلال مؤتمر في مانشستر، أن حزبه سيكون حزباً للتغيير، ملمحا إلى إصلاحات في السياسات الأساسية، وكأن براون تخلَّص من الحرج الذي كان يعتريه من قبل، حيث كان يخشى من أن يُفهم أي شيء يقوله، بصدد التغيير، كسعي إلى السلطة أو كهجوم ضد بلير، الذي جعله ينتظر 13 عاما قبل أن يعلن في العاشر من مايو الماضي أنه سيتنحى عن الحكم، وبالتالي يحقق وعده بتسليم رئاسة «العمال» والوزراء إلى صديقه اللدود.

وشدّد براون في خطابه مراراً وتكراراً على الحاجة إلى التغيير، وأنه سيكون هناك تغييرات لمواجهة التحديات الجديدة وتغييرات للتعامل مع انعدام الأمن، وبشكل أوضح تغيير السياسة القديمة، على ما يقول الكاتب في صحيفة الـ«إندبندنت» البريطانية ستيف ريتشاردز.

ويرى ريتشاردز أن خطاب براون هذا شكًّل المحاولة الأولى للإعلان عن حزب «عمال» جديد، مشيرا إلى أن منافسي براون داخل الحزب، كما في قيادة حزب المحافظين، حاولوا تصويره كشخص سيعيد «العمال» إلى الوراء. ويوضح الكاتب أن هدف خطاب براون كان تحدي «الكاريكاتور المضلل» الذي حاول خصوم براون اختصاره به.

وأكد براون، لدى سؤاله عن كيفية إكمال حقبة بلير وفي الوقت عينه، التشديد على التغيير، فكان جوابه «سنبني على ما كان صائبا»، في إشارة إلى نيته انتهاج تغيير في سياسات كان يعتبرها خاطئة. لكن الصورة ما زالت غير واضحة، أو بشكل أصح غير مكتملة المعالم. فبراون لا يختلف كثيرا عن بلير، في ما يتعلق بالملفات الأساسية.

مع ذلك أراد براون أن يبدأ عهده باستمالة منتقدي الحرب على العراق، من خلال الوعد بمنحهم حق التظاهر أمام البرلمان، وإبطال التشريع الذي أدخله بلير قبل عامين وقيّد، من خلاله، حرية التظاهر أو إقامة مخيمات احتجاجية أو نصب لافتات تنتقد الحكومة على مشاركتها في الحرب.

إلأ أن هذه الخطوة قد لا تتعدى السعي إلى بث إيجابية معينة حيال موضوع العراق، وذلك من دون وجود النية إلى إحداث تغيير فعلي، فبراون من مؤيدي الدعم البريطاني للولايات المتحدة في الحرب ولم يتحدث عن انسحاب بلاده، على الرغم من أنه سبق وأقرّ أنه «ارتُكِبت اخطاء» في ما يتعلق بهذه الحرب.

كما أن براون من دعاة التحالف الوثيق بين لندن وواشنطن لا سيما في «مكافحة الإرهاب»، وهو لا يختلف بذلك كثيرا عن بلير، فهل يبدّل الوصول إلى الحكم من آراء براون، فتراوده الأحلام «العظمى» ويجنح نحو استقلالية بريطانيا؟

من المعلوم أن لاستقلالية بريطانيا مكانة أساسية عند براون، في ما يخص العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، فهو أقل حماسة للمشروع الأوروبي من بلير، وهو الذي كان له الدور الأساسي في منح المصرف المركزي البريطاني استقلاليته ورفض أن تعتمد بريطانيا عملة «اليورو». وهو يدعو إلى اتحاد أوروبي أكثر مرونة وأقل حمائية وأقرب إلى واشنطن.

وفي إطار محاكاة الإدارة الأميركية، يرفض خليفة بلير استبعاد كامل لاحتمال تدخل عسكري ضد ايران، مفضلا في الوقت ذاته حلّ هذه الأزمة «من خلال ضغوط متعددة الأطراف».

أما على الصعيد الداخلي، ففضلا عن دعوته إلى تعزيز استثمار القطاع العام في المجال التربوي، أطلق براون خططاً إصلاحية قد تبقى مجرد وعود، وذلك بسبب صعوبة تنفيذها أو لأنها ولدت من مقتضى الحاجة إلى مسح مقولة غموضه وافتقاده أي برنامج. وبعض هذه الخطط تتمثل في تعزيز دور النواب ومحاسبة النواب والوزراء، ووضع مدونة سلوك للوزراء لمكافحة الفساد. ووعد أيضا بمنح البرلمان إمكان التصويت على قرار المشاركة في أي حرب مستقبلا، وبمنح مزيد من الصلاحيات للأفراد والمؤسسات المحلية، إضافة إلى العمل على إيلاء أهمية كبيرة للهوية البريطانية، وذلك لمواجهة انغلاق المجموعات على ذاتها واحتمال تنامي التطرف. كما اقترح إعادة إطلاق النقاش حول وضع دستور مكتوب لبريطانيا.

لكن السؤال الأبرز على الصعيد الداخلي، يبقى في كيفية مقاربة الموضوع الإسلامي داخل بريطانيا. فإن الاندفاعة التي قدم بها بلير إلى السلطة عام 1997، حيال الاندماج داخل البلاد، تلاشت مفاعيلها في خضم حقبة ما بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة وما لحقها من حرب في أفغانستان ثم في العراق، إضافة إلى ما استتبعها من «حرب على الإرهاب».

فوعد بلير بجعل بريطانيا مكانا يشعر فيه المهاجرون بأنهم مرحب بهم، والذي ترجم إلى حد أدنى من التحسن في أوضاعهم، خاصة المسلمين منهم، سقط بفعل ما أحدثته «الحرب على الارهاب» في صورة المسلمين في البلاد، الأمر الذي انسحب على وضعيهم المعيشي والاجتماعي. ومع قدوم حكم جديد في بريطانيا، يبدو أنه لا يتوقع حدوث أي تغيير في ما تعانيه الجالية المسلمة، فبروان وعد باستكمال ما يسمى «الحرب على الارهاب»، وطبعا من دون التطرق إلى أي رؤية تحفظ الجالية المسلمة مما تعانيه جزافا، في حياتها اليومية، من الوظيفة حتى اللباس.

back to top