رحلة وأفكار مبعثرة
لمسقط الرأس وجغرافية الطفولة والمراهقة طعم ماء المطر وعبق رائحة الياسمين، طعم الصرخة الأولى والولوج إلى الحياة، والضحكة الأولى، واللعبة الأولى، والصديق الأول، والكلمة الأولى، والتمرد الأول، والقبلة الأولى، والنجاح الأول، والمجادلة الأولى... ومسقط الرأس ذلك له الكثير من الأوائل في الخليج العربي بعد اكتشاف النفط.
كلما طرت إلى الكويت واقتربت الطائرة من مدرج الهبوط يرقص قلبي فرحاً، وتزورني صور متداخلة من الماضي فيها أطفال يركضون، وطلبة يتشاكسون، وبحر يلقي بأمواجه المتكسرة على الشاطئ، وماما أنيسة، و«قرقيعان» رمضان، وقبلة خائفة ومتوارية، واعتصام سلمي لطلبة يحضرون أنفسهم لعالم لا يخلو من الكآبة، وخريجون مهرة يكدون لإنتاج عالم أذكى وأجمل، وأصدقاء يستديرون حول حطب يشتعل ويتسامرون عند مداخل الصحراء في ليلة قمرية ربيعية، ومدافع فاجأت المكان والناس وبعثرت السكينة والصور التي رسمناها، ورحيل قسري حمل معه «بكجة» من ذكريات الناس والمكان.لمسقط الرأس وجغرافية الطفولة والمراهقة طعم ماء المطر وعبق رائحة الياسمين، طعم الصرخة الأولى والولوج إلى الحياة، والضحكة الأولى، واللعبة الأولى، والصديق الأول، والكلمة الأولى، والتمرد الأول، والقبلة الأولى، والنجاح الأول، والمجادلة الأولى... ومسقط الرأس ذلك له الكثير من الأوائل في الخليج العربي بعد اكتشاف النفط؛ فهو أول الديموقراطية البرلمانية، وأول الحرية الاجتماعية، وأول التعليم الجامعي، وأول المسرح والإذاعة، وأول التنوع الفكري، وأول حرية الصحافة، وأول الاقتصاد الحر، وأول كرة القدم.ومنذ سنين قليلة أزورها كل سنة مرة، كما تقول فيروز في أغنيتها، لحضور اجتماع دوري لمنتدى فكري يدعى إليه أكاديميون واقتصاديون وسياسيون ومفكرون ورجال أعمال يحاولون بهدوء وبتكثيف أن يفهموا ما يجري حولنا ويتخيلوا ملامح المستقبل القريب. ودائماً ما يصاحبنا على طاولة الحوار أحد قدامى طبقة التجار الكويتيين، فيؤكد لي ما عرفته عن هذه الطبقة من تواضع وحكمة وعفوية وغيرة على البلاد وتأثير إيجابي على الحياة السياسية والاجتماعية. فهذا الجيل كان ومازال حارس الحكمة والوسطية هناك، كما أحاول التعرف من خلال تلك اللقاءات على ملامح الجيل الجديد من طبقة التجار والاقتصاديين. وهذه الطبقة أعتق من اكتشاف النفط والاستقلال، فقد ملكت هذه الطبقة أكبر أسطول بحري في الخليج قبل النفط، ورسمت ملامح دورها السياسي والاقتصادي باتفاق ودي مبكر مع العائلة الحاكمة.ولسنين طويلة، بعد الرحيل القسري، لم أذهب إليها، وعندما ذهبت إليها كان يشغل بالي ثلاثة أمور؛ فذهبت إلى شاطئ البحر لأسمع موسيقى الأمواج وهي تتكسر على الشاطئ، وأتأمل في عتمة الفراغ البعيد مطلقاً العنان لخيالٍ «يتحزر» ذلك الذي وراء البحر، وأراقب الصيادين ينتظرون بصبر والأطفال يقفزون فرحين في الماء، وأنظر إلى أضواء السفن والقوارب البعيدة وهي تسير بطيئةً على سطح الماء، وأستحضر ذاكرتي وأنا أتمعن في بعض تلك المنازل التي مازالت قائمة مقابل البحر على الرصيف الآخر وكان يسكنها أصدقاء وأحباء رحلوا. وأشتم رائحة السمك الطازج، وأعد نفسي بوجبة ربيان بالرز متحدياً وصايا الطبيب، فالربيان قنبلة موقوتة من الكولسترول (الدهون).ولعل أهم ما في البحر هو قدرته على غسل الروح وإغراؤه لرواده لممارسة السباحة والرياضة، والبحر نعمة لكل مدينة تجاوره، فبعض الدراسات خلصت إلى أن الذين يسكنون إلى جوار البحر أكثر فرحاً وسكينة وأقل حدية من الآخرين. وقد نجد سبباً في ما أفصحت عنه الدراسات العلمية من أهمية الرياضة للصحة النفسية، «فالتمارين الرياضية تساعد في إفراز المخ لمواد كيميائية مثل الاندورفينس التي تجعل الإنسان يشعر أنه في حالة أفضل». وقد يصبح للبحر والرياضة أهمية متزايدة بعد أن كشف العلماء أخيراً عن «أن الجيل الجديد من الأدوية المضادة للاكتئاب غير ذات نفع من الناحية العلاجية بالنسبة للعديد من المصابين». فالبحر دعوة مفتوحة لرياضة مجانية، أكانت على شاطئه أم في مائه. بعد ذلك، ذهبت إلى جامعة الكويت، حييت تعلمت وعلمت فيها، وكانت حدثاً يومياً لما يقرب العشر سنين، وذهبت إلى ذلك المكان الذي كنا نسميه «المربع»، حيث كنا نلتقي ما بين المحاضرات أو بعد الدوام لنتحدث أو نغني أو نرقص أو نلعب الورق أو نقرأ كتابا أو نتجادل أو نتهامس أو نحتج. تغير المكان ولكن بقي «المربع» وبقي بلاطه القديم الذي كنت أميز به صوت طقطقة حذاء ذلك الحب كلما اقترب مني. وذرفت دمعة سقطت حارة على خدي عندما اكتشفت أن مدرجي 100 و101 قد اختفيا من المكان، فقد شهد هذان المدرجان ديناميكية تلك المعادلة المتميزة لجامعة الكويت التي تجمع ما بين طالب متفوق دراسياً وفاعل اجتماعياً وثقافياً وسياسياً. ذهبت إلى مكتبي الذي لم يبق من ملامحه سوى باب الدخول، وضعت يدي على الباب ودفعته بقوة إلى الأمام وتركته يندفع إلى الخلف سريعاً فيطرق خشب إطاره، فلقد اشتقت لصوت طرق ذلك الباب، والذي كنت أسمعه عشرات المرات يومياً. رأيت شبح أصدقائي يجلسون على رف طويل أسفل زجاج الممر المؤدي إلى مكتبي فألقيت عليهم التحية، فتخيلتهم يبتسمون. تلك الجامعة خرجت طلاباً أبدعوا في حياتهم المهنية، ومازلت ألتقي ببعضهم من وقت إلى آخر ويحدثونني دائماً عن امتنانهم وفخرهم بتلك التجربة.وكان لا بد لي أن أطلق العنان لتلك الروح الثقافية التي تشكلت ملامحها الأولى هناك، في الكويت، وأصيبت ببعض الخجل والكسل بعد الرحيل. فجالست صحافيين ومثقفين من مدارس فكرية متعددة ومن المجتمع المدني ومسؤولين رسميين، وألقيت محاضرة في الجامعة الأميركية، وأجريت مقابلات صحفية مكتوبة ومذاعة ومتلفزة، ودردشت مع خبراء أعضاء في ديوانيات متخصصة مثل ديوانية الاقتصاديين؛ يعني «فشة خلق» ثقافية. ويبقى ذلك الحراك الثقافي أهم ما يميز ذلك المكان، والذي قد يصل أحياناً إلى حد المناكفة بسبب ازدحام الآراء والأفكار وصراحتهم.أما الحارة التي ترعرت فيها فلم يبق فيها إلا صديق واحد هو أقربهم إلى قلبي. ومازال بيتي قائماً بينما تغير كل شيء كان حوله.قبل أيام شاهدت فيلم «قائمة الأمنيات الأخيرة» (The Bucket List)، وهو من الأفلام التي تجمع بين الدراما والكوميديا والمغامرة، وفيه يقول مورغن فريمان لجاك نيكلسون وهما جالسان على سفح تلة تطل على الأهرامات المصرية: إن قدماء المصريين كانوا يعتقدون أنه عندما يموتون يُسألون سؤالين يحدد جوابهما مصيرهم ما بعد الموت؛ هل استمتعت في حياتك؟ وهل جلبت حياتك المتعة للآخرين؟ هذان السؤالان يختصران ذلك الهاجس الذي صاحبني منذ تشكل وعيي الأول في ذلك المكان، ومازال ضميري يلقيهما عليّ من حين لآخر في خلواتي.لمسقط الرأس متعة أول الأشياء مع أول الناس، ومازال القلب يخفق حنيناً كلما تذكر.