ماذا يعرف العرب عن الأدب الصيني الحديث؟ غابة عذراء برسم الاختراق والاكتشاف

نشر في 28-08-2007 | 00:00
آخر تحديث 28-08-2007 | 00:00

يشبّه المستشرقون الأدب الصيني بغابة عذراء يتوقف المثقفون الغربيون عند أطرافها من غير أن يجرؤ أشجعهم على اقتحام أعماقها. ألم يتمحور معظم الدراسات والأبحاث حول مختارات من الشعر والمسرح والقص الغرائبي. لا نعرف مدى دقة هذا الوصف طالما أننا غير متضلعين من الثقافة الصينية وجوهرها.

اللافت في العالم العربي أن دور النشر تترجم الادب الصيني الذي يأتيها من الغرب، ربما لصعوبة اختراق «الغابة العذراء»، هذا اذا استثينا زمن ماو تسي تونغ وقصائده وكتابه الاحمر وكراساته. واذا تأملنا في مواضيع الروايات الصينية المترجمة الى العربية او الى اللغات الغربية فمعظمها يأتي في مسار «ضد الثقافة الماوية». والحال ان دور النشر الغربية (لا تختلف العربية عنها) بدأت تبدي اهتماما أكبر بالأدب مذ أصدرت الصينية_ البريطانية يونغ تشانغ مذكراتها «بجعات برية» (ترجمت الى العربية لدى «دار الساقي») قبل خمسة عشر عاماً. تكتب يونغ تشانغ عن جدتها التي بيعت من جنرال عسكري زفّت إليه أياماً ثم ذهب لمواصلة معاركه والعيش في جوار أخريات وزوجة رئيسية تقيم في مدينة أخرى بعيدة، فيما بقيت الجدة ست سنوات ممنوعة من الخروج إلى الشارع. تنتقل الكاتبة إلى قصة والدتها التي شاركت في حرب الاستقلال وساعدت الشيوعيين الذين جاؤوا ليوقفوا نزف الظلم والمجاعات وتسلط الرأسماليين وليصححوا الأخطاء، إنما ليقعوا في أخطاء أكثر هولاً وشدة وتشدداً، إذ حسبوا انهم يوزعون العدالة على الجميع فيما هم يوزعون البؤس بالتساوي على الناس. الكاتبة تشانغ ابنة مخلصة، تربت على تعاليم ثورة ماو الثقافية ومعه كبار المسؤولين في الحزب الشيوعي الذين نذروا حياتهم للحزب. تفتحت عيناها وعقلها على زملاء لها ينضمون الى الحرس الأحمر ويخرجون الى الشوارع والجامعات ليطبقوا تعاليم ماو، ويعاقبوا معلمة في مدرستهم بالضرب لأنها تزوجت من رجل إلتقته بالمصادفة في حافلة وأحبته، لأن الحب بالمصادفة ضد الأخلاق الماوية ويحرقون كتب الأدب الكلاسيكي الصيني ويحرمون المسرح إذ قد يحمل إيماءات لأخطاء ماو السياسية. تتفتح الكاتبة على حقائق مغايرة لما كانت تظنه عدلاً. تقول في أحد مقاطع الكتاب: «فيما كان الطلبة يشعرون بالإثارة لأنهم يستعرضون سلطتهم على الكبار، وقفت في المقهى فوق رأس رجل عجوز اعتبرناه عدواً طبقياً وبورجوازياً لأنه يجلس في مقهى، والجلوس في المقهى يعدّ نمطاً من الحياة البورجوازية السابقة التي يجب أن تمحى، وكل ما سبق ماو يجب أن يزال، تمالكت شجاعتي وقلت له: «قم غادر من هنا». سألني: «إلى أين؟»، قلت اذهب الى بيتك. فقال: «أي بيت؟» إنني أشترك مع حفيدي في غرفة صغيرة، لديّ زاوية محاطة بستارة من الخيزران للسرير فقط وعندما يكون الأولاد في البيت آتي هنا لبعض الوقت للراحة والهدوء. لماذا تحرمينني من هذا؟». «بجعات برية» رواية تجعل القارئ يتوغل في الصين، كما هي في التصور وفي واقع سجونها، في مشاهدها الجماهيرية الحاشدة كما في مقصورات النساء والخليلات. إنها في آن عمل مهم من أعمال التاريخ المعاصر وشهادة غير عادية عن الروح الإنسانية.

يبدو ان نجاح «بجعات» يونغ تشانغ جعلها تتحمس كثيرا في البحث عن فضائح لماو من تحت التراب كما يقولون، اذ اصدرت قبل مدة كتاب «ماو: القصّة المجهولة» بالتعاون مع زوجها. الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية تفصيلية لماو الذي تمتع بسلطة مطلقة على زهاء ربع سكان العالم، مسؤولا عن وفاة ما يزيد على سبعين مليون شخص في زمن السلم وتفوق في ذلك على اي زعيم آخر في القرن العشرين. ولد ماو في عائلة من الفلاحين. في المرحلة التي عرفت بمرحلة التحول من القدم إلى الحداثة داخل المجتمع الصيني وتأثير ذلك على تحوله شيوعياً بسبب ضعف ايمانه. يفند الكتاب الكثير من الجوانب المعروفة عن شخصية ماو وفي مقدمتها إيمانه بالاشتراكية. يكشف أن ما كان يحركه ليس سوى الطموح الشخصي. من أجل تحقيق ذلك لم يتوان عن دخول مؤامرات لتحقيق أهدافه. تتهم تشانغ ماو بأنه كان وراء المجاعة الكبرى التي اعقبت «القفزة الصناعية» في الخمسينات. تنقل عن شهود عيان كيف ان زوجة ماو الثانية وضعت طفلا خلال المسيرة الطويلة لكنها ارغمت على ترك المولود خلفها. كما تعرض تفاصيل جديدة عن حياة ماو مع النساء وبينهن ايميلدا ماركوس زوجة الديكتاتور الفيلبيني التي كانت تعتبر مع زوجها فرديناند اقرب الناس الى الاميركيين فيما كان ماو ينادي بارسال الامبريالية الاميركية الى قمامة التاريخ.

جبل الروح

معظم الروايات الصينية يأتينا من الغرب ما عدا الكراسات الماوية لا نعرف من أين كانت تأتي والى أين ذهبت؟ في العام 2000 نال الفرنسي_ الصيني غاو كيسنغيان نوبل الأدب عن روايته «جبل الروح»( ترجمت الى العربية لدى أكثر من دار النشر) التي كتبها بعدما أخبره الأطباء خطأ أنه مصاب بسرطان الرئة وتلقى في الوقت نفسه تحذيرات على كتاباته المضادة للثورة. ترك بكين وبدأ رحلة على مسار خط يانغتزي سيراً على قدميه وتناول في الرواية اقترابه من الموت وتمسكه بالفردية. ترك بلاده الى فرنسا بعد مجزرة ساحة «تيان ان مين» وأصدر «الهرب» التي تدور خلال المجزرة التي داست فيها الدبابات المتظاهرين. رفض سياسة بلاده لكنه رفض أيضاً اعتبار الأميركيين أن الضحايا أبطال. قال ان على الأدب أن يبقى بارداً ويتجنب السياسة واعتبر الشخوص الأدبية ابتكارات تحتفظ بقيمة نفسها. رواية غاو الرئيسية «جبل الروح» مفعمة بالبحث عن جذور سلام الإنسان الداخلي. تعتمد الحرية منطلقاً لهذا السلام. يقول الكاتب انه لا يرى شيئا آخر في الحياة اهم منها وان حرمانه من الحرية طوال حياته حتى فراره الى فرنسا هو الدافع الرئيسي وراء هذه الرواية وباقي الأعمال الفنية التي قدمها خارج وطنه بعدما منع الحزب الشيوعي الصيني نشر رواياته وقصصه ومنع عرض اعماله المسرحية. في المقابل، لا تكتب الروائية الصينية وي هيوي في روايتها «شنغهاي بيبي»(ترجمت الى العربية ترجمة رديئة عن دار «الجمل» وتستعد الدار نفسها لاعادة ترجمتها) عن الواقع الشيوعي والتحولات التي احدثتها الثقافة الغربية في المجتمع الصيني ولطالما كانت منبوذة من النظام الماوي. أثارت روايتها حفيظة السلطة الصينية لأنها تتناول مجتمع الشباب الحالي في شنغهاي الذي يرقص على إيقاع الموسيقى الالكترونية ويتعاطى المخدرات ولديه علاقات غرامية عابرة ولا يؤمن بالسياسة. وي هيوي، ابنة ضابط حربي، كانت أمضت ثلاثة اعوام من طفولتها في معبد احتله الجيش وشرِّد منه رهبانه خلال فوضى الثورة الثقافية في الصين. درست الأدب في جامعة فودان في شنغهاي. عندما أمرت الحكومة الصينية بحرق أربعين ألف نسخة من كتابها قامت بأفضل دعاية لها. صدرت الرواية في 19 بلداً وبات منع الأعمال الأدبية شركاً لاصطياد ناشر غربي يوفر الثروة والشهرة لكتّاب الصين. بينما صدرت بجعات تشانغ في 30 ترجمة.

روايات أخرى

ثمة روايات صينية عديدة ترجمت الى العربية منها رواية «حلم البحر» لباجين(ترجمت لدى «المركز القومي» القاهرة) تتحدث عن مقاومة العدوان الياباني والدفاع عن حق الجيل الجديد في الحرية بمفهومها الشامل سواء كانت حرية الفكر أو حرية العقيدة أو حرية العاطفة. ورواية «باب السلام السماوي» لسان شا(ترجمت لدى «المركز الثقافي العربي») التي تبدأ من حوادث ساحة تيان آن مين الطالبية وتحكي عن الخوف الذي عاشته الفتاة أيمي في ظل النظام الشيوعي. تختبئ لتغادر بكين. تجتاز ألوف الكيلومترات هرباً نحو الجبال فيلاحقها الجندي زاوا بلا هوادة، يدفعه الى ذلك إيمانه الذي لا حدود له بالنظام الأعمى. ولا ننسى رواية «بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة» لداي سيجي(ترجمت لدى «المركز الثقافي العربي») تروي قصة شابين أرسلا الى مزارع التأهيل والإصلاح بسبب مخالفات فكرية عقائدية لوالديهما، ثم صارا مغرمين بقراءة الكتب الأجنبية الممنوعة التي سرقاها من زميل لهما. وفي رواية «نصف الرجل امرأة» لـزانغ كزيليانغ (ترجمت لدى «دار الانتشار العربي») نقرأ عن عالم الصين الداخلي وناسه المقموعين في معسكرات العمل والمزارع النائية حيث يتحول الإنسان إلى مخلوق مجرد من أحاسيسه ورغباته، ينفذ أوامر مكبرات الصوت فحسب.

تتحدث وسائل الاعلام عن موجة جديدة من الروائيين الشبان في الصين لا نعرف عنهم شيئا في العالم العربي وهم لا يعرفون متاهات الثورة الماوية وفظائعها. تشكل الرقابة الغول الذي يرهب الكتاب الشباب والناشرين في الصين، إذ يؤكد جميعهم على الحضور القوي للرقابة وأنها تلعب دورا كبيراً، غير أن البعض يرى أن الإنترنت خفف من هذا العبء. لأحدنا أن يتخيل الرواية في الصين مثل الصناعة، ماذا سيحصل؟ إنه مجرّد تخيل إذ نعرف الكثير عن واقع الصين الثقافي في العالم العربي؟

back to top