أصدر كتابه الجديد الساخر Mere Anarchy وودي آلن يثابر على الدعابة في مانهاتن

نشر في 06-08-2007 | 00:00
آخر تحديث 06-08-2007 | 00:00

أصدر وودي آلن كتابه الجديد «مجرد فوضى» بعد 27 عاماً من الانقطاع. يبدو أن هذا الكتاب استحق الانتظار. يكرّم الناقد بويد توكين أحد أهم كتّاب الفكاهة في نيويورك مقدّماً قصة قصيرة من مجموعته التي طال انتظارها.

هل وودي آلن كاتب؟ لطالما كان كذلك. إذ بدأت حياته المهنية في البرونكس عام 1952 وقت راح يرسل الدعابات إلى إيرل ويلسن الصحافي في «نيويورك بوست». بعيد ذلك، مدّ الناشر دايفد ألبر بالدعابات لقاء عشرين دولاراً أسبوعياً. هكذا بدأ يرتقي سلم المجد سريعاً إلى أن بلغ القمة لدى مشاركته في برنامج Colgate Comedy Hour في 1955. يقول بربري هوليوود الحاد الطباع كولي بيغز لعملاق الأدب المفتقر إلى المال فلاندرز ميلورم في قصة آلن This Nib for Hire: «يحتاج كل كاتب مبدع إلى تأمين قوته خوفاً من الموت قبل ابتكار تحفته الفنية».

ضاحك مانهاتن

تتجسد تحفة آلن الفنية في نصف قرن عملاً من خلال الكلمات المصوغة بإبداع مذهل. رفض آلن التخلي عن أسلوب برغمان المتقلب في السينما وشخصيته المميزة على غرار مايكل كاين وسكارلت جوهانسون، وألحانه الأميركية الساحرة. نتيجة لذلك، شمخت أفلامه تدعمها نصوصه المتقنة تماماً كارتفاع ناطحات السحاب في مدينته العزيزة مانهاتن. يشبه وودي من دون كلماته الخاصة هاربو من دون غروشو وروجرز من دون هامرشتاين. لم يقم مطلق الدعابات في الخمسينات والبائع التجاري في الستينات بإخراج أي فيلم، لكنه ما فعله للمرة الاولى عبر مزج نصه بفيلم من أصل ياباني لإخراج فيلم What’s Up, Tiger Lily عام 1966. مع ذلك يستحق شهادة تكريم كونه أحد أهمّ فكاهيي الأدب في مدينة نيويورك.

لطالما عمل آلن في مجالات البهجة على اختلافها. عام 1966، شهد بداية عمله مخرجاً لما لعب درواً في النسخة التلفزيونية الأولى من كتاب Casino Royale لمؤلفه إيان فلامينغ (مبتكر سلسلة جيمس بوند)، أطلق مسرحيّته، Don’t Drink the Water on Broadway. البارز أنه باع أوّل مشهد مسرحي هزلي لمحرري مجلّة «نيويورك». لفترة طويلة كرّست المجلة صفحات خاصّة به وبقصصه في آن. في الواقع ترسّخت قصصه الخياليّة والساخرة متعارضة بين الثقاقات والمثل العليا والرغبات الجسديّة، أي مع كل ما ارتكز عليه لكتابة نصوص أفلامه. عام 1971 نشر كتابه الأوّل Getting Evenجامعاً فيه أعمالاً متعددة. تبعه كتاب Without Feathers (1975) Side Effects (1980). أمّا كتابه الأخير الصادر بعد ربع قرن من الجفاف الذي عاناه المعجبون بكتابات آلن الكوميدي فجمع في Mere Anarchy قسماً كبيراً من كتاباته في مجلّة «نيويورك». يبرّر ذلك فترة الانتظار. تقول الممثّلة بولا بيساري المقيمة دعوى قضائيّة ضد وكلاء هوليوود في فيلم Caution Falling Moguls: «لو أتمكّن من التمتّع براحة صغيرة وأستلقي على قلوب طبقة ثابتة من المعجبين». يمكن طبقة المعجبين بآلن أن تفرح مجدّداً.

تألقه وتفرده

لطالما أخذ النقّاد على أفلام آلن خلوّها من القذارة والتنوّع أو حتّى الخطر المنتشر في منهاتن السبعينات والثمانينات على الأقلّ. آثر ان يعكس صورة جذّابة عن الأحلام البورجوازيّة. ردّاً على ذلك يعترف: «نيويورك في أفلامي هي ما أودّها أن تكون عليه». لذا ليس واقعياً أو اجتماعيّاً ما ابتكره بل عالم الضحك وأرض أحلام من الحب والخسارة والسوشي والحفلات والعروض والعلاجات. يرفرف هذا العالم المولود في مكان أبعد من شوارع المدينة الوسخة والصاخبة».

يمكن تشبيه قصصه بالأطباق اللذيذة المحيّرة. فيها تقلّب الحوادث بطريقة ابتكارية ساخرة وأسلوب أدبيّ فريد. يمكن نسب بعض عبقريته إلى مثاله الكوميدي الأعلى سيدني جوزف بيريلمان، العبقري الذي كتب أفضل نصوص فريق Marx Brothers وقصص دايمون رانيون الطريفة والشاعرية. غير أنّ لمسة آلن فريدة في مختلف كتاباته. يكتب نيتشه كتاباً عن الحمية فيتدخّل مفكّرون من الوزن الثقيل قائلين: «أطلب كما تتمنّى لأي إنسان على وجه الأرض. ماذا لو كان الرجل الجالس قربك لا يتناول صلصة الأفوكادو؟» تتركّز العينان على أغلى حلوى ترافل في العالم: «يقال أنّ غورينغ كان على وشك تناولها حين صدم بخبر انتحار هتلر. يتناول دونالد داك المحبط حبوب البروزاك وهو قلق إذ «ينتهي به الأمر قريباً في إحدى الوجبات الصينيّة».

يعتبر تحليل المشاهد التي يؤدّيها آلن بلا فائدة. مع ذلك يستحيل ألاّ ينتبه القارئ إلى ما يضيفه آلن إلى نصوص ضعيفة كتبها فكاهيّون لم ينجحوا في التقدّم إلى مستويات أكثر رقيّاً في عالم العروض. صحيح أنّ موهبة آلن قادته إلى التألّق والتفرّد في مهنته غير أن الوضع مختلف راهناً. كان آلن في الوقت عينه كاتب النصوص الكوميدية ومؤدّيها ومصحّح النص، والمخرج في آن. ابتكر لنفسه شخصيّة الرجل المثقّف الذي يعيش وسط الرجال الجاهلين في برودواي وهوليوود. بدأ هذا الرجل حياته هادئاً ومع الوقت أصبح قناع الهدوء وجه الحقيقة.

قصّة « Nanny Dearest» بقلم وودي آلن

«ما هذا الشرّ الرابض على قلوب الرجال؟ وحده الطيف يعرف». تترافق الجملة بضحكة ساخرة تتحوّل قشعريرة تسري في الظهر كلّ أحد حين كنت أجلس شاباً مبهوراً بين المنتظرين حول الهاتف في الشتاء القارص. في الواقع لم تكن لدي فكرة عمّا كان يحصل قبل عدة أسابيع ثمّ بلغني اتصال من نصفي الثاني عندما كنت أعمل في المكتب على قضيّة بورك وهار. رجف صوت المرأة الذي اعتاد أن يكون هادئاً فعرفت أنّها عاودت التدخين. أعلنت بصوت رصين: «هارفي، علينا أن نتكلّم».

«هل الأولاد بخير؟» سارعت بالردّ وأنا أتوقّع أن تقرأ على مسمعي رسالة طلب الفدية.

«بلى، بلى، لكن حاضنة الأطفال، حاضنتنا، يهوذا الخائن بشكل امرأة مبتسمة، الآنسة فلفيتا بلكناب». «ما الأمر؟ لا تقولي لي أنّ هذه البلهاء كسرت كوباً من أكواب توبي من جديد». وأتى الجواب عبر صوت كأنّه صوت شخص من القبر: «إنّها تؤلّف كتاباً عنّا».»عنّا؟»، «عن خبرتها كونها حاضنة أطفال في بارك أفنيو لعدّة سنوات».

سألت والندم يمزّقني، لأنّني لم أعر اتفاق الحفاظ على السريّة أهمية «كيف عرفت؟». «دخلت إلى غرفتها إثر ذهابها لإرجاع بعض الأغراض التي استعرتها قبل العطلة. عندما مررت قرب طاولتها جذب انتباهي فجأة دفتر لم أستطع مقاومة إلقاء نظرة إلى ما كتب: «عزيزي، الأمر محرج إلى حدّ لا يمكنك تصوّره وبخاصّة كلّ ما يتعلّق بك». تقلّصت عضلات وجهي وبدأ العرق يتصبّب من جبيني ولم أتمكّن من السيطرة عليه. أضافت الزوجة المحبوبة: «ما إن تعود إلى المنزل سوف أطردها. إنّ الأفعى تنعتني بالسافلة». «كلا! لا تطرديها. لن يمنعها الأمر من نشر كتابها بل سيدفعها إلى التعبير عن مرارة أكبر وشرّ أشدّ سوءاً». «ماذا أفعل إذاً حبيبي؟ أتدرك كيف يمكن لهذه الفضائح أن تؤثّر على أصحابنا المهمّين؟ لن نتمكّن من ارتياد الأماكن الفخمة التي اعتدنا عليها من دون أن توجّه إلينا الأنظار الثاقبة والتعليقات اللاذعة. عندما تتكلّم فلفيتا عنك تقول «رجل سخيف وساذج يضع أطفاله الضعفاء في أفضل مدارس الحضانة بينما لا يعرف كيف يتصرّف في غرفة النوم». رجوتها: «لا تقدمي على أي عمل، دعيني أتولّى الأمور العنيفة». «كن منطقيّاً عزيزي. لقد وصلت إلى الصفحة 300». وأقفلت حبيبتي الخطّ بقوّة ليبقى صوتها يطنّ في أذنيّ وكلماتها تتردّد من دون توقّف. تمارضت ثم تركت العمل باكراً، أوقفت سيّارتي جنب الطريق لأستعيد ما حصل توسّلاً للحل».

إنّ قصّتنا مع حاضنات الأطفال غاية في الإثارة بتغيّراتها المتوالية بدءاً من حاضنة سويديّة تشبه الملاكم ستانلي كتشل. كانت دقيقة جدّاً في تصرّفها. أرست التهذيب في قبيلة الصغار فكانوا يلتزمون بأوقات الطعام المحددّة وأجسامهم ملطّخة بالكدمات الغريبة. حين كشفت آلات التصوير المخفيّة في منزلنا الحاضنة وهي ترمي ابني من فوق كتفيها اتّبعت معها الطريقة ذاتها.

يبدو أنّها لم تكن معتادة أن يتدخل أحد في شؤونها فرفعتني عن الأرض ورمتني على الحائط قائلة: «لا تتدخّل في حياتي، إلاّ في حال أردت أن ينتهي بك الأمر في سرير المستشفى».

غضبت جدّاً فطردتها ولم أضطرّ الى الاستعانة إلاّ بفرقة واحدة للتدخّل السريع. تبعتها فيرونيك (حاضنة فرنسية تبلغ من العمر 19 عاماً دائمة الحركة والترغلة). مع شعرها الأشقر وساقيها المثيرتين وطولها الممشوق بدت كأنّها خارجة من فيلم إباحي، أي بعيدة عن النوع العنيف. لسوء الحظ لم تبد التزاماً بقضيّتنا ففضّلت الاستلقاء على كرسي طويل في ثيابها الداخليّة وهي تتناول الشوكولا بينما تتصفّح مجلاّت الأزياء. تأقلمت مع شخصيتها أكثر من زوجتي، حتّى أنّني حاولت إشعارها بالراحة عبر فرك ظهرها من حين إلى آخر. عندما لاحظت زوجتي أنّني بدأت أرتدي الثياب الأنيقة في المنزل وحمل الفطور إلى سرير الجميلة الصغيرة انتفضت ضدّ فيرونيك وأجبرتها على توضيب أغراضها والمغادرة.

تبعتها فلفيتا، امرأة في الثلاثين عرفت كيف تربّي الأطفال وتحترم موقعها. عاملت فلفيتا كعضو من العائلة لا كخادمة. لكن بعد اكتشافي الأخير صرت أفكّر فيها كثيراً وبخاصة في طريقة التخلص منها.

ذات يوم دخلت فلفيتا في اللحظة التي كنت أخفي فيها زجاجة اليود في خزانة المطبخ.

سألت ضاحكة: «أنت في المنزل... هل تعرّضت للطرد؟»

«أدخلي، وصلت في الوقت المناسب لتناول القهوة»

«أنت تعرف أنني لا أحتسي القهوة»

أجبت متلعثماً: «أعني الشاي»

وأردفت: «هيا تناوليه بسرعة قبل أن يبرد»

«ألا يفترض أن يكون فاتح اللون؟».

«كلاّ، إنّه نوع جديد. هيا احتسيه سريعاً».

لا أدري ما حصل بعد ذلك. ربما كنت متوتراً أو خائفاً. أظنّ أنني تناولت الكوب الخطأ. في دقائق بدأت معدتي تؤلمني ولا أتذكّر ما حصل لاحقاً. إستيقظت في المستشفى لأكتشف أن الحاضنة قدّمت استقالتها إذ لم تعد تحب العمل وستتزوج صاحب ملايين. كما قررت ألا تنشر الكتاب بسبب تحوله إلى قصّة رعب. قرّرت آنذاك ألا أفكر في توظيف أي حاضنة قبل أن تحرز تكنولوجيا الرجال الآلية تقدماً مفيداً في هذا المجال.

back to top