مئة عام على ولادة كوكب الشرق المايسترو الياس سحّاب: لا مواهب بحجم موهبة أمّ كلثوم
يحتفل معهد العالم العربي في باريس، في حزيران المقبل، بمئوية ولادة أم كلثوم، ومرور 33 عاماً على رحيلها. لهذه المناسبة، فتح وزير الثقافة المصري فاروق حسني أبواب متحف أم كلثوم أمام رئيس المعهد بوديس ليستعير منه مجموعة من ملابس «كوكب الشرق» وأغراضها الشخصية، بهدف عرضها في العاصمة الفرنسية.
ليس هذا الأمر بالكثير على من وحّدت الجمهور العربي بصوتها، وتفوقت على فنانات عصرها باعتراف أهل الفن والموسيقى وكذلك المستمعين، حتى أن منيرة المهديّة أقرت بعجزها أمامها، فهل من مجال لمقارنتها بمطربي اليوم؟تعدت شهرة «كوكب الشرق» حدود العالم العربي إلى الغرب الذي قدر جمال صوتها وخامته الاستثنائية على الرغم من أنه يجهل اللغة العربية. فعندما غنّت على مسرح الأوليمبيا في باريس، قال لها الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول: «لمست بصوتك أحاسيس قلبي وقلوب الفرنسيين جميعاً». استهوت هذه الظاهرة التي تدعى «أم كلثوم» الكتاب والروائيين فصدرت كتب عدة عنها من بينها: «الهوى دون اهله» لحازم صاغية فسَّر عبره الواقع العربي من خلال ظاهرة «ام كلثوم»، رواية «مرسال الغرام» للروائي السوري فؤاد حداد، عبّر فيها عن الأثر الذي تركته كوكب الشرق في نفوس مستمعيها وعشّاقها الذين لم يزدهم رحيلها الجسدي إلاّ تعلّقاً بصوتها النادر. رواية «أم كلثوم» لسليم نسيب صدرت بالفرنسية وتمحورت حول قصة الحب والعلاقة التي جمعت بين أحمد رامي وأم كلثوم، ترجمت قبل أعوام إلى الإيطالية واقتبست منها مسرحية عن حياة أم كلثوم عرضت على المسرح الإيطالي. من جهة أخرى أصدرت الباحثة الأميركية فرجينيا دانيلسون كتاب «أم كلثوم.. صوت مصر» حاولت أن تفسّر فيه، كيف استطاع صوت هذه المطربة أن يجمع العرب من المحيط إلى الخليج، على الرغم من عوامل الفرقة والتمزق التي كانت بينهم وكيف استطاعت فرض احترامها على الجميع، حتى أولئك الذين لا يكترثون بالفنون أو الغناء بالإضافة إلى سرّ انتشارها في مرحلة زمنية قصيرة في بداية مشوارها الفني.وكانت لكوكب الشرق حصّتها من المسلسلات من بينها «أم كلثوم» لانعام محمد علي، إلاّ أنّ المؤرخة الموسيقية المصرية رتيبة الحفني رأت أن المسلسل «لا يمثّل إطلاقاً واقع حياة أم كلثوم إذ عرض الجانب الإيجابي لشخصيتها ولم يتطرق إلى سلبياتها الكثيرة»، كذلك اخرج محمد فاضل فيلما عن حياتها بعنوان «أم كلثوم» واستنبط مصمم الأزياء خالد المصري ازياءً جميلة لدى زيارة متحفها.الموهبةتعتبر موسوعة إحياء التراث الموسيقي العربي (ثلاثة مجلدات) للباحث الموسيقي إلياس سحاب وشقيقه الدكتور فيكتور من ابرز الكتب التي تطرقت الى حياة ام كلثوم وفنها. يتضمن المجلّد الأول (وضعه الياس سحّاب) سيرة أم كلثوم الشخصية والفنّية، أمّا المجلدان الثاني والثالث (وضعهما الدكتور فيكتور سحّاب) فيحتويان على أغانيها مع تحليل شامل لكل أغنية وكيفيّة تطوّر الأنواع التي غنّتها. في هذا الإطار صرَّح الياس سحاب لـ «الجريدة»، أنّ العمل في الموسوعة استغرق أربعة أعوام وتطلب جهداً كبيراً للإلمام بجوانب ظاهرة أم كلثوم. أما الصعوبة التي واجهته فتكمن في جمع المراجع المتوافّرة عنها على اختلاف قيمتها، ثم العمل على «غربلتها» للاحتفاظ بالجيد وترك الرديء، وهو أمر لم يكن سهلاً أبداً بحسب قوله. يضيف أنّ كونه تربّى على فنّ سيدة الغناء العربي ومطالعاته الكثيرة عنها قبل أن يكون هناك مشروع الموسوعة، سهّل عليه الأمر كثيراً. لم تكن الفكرة في البداية أن يصدر الأخوان سحاب موسوعة، لكن بعد الانتهاء من العمل اكتشفا أنّ بين أيديهما معلومات تتسع لموسوعة وربما أكثر. تناول الياس سحاب في المجلّد الأول( 350 صفحة) سيرة أم كلثوم الشخصية والفنية وتعمّق في فنّها ودرس خصائصه ووجد فيها عشر مزايا من بينها اتساع المساحة الصوتية لديها، معدن صوتها النفيس الذي يشبّهه بالألماس وأسلوبها في الغناء الذي يقول أنّه تأثّر كثيرا ببدايتها كمنشدة دينية، الأمر الذي أعطاها هذا التميز عن الفنانات اللواتي عاصرنها، لأن الإنشاد يتضمن أسرار الإيقاعات والمقامات العربية كلها. كذلك اعتمد على رأي الناقد الموسيقي كمال النجمة في الدراسة العلمية لحنجرة أم كلثوم. جمع الدكتور فيكتور سحاب في المجلّدين الثاني والثالث، كلّ أغاني أم كلثوم وعثر في خلال بحثه على الكثير من الألحان المفقودة كتسجيلات وليس كمراجع ووجد مع شقيقه بين الأغنيات المفقودة حوالي خمس عشرة أغنية في مديح الملك فاروق. يبدو أنّ أم كلثوم، بحسب سحّاب، لم تكن تحب هذه الأغاني لأنها لم تغنها في الإذاعة. بعد «حملة التفتيش» التي قاما بها من أجل إتمام هذا العمل، بقي عدد قليل من أغاني أم كلثوم مفقوداً، حضّرا فيها لائحة ليفتّش عنها القارئ أو أي شخص آخر مهتم بهذا الأمر.بالنسبة الى الياس سحّاب ليس هناك موهبة اليوم توازي موهبة أم كلثوم، التي صقلتها باجتهادها الشخصي الكبير وعلاقتها مع جيل العظماء والمبدعين الذين كانوا يحيطون بها. في بداية القرن العشرين ومنتصفه، كانت الحياة العربية والمسرح والحركة السياسية والاقتصادية جميعها «عظيمة» فانعكس ذلك على فنّها. يقول سحّاب: «لا مواهب بحجم موهبة أم كلثوم. ستبقى حية في فنها مئة في المئة طالما هناك «أمّة عربية»، لأنها من أعظم ما أنتجت هذه الأمّة». اشترك في هذا الجهد حوالي عشرة أشخاص، بمن فيهم الناشر رجل الأعمال الكويتي، المغرم بأم كلثوم، كما يقول الياس سحّاب. سيرةتضاربت الآراء حول تاريخ ميلاد أم كلثوم الذي تأرجح بين الأعوام 1896، 1902 و1904 إلا أن الثابت أنها رأت النور في قرية «طماي الزهايرة» مركز السنبلاوين، محافظة الدقهلية في عائلة فقيرة. فتاريخ ميلادها المثبّت في السجلاّت هو 4 أيار(مايو) 1904، إلاّ أنّ رواية وردت في الكثير من المراجع تقول أنها وُلدت فعلياً في 20 كانون الأول (ديسمبر) 1898. والدها الشيخ ابراهيم البلتاجي، كان يعمل مؤذناً لمسجد القرية ويؤدي التواشيح الدينية ويحيي الليالي الدينية في قريته والقرى المجاورة. في العاشرة من عمرها كانت أم كلثوم تردّد بإتقان القصائد النبوية والصوفية وبعض الأدوار القديمة والتواشيح التي سمعتها من والدها. غنّت للمرة الأولى، في حفلة معه، ونالت أجرها وقتئذ، «طبق مهلبيه». كان لإنشاد القصائد والإبتهالات الدينية تأثير كبير وإيجابي في فنّ أم كلثوم، لأنه يُعتبر من الفنون الصعبة ولأنّه زوّدها بثقافة موسيقيةً كبيرة، جعلتها تتّخذ لنفسها نهجاً جديداً، تولي فيه اهتماماً شديداً بالقصيدة، فكانت النتيجة أن ابتعدت عن الأغاني المبتذلة والمائعة. فضلاً عن موهبتها وصوتها الجميل وحنجرتها التي أدهشت العالم، بقيت أم كلثوم طيلة حياتها تنمّي ثقافتها الموسيقية وتعمل على صقل موهبتها. فتعلّمت العزف على العود وأجادته، حتى أنها لحّنت لنفسها أغنيتين من شعر أحمد رامي هما «يا نسيم الفجر» و«على عين الهجر». إلاّ انها عادت وتركت مسألة التلحين لغيرها لسبب ما زال مجهولاً على الرغم من قدرتها على ذلك. خلال تعاملها مع كبار الملحّنين أمثال أبو العلا محمد، أحمد صبري النجريدي، عبده الحامولي، محمد القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، محمد عبد الوهاب، بليغ حمدي وكمال الطويل، لم تجد حرجاً في التدخل في عمل هؤلاء لتصبغه بنكهة «أم كلثوم».