المستحيل في الأدب العراقي

نشر في 11-04-2008 | 00:00
آخر تحديث 11-04-2008 | 00:00
No Image Caption
تأليف: عبد اللّطيف الحرز

الناشر: الفارابي

يطلّ عبد اللّطيف الحرز من نافذة الغربة على المحبرة العراقيّة العملاقة، وفيه الحنين ووجع الحرف الناشد وطنًا في زحمة الأمم «سلامًا على حروفنا الغرقى في دجلة الجديدة» (ص.7).

ويعود الكاتب إلى زمن بدايات بغداد يوم بناها الخليفة المنصور ليقرن بناءها بالنار حقيقة لا مجازًا إذ طلب الخليفة إشعال النار في بغداد وهو ينظر من مكان مرتفع ليستدلّ ويعرف كيف يرفع أسوارها ومبانيها. ويمدّ الحرز يده عميقًا في ذاكرة التاريخ ليقبض بشباكه العاشقة على رحيق البدايات المعرفيَّة «ألواح الطين المصنوعة من عجن الماء والتراب هي شاشات المعرفة الأولى» (ص.12). ولا يخفي صاحب المستحيل فرحه بسقوط دكتاتور بغداد صدّام حسين، معتبرًا أنَّ بهذا السقوط يمّحي نوع من الثقافة التي لم تكن أكثر من ظلّ بين ظلال كثيرة لسفّاح واحد. وصحيح أنّ سور بغداد قد تهاوى غير أنّ السور الوحيد العصيّ على الإنهيار يبقى سور الأدباء والشعراء وأهل الفكر والفنّ والإبداع.

لا شكّ أنّ الحرز قد أتى بمؤلَّف هو شبه أنطولوجيا للأدب العراقي الحديث، وهو حافل بعشرات الأسماء المدعومة بشواهد نصّيَّة «هذا الكتاب هو مطاردة للنسق الثقافي» (ص.17)، واستطاع أن يضمّ بين دفَّتَيه أدب العراق المقيم والآخر الذي هو منفي أكثر ممّا هو مغترب فللعراق حديثًا أدبان: أدب الداخل وأدب الخارج. ويذكر الحرز أنّ كتّابًا تفرَّغوا للتنظير للطاغية هم الآن يغيّرون زيّ محابرهم ليحاولوا الظهور رموزًا للحرّيَّة.

إنّ الكتاب الباحث عن المستحيل هو « نوع من تعزيز الذاكرة ضدّ النسيان» (ص.21). فقبل نصف عقد اجتاحت مفردات الغربة والاكتئاب والتشرّد النصّ العراقي وكأن نصوص السيّاب ونازك الملائكة تستشرف الزمن الآتي وإن أتى الرصافي بعدهما بشعره الصاخب.

السفينة التائهة

في قصيدة «السفينة التائهة» تقول نازك: «سارت ولا ربّان يهديها إلى الشطّ السحيق» (ص.26) وبهذا الكلام ترى الشاعرة ما يحمله الغد العراقي من مأساة، لينتقل النصّ من إشكاليَّة الإغتراب إلى إشكاليَّة المستحيل، إلى حدّ جعل الناقد عبد اللّطيف الحرز يرى طقس الأدب العراقي في زمن الحرب «محبرة يبلَّل فيها القلم حبره لكاتب واحد» (ص.30). ويلحظ المؤلّف أنّ صحافة العراق ازدهرت بعد الحرب على حساب انحسار الثقافة والصحافة تطمر الواقع بينما القصيدة والنصّ الفنّي أمينان لتسجيل الألم في زمن التحوّلات ولأجل الحقيقة فقط، «لم تثمر حقول الكتابة أيّ رصيد إبداعي يليق أن يكون عنصرًا ممثّلاً للمرحلة الجديدة» (ص.33)، وهذا الكلام خطير جدًّا ويعني أن ثمَّة حقبة عراقيَّة هي خارج الأدب، وأنّ جروحًا بليغة حُرمت التخليد في صدور الكلمات البليغة.

مع انهيار نظام صدّام حسين انهارت الثقافة الزائفة وحمل الأدب العراقي إرهاصات لزمن جديد يلفّه الغموض، وإذا كان المستحيل قد استوطن النصّ العراقي فلأنّه إبن الخوف من المجهول والقتل والفقر والتشرّد والقهر... وإذا كانت الحرب تذهب بقواعد اللّغة فإنّها أيضًا تعدّل في معايير الكلام. وقد شهد العراق نصوصًا جديدة تحاسب النصوص القديمة، ونصوصًا صنميَّة تجترّ الزمن الماضي بعيدًا، ونصوصًا أخرى حاولت الإستقالة من الهمّ العراقيّ المحليّ وأدارت الظهر لمعاناة الوطن الصغير متوجّهة نحو الإنسان عامَّة...

المنافي

تقول ورود الموسويّ: «يغزو المنافي بحثًا عن هويَّة / وتغزوه الهويَّة بحثًا عن ذات» (ص.50). وكأنّ الإنسان العراقيّ بات يبحث عن ذاته خارج ذاته ووطنه يبحث فيه عن الوطن، وكأنّ بانهيار المدن والقرى تنهار مدن الوعي أيضًا، الوعي الذاتي الداخلي للفرد والجماعة. حاول الكاتب بعدما فقد العراق أن يجد له بديلاً في القصيدة، كما حاول «الإقتراب من جحيم الواقع ونعمة النصّ» (ص.56)، غير أنّه وصل إلى النصّ ولم يصل إلى نعمته إذ بقيت مرحلة من تاريخ العراق، هي في غاية الأهمّيَّة، خارج المكان الذي يليق بها في الأدب.

قتل الأب

يرى عبد اللّطيف الحرز أنّ «المثقّف العراقي لم يستطع أن يقتل أباه» (ص.66)، وربّما بالمعنى الأدبي والنفسي والسياسي، وأمسى «يعتقد بأنّ أزمة الإبداع الثقافي والفنّي تتمحور بنسيان أو تناسي الواقع» (ص.69)، ما جعل الأدب يندفع بتطرّف نحو الأفكار المجرَّدة متجاهلاً الواقع. يقول الشاعر وجيه عبّاس: «من أين؟ لا وطن لكفّك أيّها الغافي على وطن من الأسماء» (ص.79) ومسألة ضياع الإسم هي مشتركة عند كلّ شعراء العراق موالين وثائرين، ومقيمين ومنفيّين. وتستمرّ الحياة متساوية مع الموت في «بوتقة المستحيل نفسه» (ص.98).

إنّ النصوص الطلسميَّة قد أساءت إلى الواقع العراقي الذي بدوره ارتدّ عليها لأنّها تبرّأت من ألم الحياة أسوة بالمدارس النخبويَّة الغربيَّة، ما جعل الهمّ الإنساني للفرد بلا لسان حال. وبموازاة الإنحدار السياسيّ والأمني كان لا بدّ من انحدار أدبيّ، وقد صارت الترجمة من لغة أجنبيَّة إلى العربيَّة إبداعًا باعتبار أنّ إسم المؤلّف يتغيّر أيضًا من إسم غربي إلى إسم عربي. وإذا كان زمن العفلقيّين قد ولّى وانهار سور الإستبداد فإنّ العراق انتقل إلى مرحلة أخرى من القمع والتشدّد والرقابة «في عالم الكتابة، لدينا اليوم بدل شرطة الحزب، عمائم الدين وميليشيات المنابر» (ص.109). وفي العودة إلى المستحيل، يطارد الكاتب المفردات باحثًا عمّا يتكرّر بدلالات متشابهة على المستوى الأدبي «أعتقد أنّ رؤية الوطن جزء من مقولة المستحيل هي التي حبَّذت استخدام لافتات لعناوين مثل البراءة والملائكة»... (ص.118).

يعتبر عبد اللّطيف الحرز أنّ التوسُّع الإعلاميّ رافقه تضييق نقديّ، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستوى النصّ رغم أنّ «الكتابة هي المأوى الأخير للسّلم» (ص.187). ولاحظ الحرز أنّ نصوص العراق الحديثة، المكتوبة في الداخل، منذ 2003 مصابة بالرهبنة والفقر اللّغويّ إزاء قضايا الجنس.

وتحت سحابة المستحيل التي تظلّل الأدب العراقي الحديث باتت الحرب «حرب الجميع ضدّ الجميع، وبات الكلّ منبوذًا ونابذًا ومقموعًا وقامعًا» (ص.227).

في الفصل الأخير يرصد الحرز تحوّلات عميقة تضرب أدب العراق ليتوزَّع بين أدب غراقيّ وأدب عالميّ. وكذلك يتحسَّس ألم المستحيل وأذاه اللاحق بالكتابة «ان المستحيل مقولة تعيق الإبداع إن لم تكن تناقضه» (ص.256) فمتى يتعب المستحيل لينبت الإبداع في النصّ العراقيّ؟ وهل الكتابة الجديدة ستقاوم الأرشيف القديم باعتباره سلطة؟

back to top