الأبنودي يتذكّر ويروي حكايات البدايات -27: الإلياذة والأوديسة لا توازيان قيمة فصل من السيرة الهلالية

نشر في 15-10-2007 | 00:00
آخر تحديث 15-10-2007 | 00:00

هذه الحلقات ليست ثمرة حوار ممتد عبر عدة جلسات مع صديقي الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، بل ثمرة حوارات طويلة، معظمها عفوي، كان خلالها «يبوح» وكنت «أحفظ». حوارات عفوية تطرق فيها إلى تفاصيل كثيرة ورسم معظم الملامح الأساسية في لوحة حياته فلما جاء وقت الحوارات المقصودة لم يكن علينا أن نبدأ البناء من أوله بل أن نستكمل بعض التفاصيل أو نضع لمسة هنا ولمسة هناك. ولا تحسبوها مهمة سهلة، إذ استدعى الأمر جلسات عديدة وساعات طويلة اقتنصتها من جدول الأبنودي المزدحم بين سفر وسفر، من شاطئ الخليج العربي إلى تونس ومن احتفالية فنية في قرطاج إلى مولد «سيدي عبد الرحيم» الشعبي في قنا، حتى أمكن في النهاية أن أجمع هذه الباقة من «حكايات البدايات» الأبنودية.

في البداية لم يبد الأبنودي متحمساً لموضوع الحوارات. قال: لم لا نحدد موضوعا أهم من «البدايات» للحوار حوله؟ قلت: وهل هناك أهم من البدايات؟ إن حياتك عبارة عن سلسلة متواصلة من البدايات، كأنك تولد كل يوم مرة أخرى، أول يوم في الحياة، أول يوم علم، أول يوم عمل، أول حب، أول وظيفة، أول قصيدة، أول أغنية، أول نجاح، أول إخفاق، أول ديوان، أول جائزة، أول سفر، أول لقاء مع عبد الحليم حافظ وغيره من «مجرة» النجوم التي عشت واحدا منها.

وافق الأبنودي على إجراء حوارات «استكمال أجزاء الصورة». وافق ربما لأننا صديقان، وربما من باب أن «الحياة تجارب»، أو لأي سبب آخر. المهم أنه وافق، مع احتفاظه بموقفه غير المتحمس. لكن «الحماسة» لم تتأخر كثيرا فمع أول سؤال وأول إجابة كان يتدفق كالشلال، كالنيل الذي كان يفيض هناك في أبنود قبل أن يكون هناك سد عالٍ. وليس عجيبا أن الأبنودي يذكر أيام الفيضان هذه بكل الود ويضعها في الموضع الذي يليق بها من تاريخ مصر. وفي الوقت نفسه يعتبر السد العالي «مشروعه» الذي يفاخر به فهو القارئ لتاريخ مصر ـ المكتوب وغير المكتوب ـ بعين محبة وقلب رؤوم والقادر على اكتشاف ما كان في كل حقبة من «فضيلة».

مع السؤال الأول والإجابة الأولى كان الأبنودي يتدفق حماسة واكتشف واكتشفت معه كم كانت مبهجة تلك البدايات التي راح يقص حكاياتها.

«السيرة الهلالية» هي ملحمة العرب الكبرى وأمضى الشاعر عبد الرحمن الأبنودي زهرة شبابه وأجمل سنوات عمره في جمعها. سجل لشعرائها وبثّ بعضا مما سجله عبر الإذاعة، وما زال يقدم فصولا منها في بيت «السحيمي» الأثري في حي الحسين في القاهرة مع الشاعر السيد الضوي في رمضان من كل عام.

عام 1978 أصدر الأبنودي في كتاب الدراسة التي أجراها للمقارنة بين روايتي السيرة الهلالية ـ المشرقية والمغربية ـ وهي الدراسة التي ترجمها إلى الفرنسية الأستاذ الطاهر قيقة. واعتبارا من 1988 أخذ يصدر أجزاء تمثل فصولاً متتالية من السيرة التي انفرد بجمعها في أكثر من طبعة. صدور هذه الأجزاء يمثل - حتى الآن -نهاية حكاية السيرة في حياة الأبنودي، نهاية مفتوحة، قابلة باستمرار للإضافة مع توالي صدور الأجزاء، أما البداية - التي تعنينا في هذه الحلقات - فتقول إن الأبنودي امتزج بـ«الهلالية» مذ فتن بها طفلاً ويافعاً في قريته أبنود الراقدة في عمق صعيد مصر، حتى طاردها يجمع شتاتها جنوباً حتى وسط أفريقيا، وغرباً إلى مقربة من ساحل الأطلنطي. رحلة طولها 40 سنة أو يزيد، 40 سنة إذا اعتبرنا أن بدايتها كانت يوم امتلك الأبنودي جهاز تسجيل وراح يطارد نتف السيرة وشذراتها في ذلك اليوم من العام 1967، أو يزيد إذا وضعنا في اعتبارنا أن افتتان الأبنودي بالسيرة بدأ مذ كان طفلاً صغيراً.

وإذا كانت «الهلالية» ملحمة تسجل زحفاً وغزواً ومعارك ضارية فإن قصة جمعها بعدما كادت تندثر ملحمة أخرى، مليئة بمعارك خاضها الأبنودي، وما زال، متمسكاً بموقعه الحصين، سواء مع رواتها وشعرائها، أم بين الأوراق وأشرطة التسجيل التي جمع عليها شتات السيرة، أو مدافعاً عن عمله الذي أفنى فيه عمره وجهده ويرى أن هناك من يحاول أن ينسبه إلى نفسه بغير حق.

وقائع السيرة

للأبنودي مع السيرة بداية، بل بدايات، مثيرة تتعدد زواياها بين الفني والسياسي والاجتماعي، لكن قبل أن نخوض في هذه البدايات، يحسن أولا أن نتعرف إلى الوقائع التي تشكل «بدن» السيرة، ثم نتعرف الى جهد شعرائها والفرق بين شاعر السيرة وراويتها ومغنيها. يقول الأبنودي: «تحكي السيرة الهلالية زحف قبائل هلال وسليم ودريد والأثبج ورياح من هضبة نجد التي أجدبت سبع سنين كما تقول السيرة، إلى تونس الخضراء، منذ بدء الرحيل اقتراباً من منتصف القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، إلى أن استطاع عبد المؤمن بن علي إمام الموحدين وقائدهم الانتصار على تلك الظاهرة التاريخية بأكملها والقضاء على فلول القبائل الزاحفة، إما بـ«مغربتها» أي تحويلها إلى المواطنة المغاربية، أو بمطاردتها إلى جنوب نيل مصر مرة أخرى».

يضيف: «في السيرة يشتبك السبب التاريخى لزحف القبائل في حملة ضارية بالمبرر الديني بالظرف الطبيعي. الأكيد أن قحط بلاد نجد لا يبرر ذلك الغزو التاريخي والعدوان الرهيب على بشر بعيدين جغرافيا، يدينون بالدين نفسه الإسلام، ولذا نجد شعراء السيرة العظام يتجاوزون هذه القسوة بالتركيز على واقعة العدوان على العرب الأشراف في مساجد تونس أثناء صلاة الجمعة على أيدي العوام في زمن المعز بن باديس، ويجعلون الثأر لهذه الواقعة مبرراً للغزو ويحكون عن رحيل جبر القريشي وأخوه قاسم المهيري إلى أشراف العرب في نجد، وكيف أبلغهم بما حدث للأشراف العرب في تونس وحكى عن المذبحة فقرر النجديون الرحيل للانتقام ورد تونس إلى حكم الأشراف فكانت «السيرة» التي تحكى ريادة ثم تغريبة بني هلال».

أما المصادر التاريخية -والكلام للأبنودي - مثل ابن خلدون وغيره فتخبرنا أن القبائل زحفت بسبب الجدب إلى مصر، في زمن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، وفي الوقت نفسه وقعت ثورة العوام في تونس واضطر حاكمها المعز بن باديس إلى أن يخلع ولاءه للدولة الفاطمية ويدعو الى الخطبة في المساجد باسم الخليفة العباسي القائم بأمر الله. هنا دفع الخليفة الفاطمي بالأعراب الزاحفين من الجزيرة العربية إلى عبور النيل لرد المارقين وأقطعهم إمارات وأرضاً في تونس - التي لم يعد يملكها - وعيّنهم ولاة على مناطق لها ولاتها ورشا كل فرد منهم ـ على ما يذكر المؤرخون ـ بدينار وفرو نظير عبوره النيل فعبروا بأعداد مهولة وزحفوا كجيوش من جراد «لا تخاف الخالق ولا تحترم المخلوق»، يقول بعض المؤرخين.

يلاحظ الأبنودي: «بنظرة متأنية لتلك الواقعة التاريخية التي زلزلت شمالي أفريقيا واستمرت قرابة قرن، نرى أنها أحدثت من التغيير في الأحوال والأفكار تأثيراً لا يقارن إلا بتأثير الفتح الإسلامي لتلك المناطق التي غزاها بنو هلال وصاهروا أهلها ونشروا لغتهم وقيمهم.

شعراء ورواة ومغنون

يؤكد الأبنودي: «هناك اختلافات وفوارق بين شعراء السيرة تميزهم في القيمة وتصنّفهم طبقات كأجدادهم القدامى. كما أن الرواة أيضا ليسوا نوعاً واحداً فالرواية ابنة الدوافع التي تتباين وليس كل من أحب السيرة كما سمعها من شاعر صار راويته. مثلما أن هناك بوناً شاسعاً بين المغني الحافظ والشاعر المبدع فإن هناك مرقى مستحيلاً بين رواة يتعلقون بالأطراف الباهتة للسيرة ورواة يقبضون على الجوهر ويحمون السيرة ـ ربما ـ أكثر مما يفعل الشاعر نفسه.

الشاعر يضيف إلى السيرة كلما أنشدها ولدى الشاعر المكتمل تقارب «الهلالية» المليون بيت! الشاعر «يرتجل» والارتجال ليس عملية آلية، وإن بدا كذلك. إن الفارق بين شاعر وشاعر هو الإيهام بالحفظ لحظة الارتجال، هو التقمص الذي تطيعه كلمات الشاعر، من دون أن يدرك الجمهور - أو يشتبه - في أنه إزاء «تأليف آني» ومن دون خوف من التعثر، فلو يعرف الشاعر أن الارتجال قد يخونه ولو لمرة واحدة لما ارتجل.

المربع الشعري هو مجال الارتجال الحقيقي بين كل أشكال الإنشاد والسرد التي نجدها في السيرة الهلالية. نجد في المربع قافية مشتركة بين الشطرين الأول والثالث وأخرى بين الشطرين الثاني والرابع. المربع هو الشكل الغالب على «الهلالية» بالنسبة الى شعراء الصعيد وهناك في مناطق أخرى ـ خاصة الدلتا ـ من يقدم الملحمة في قالب الموال المصري، المربع أو المسبع أو المثمن، أو ذاك المكون من اثني عشر بيتاً والمسمى «محبوك الطرفين».

الشاعر الحقيقي هو الذي يعرف سر التربيع ويصبح بالتالي قادراً على الاستغناء عن إبداعات شعراء السيرة السابقين ويحتاج فقط إلى معرفة تتابع أحداث السيرة وأسماء أبطالها وكلماتهم المشهورة المأثورة الشائعة بين الناس حتى يأتي بها في موضعها. ثم بعد ذلك يقف بين جمهوره ليربع، أي يرتجل المربعات، مسترسلاً مع الجمهور الذي يتفاعل معه».

مشارقة ومغاربة

عن الفرق بين الروايتين المشرقية والمغربية للسيرة، المصرية والتونسية في الأساس، وما يتحلق حول هذه وتلك يقول الأبنودي: «الشاعر المصري الذي جمعت عنه مؤازر لحملة «بني هلال» موافق على أهدافها، أو يمكن أن تعتبره غزا تونس مع الغزاة، أما السيرة المغربية فإنها على العكس تعطي البطولة لدياب بن غانم لأنه يمني ولأن خليفة الزناتي - حاكم تونس -ووزيره العلام ومعبد السلطان ممثلو هجرات يمنية قديمة، فإذا قتل دياب اليمني خليفة اليمني لا يلحق به أو بقبيلة زناتة عار. ضممت النصوص الموجودة في جامعات ألمانيا وانكلترا وعرفت الطرائق المختلفة لرواية السيرة. ولا شك في أن تدفق هذا الإلهام الشعبي أثار دهشتي وأوقفني عن الشعر طويلاً وهناك فترة كاملة توقف شعري فيها إذ كان من عادتي أن أنشر ديوانا كل عام».

يضيف: «كان الزاحفون إلى تونس نحو أربعمائة ألف تقول الملحمة إنهم «أربع تسعينات ألوف أي 360 ألفاً». وأدرك المعز بن باديس خطورة الغزوة فقاد بنفسه جيشه المؤلف من قبيلتي زناتة وصنهاجة ليلتحم الجيشان قرب جبل حيدران بين قابس والقيروان. وكانت معركة حياة أو موت جرت الدماء فيها أنهاراً وسقط فيها القتلى بالآلاف وكاد المعز ينتصر لولا هرب زناتة الذي كسر جيش المعز وقلب الدفة لمصلحة القبائل الزاحفة. هذا ما يسجله التاريخي وهو ملحمة حقيقية تلقفها الشاعر الشعبي والوجدان الجمعي ليصوغ منها عملاً فنياً نرى فيه ملحمية الأداء والتنوع والتداخل والأعداد الرهيبة للأبطال مع خلق الصفات والأخلاقيات والمواقف في إبداع يثير العجب. ويعتقد بعض الناس، بسطحية، أن هذه الملحمة خلقت لتمجد رجلاً اسمه أبو زيد الهلالي والواقع أنها عمل ملحمي توزن فيه الدراما بميزان الذهب، ما يدل على عبقرية شعوبنا وإننا إلى الآن لم ننظر جيداً إلى إنتاجهم الإبداعي ولم نتعلم منه كما يجب».

الهلالية بين ظلمين

الظروف التي مرت بها «الهلالية» يصفها الأبنودي بالقول: «وقع على هذه الملحمة ظلمان، ظلم أجدادنا الذين جمعوا اللغة والشعر القديمين مهتمين بـ «المعتبر والمعترف به» والشعراء السلطويين فأهملوا إهمالاً تاماً إبداعات العامة، لكن الشعوب بإحساسها العميق بالمسؤولية حيال ما أبدعه الضمير الشعبي وضرورة الحفاظ عليه ظلت تسلمه « شفاهيا» كل جيل إلى الجيل الذي يليه حتى وصل إلينا.

واتخذت الملاحم تحديداً صياغات في كل بلد تعكس خصوصية كل قطر حكاها أو أنشدها.

هذا الظلم الأول، أما الظلم الثاني التابع للأول فهو اتهام المستشرقين للشعر العربي بأنه شعر غنائي، أي أنه شعر مقطوعات وليس شعراً درامياً أو ملحمياً، وبالتالي فإنه ليس في تاريخنا الشعري مسرح أو ملاحم ولو كان أجدادنا الأدباء والعلماء أدخلوا الإنتاج الأدبي الشعبي في نطاق رحمتهم لما اتهمنا بذلك».

يضيف: «خلف الأجداد لنا مجموعة كبيرة من الملاحم الضخمة مثل: «الزير سالم»، «عنترة»، «سيف بن ذي يزن»، «ذات الهمة»، «الظاهر بيبرس»، لكن سيرة بني هلال ظلت أبعدها أثراً، لماذا؟»>

يتساءل الأبنودي ويجيب: «لهذا أسبابه، فقضية عنترة مثلاً هي قضية الحرية الفردية لعبد أراد أن يعترف أبوه ببنوته فيصبح سيداً كأبيه، قضية لم تعد مطروحة بالطبع في إطار اهتمامات المجتمعات العربية الآن، وبالتالي لم تعد ذات أهمية كبيرة لإنساننا الذي يحتفظ بهذه الملاحم لأسباب شديدة الموضوعية إذ تصله بماضيه العربي القديم وتعطيه زاداً للنضال الجماعي من أجل الحفاظ على قومية هذه الأمة ووحدتها.

كذلك قضية الثأر الفردي والانتقام في ملحمة «الزير سالم» وكانت تروي حتى بدايات القرن في مقاهي القاهرة ولم يتبقّ منها سوى شذرات «لا تسمن ولا تغني من جوع» تعثر عليها أحياناً أثناء رحلة الجمع. كذلك البطل اليمني سيف بن ذي يزن الذي كان «سوبرمان» على الطريقة القديمة فهو يضغط على الأزرار فيطير ويحضر الجن والعفاريت. وشبع إنسان العصر الحديث من الأزرار التي أصبحت واقعية من «كثرة ما وقع على رأسه» لا نسبة الى الواقع فتخلى عن الملحمة.

أما ملحمة «الظاهر بيبرس» فأغلب الظن أنها سيرة منافقة، إذ أنها عن أحد الملوك الذين حكموا مصر والشام وأغلب الظن أنها كتبت في حياته وهي إبداع فردي ليس فيها شيء من «جماعية الإبداع» السمة الأساسية للأدب الشعبي. تساقطت هذه الملحمة واندثرت بتوالي الحكام العادلين والظالمين معاً».

يؤكد الأبنودي أن سر استمرار الملحمة الهلالية كونها سيرة تسعى الى توحيد الأمة العربية والاتجاه نحو تحقيق أهدافها، وهي قبل ذلك تجسيد لقائد مفتقد ترسمه السيرة مثلما يراه الضمير الشعبي وتراه أحلام شعوبنا. يقود «قبائله/أهله» عبر المعارك والدماء والتضحيات والموت والحياة من أجل الحفاظ عليها والإبقاء على حياتها.

ثم إن الملحمة الهلالية حافظة لصورة القيم مثلما يراها إنساننا العربي البسيط بعد أن أفسدتها مباذل العصر، ففي مرآتها ترى صوراً للتضحية والبطولة والخيانة والنذالة والحب والنفاق والجبن والرفاقة كما يعرفها جيداً إنساننا الأصيل وكما يتخيل أنها صورة للعروبة النقية قبل أن تدنسها أدران وآثام العصر.

يضيف: «تلاحظ أنني أكرر كلمة «ملحمة» بدلاً من كلمة «سيرة» ذلك أن فن السيرة، كما تعرف، بدأ بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ـ ابن هشام وابن كثير وغيرهما ـ وسيظل يحمل تلك السمات الدينية ليحكي عن الرسول وانتقال السيرة لتحكي عن أبطال خارج السياق الديني نقلها من مرحلة السيرة إلى مرحلة الملحمة. الملحمة، في المفهوم الأوروبي، قصيد حربي طويل يصارع فيه الأبطال أبطالا وآلهة ووحوشاً. أما في ملحمتنا فإنك ترى الأبطال يحاربون أبطالا ومخلوقات من الجن وما وراء الواقع، ذلك أن الذات الإلهية مقدسة دائماً ولا يجرؤ أحد على أن يتطاول عليها. ولا بد من الإشارة إلى أن ملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسة» لا تشكلان ما قيمته فصلاً صغيراً من الملحمة الهلالية التي لا حدود لاتساعها والتي تتضمن وتأخذ في حضنها معظم أقطار الأمة العربية».

هذه «السيرة الهلالية»، أما كيف بدأ الأبنودي رحلته معها فحكاية أخرى من «حكايات البدايات» نحكيها في الحلقة المقبلة.

أخوات شقايق همَّ الاتنين

يرأسوا عموم المدينه

متوسلين بطه النبي الزين

إلا والقضا أراد يجينا

...

أتانا القضا ما ندري بيه

في يوم قاعدين فراحى

والعز والفخر نابيه (نصيبنا)

إلا نجد العدا والسلاحا

...

وجدنا جماعه عدوين

«أعجام» دولة «كهانه»

ملكوا بلادنا شمال ويمين

والغلب زود معانا

...

«أعجام» طلبوا القتال

نار البلا في حشايا

بيبهدلوا النسا والرجال

ناويين يفضحوا عروض الولايا

...

طمعانين فيالثروه والخير

يطغوا لمال المدينه

هاجمين بيجدوا في السير

دخلوا البلد محتاطينه (يحيطون به ويحاصرونه)

...

بعتوا لابويا الجواب

جواب ومسطرينه

بيقولوا لازم تبعت بالأمر والثواب (بالجبر أو بالرضا)

الهدف اللي عايزينه

...

تبعت لنا عُشر الاموال

وبنت اخوك ما احلى ضياها

تبعت لنا خيل وجمال

وشاه الريم هي وأباها 

من «الأمير الصغير عبد الرشيد وما حدث له مع العبد سعيد» -

«السيرة الهلالية».

back to top