فضائل النكسة
العديد من الكُتاب والمحللين رصدوا الانعكاسات السلبية لهزيمة 1967 العسكرية، وعلى الحركة الثقافية العربية والإنتاج الفكري والثقافي والإبداعي في المراحل التي أعقبت الهزيمة، غير أن عددا منهم لم يستطع مغالبة الأمل في استشراف النصر الذي جاء بالفعل بعد سنوات قليلة، وهو ما يؤكد أن الروح ظلت صامدة لم تنكسر، وأن ما حدث زاد من الإباء والشموخ والرغبة الشعبية والرسمية في الصمود والثأر وتحقيق النصر، وهو ما تجلى عسكريا في ملحمة الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر، كما تجلى ثقافيا وإبداعيا في نقلات هزت المثقفين العرب من الداخل... وهذا ما نلمسه في هذا التحقيق.يرى الأديب جمال الغيطاني أن الكشف عن الجوانب الإيجابية في الأدب بعد نكسة 67 يحتاج الى دراسات عديدة من يوسف إدريس ونجيب محفوظ، وبلند الحيدري وسعدي يوسف وحجازي وأمل دنقل، إلى نزار قباني والبياتي، وحتى يوسف شاهين، قاموا برصد أهم الظواهر الفكرية والأدبية والنقدية التي شهدتها ثقافتنا الحديثة بعد النكسة، وكيفية ارتباطها بالتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها الأمة وخصوصا في مصر ،وفى رأيي أن ما تم كان بمثابة عملية جرد فكري وجمالي ونقدي تكاد تكون شاملة للنتاج الثقافي العربي.
أما يوسف القعيد، فيرى أن النكسة فجرت ينابيع جديدة للإبداع برغم تأثيراتها السلبية على الأدباء، فقد دفعتنا إلى مراجعة النفس، فأعدنا اكتشاف أنفسنا وتراثنا وأشياء نستند إليها في معركتنا مع العدو الصهيوني، وأنا شخصيا اكتشفت في تراثنا سرداً وحكيا متقدما على الغرب نفسه، فلو قرأت القرآن بعين الفنان ستكتشف أن في سورة يوسف، وفي سورة مريم، كل منجزات القصص الحديثة التي جاءت من الغرب:المونولوج الداخلي، الجملة الاعتراضية، ضمير الغائب، ضمير المتكلم، ضمير المخاطب، ففي سورة يوسف تتجلى كل هذه الأشكال الفنية وهذا دفع أجيالا جاءت بعدنا لقراءة التراث خاصة«ألف ليلة وليلة».ويضيف القعيد:وفى كتابه«ثقافة ضد الهزيمة»يرصد المؤلف يسري حسين، مجموعة من التحليلات الأدبية والثقافية والاجتماعية للآثار السلبية لهزيمة يونيو على الثقافة العربية وخصوصا تفشي ظواهر مثل العدمية بأشكالها الوجودية والسياسية، والتي شاعت وذاعت في أوساط مثقفينا في السنوات التي تلت النكسة. ويقول يسري حسين: إن هذه الأشكال كانت بارزة على السطح ولم تنفذ للعمق بدليل عدم تمكنها من أرواحنا.ويرى حسين أن موجات السلفية السياسية والأيديولوجية، لم تزدهر مع النكسة، بل ترعرعت في مصر بفعل سياسة الانفتاح خلال فترة رئاسة السادات، وكذلك الحراك الطبقي الذي أوشك أن يقصم ظهر الطبقة الوسطى، ويلقي بأغلبية أعضاء المجتمع إلى ما بعد خط الفقر، فيما برزت نخبة من الانفتاحيين الذي نشروا قيما سياسية وأخلاقية واجتماعية تعارضت بشكل كامل مع ما آمن به المصريون منذ آلاف السنين. ويضيف:حسين أن من فضائل نكسة 67، أنها هزت العقل العربي، وأيقظته من ثباته الطويل، لقد فجرت النكسة قنبلة داخل قبيلة المثقفين، وجعلت الجميع يلتفت حوله، ويعيد من جديد النظر في مجمل أفكاره واتجاهاته، وإذا كان البعض قد سقط في قبضة الغموض والعبثية، فإن البعض الآخر وضع يديه على مكمن الداء.فالنكسة مسؤولة عن حالة الوعي والانتعاش التي تغمر حاليا الدراسات والاتجاهات الفكرية الجادة، فهذه المدارس كانت تعيش قبل 67، حالة من الوعي المسلوب الذي أفقدها الرؤية وأعماها عن متابعة ما حولها، هذه الهزة العنيفة جعلت أهل الفكر يبحثون عن الأسباب الجذرية التي جعلت الأمة تسقط أمام التحدي الإسرائيلي بسهولة وفي ساعات معدودة.ويقول الناقد الدكتور هيثم على الأستاذ بكلية الآداب جامعة حلوان: إنه برغم فداحة النكسة إلا أن مصر والعالم العربى كانوا يعيشون زمنهم الجميل حقا، وليس صحيحا أن نكسة أو حتى هزيمة عسكرية تطيح بكل هذا الزمن فى الهواء، وكأن شيئا لم يكن، فكان يوجد انجازات هائلة في المجالات السياسية والصناعية والاجتماعية ومشروعات حققت للغالبية الساحقة من فقراء مصر من الفلاحين والعمال مستويات أعلي من المعيشة، حولتهم إلي طبقة وسطى فاعلة نشطة، فلا شك أن من أكثر إنجازات الثورة جمالا وإثارة لشاعر مثل حجازي هي تلك الحركة الثقافية الفنية الفكرية الإبداعية الهائلة التي انطلقت بشكل تلقائي فريد، لتواكب الثورة وتساندها وتغذيها وتتغذي بها.فقد كانت هناك انطلاقة بالغة الإثارة في كل مجال من مجالات الفنون التي كانت معروفة في مصر من قبل بالإضافة إلى عدة مجالات جديدة لم تكن معروفة، فعشنا وشاهدنا إبداعات وانطلاقات مثيرة في الإعلام، ورأينا روادا شوامخ من توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس إلى لويس عوض وحسين فوزي وصلاح جاهين وكمال الملاخ وغيرهم، وحظى جيلنا بقراءة أعمال محفوظ، كما اندلعت في مصر حركات التجديد في الفكر والفنون، وكان صلاح عبد الصبور وحجازي، من أعلام التجديد الشعري، فيما عرف بحركة الشعر الجديد وخاضا ـ ومعهم نقاد مصر في ذلك العصر الذهبي من لويس عوض ومحمد مندور إلى رجاء النقاش وغالي شاكر ـ معركة ضارية ضد العقاد وجودت ومدرسة الشعر القديم وفي المسرح ظهرت فرقة المسرح القومي بأعمالها الراقية بجانب عدد كبير من الفرق العامة والخاصة، فاندلعت حركة مسرحية باهرة كانت تغرف من الطينة المصرية إبداعات أصيلة فيما هي تغترف من الثقافة العالمية بانفتاح مدهش، وهكذا كان يعرض آخر صيحات مسرحيات العبث لصمويل بيكيت ويوجين يونسكو، بعد عام أو عامين فقط من ظهورها على مسارح لندن وباريس.وفي ذلك الوقت من زمن الستينيات كانت السينما المصرية صناعة زاهرة تنتج ما يزيد عن خمسين فيلما جديدا كل عام، وكانت الأغنية المصرية في أوج مجدها يصدح بها فنان الثورة عبد الحليم حافظ، ومعه جيل شباب من المؤلفين والملحنين المبدعين، مثل كمال الطويل والموجي وبليغ حمدي وسيد مكاوي، كما أبدع الجيل القديم ـ عبد الوهاب وأم كلثوم والسنباطي ـ أعظم أعمالهم في عصر الثورة وكانت أم كلثوم سفيرة الثورة إلي العالم العربي والعالم كله، وأصبح عبد الوهاب موسيقار الأجيال بتطويره الدائم لأعماله الفنية.ويؤكد هيثم على أن النكسة لم تكن النهاية. يبقى التساؤل عن ماذا كتب أبرز كتاب الرواية في فترة السبعينيات والثمانينيات؟ ولماذا لم يأت أدب الانتصار بعمق وقيمة ما يسمى أدب النكسة لتلك الحقبة؟ وهنا يمكن الإشارة إلى أن نجيب محفوظ كتب بعد حرب أكتوبر أربع عشرة رواية، عاد فيها إلي بحوثه الفلسفية عبر خبايا الحارة المصرية، عدا روايتين اثنتين هما رواية«أمام العرش» و«يوم قتل الزعيم»، بهاء طاهر قدَّم«الحب في المنفي»و«نقطة النور»ولم تتناولا ما يمكن استخلاصه من أحداث أكتوبر. وجمال الغيطاني عاد إلي سفرياته التجريبية حينا الروحيةوحينا عبر الموروث، كذلك إبراهيم أصلان ومحمد البساطي وإبراهيم عبد المجيد الذي قدم عقب نكسة سبع وستين رواية من روايته الأولية«حدث في الصيف السابع والستين»ثم عاد ليرتد إلي فترة الحرب العالمية الثانية وتحديدا في العلمين والإسكندرية، فقدم«لا أحد ينام في الإسكندرية»، ثم قدم فترة الخمسينيات بعد قيام ثورة 52، فقدم«طيور العنبر»ولم يقدم بعد فترة السبعينيات أو فترة أكتوبر على وجه التحديد .كما أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب سلسة خاصة تحت اسم أدب الحرب؛ كي تقدم ما تناولته حرب1973، ومن المفارقات أن يرأس تحريرها الروائي جمال الغيطاني، إلا أنه من الأسف لم تسفر عن علامة أو عمل نستطيع القول معه أنها قدمت ما يمكن اعتباره شيئا عن أكتوبر 73، حيث جاءت في أغلبها عبارة عن انطباعات مباشرة عن المعارك الحربية أو مذكرات لا ترقي إلي مستوي العمل الروائي الجاد، فكان منها علي سبيل المثال ما جاء تحت عنوان«الوجه والقناع» للروائي السكندري سعيد سالم، والذي حاول فيه أن يقيم توازنا بين مباحثات حول تسليم الأرض – خاصة الثغرة – عند الكيلو 101 وبين محاولات الراوي استرداد أرض له اغتصبها أحد الحيتان الصاعدين تحت مسمى«رجال الأعمال». واكتشف الراوي ذلك بعد عودته من المعارك عند الكيلو 101، ليجد الجبهة الداخلية أكثر ظلما واغتصابا من العدو الإسرائيلي، وبعد يأس الراوي من استرداد أي من الأرضين سواء أرضه بالاسكندرية أوأرض الوطن في سيناء يعتزل الحياة ويتقوقع يأسا وقنوطا في حالة«دروشة»، لا تعبر عن صوفية أو زهد بقدر ما تعبر عن فقدان السبيل لأي أمل في إصلاح خارجي أو داخلي، وهي الحالة التي تعاني منها مصر كلها الآن وتحاول الإفاقة منها تحت مسمى«حمى الإصلاح».