صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4948

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

علاقة الأب بابنته... حبّ من نوع آخر وإحساس بالأمان

  • 24-07-2007 | 00:00

من النظرة الأولى إليها تخالجه أحاسيس جديدة ومشاعر لم يكنّها لأحد من قبل. يتعلق بها كتعلّق الطفل بأحشاء أمه. يتابع خطواتها من قريب وبعيد خوفاً من أن تضيع منه. عندما تفتح عينيها على الدنيا تراه واقفا يحدّق إليها كأنه يحاول التواصل معها ولا تزال طفلة رضيعاً.

تحظى الفتاة بمعاملة خاصة من والدها لذا نراها تلجأ اليه في أوقات الضعف والحاجة، تلقى بين ذراعيه إحساساً بالحماية والدفء فتنشأ بينهما علاقة وطيدة لا تشوبها شائبة. علاقة حبّ من نوع آخر، رابط مقدّس يجمعهما يقرّب الابنة من أبيها.

إنّ تعلّق الطفلة بأبيها أمر ملحوظ في معظم المجتمعات، تظهر معالمه جليّة في ميل الأب إلى تدليل ابنته وفرض الشدة والقسوة على ابنه كي ينشأ رجلا شجاعاً، مسؤولاً وقادراً على مواجهة الصعوبات.

مسألة شائعة تتّسم بميل بعض الآباء إلى بناتهن وتفضيلهن على الصبيان في الأسرة. يعود السبب بالدرجة الأولى الى تمتّع الفتيات عادة بطباع هادئة فينجذب الأب إليهن إذ يبحث عن السكينة وراحة البال في البيت بعد يوم طويل وشاقّ في العمل.

يلين قلب الأب بمجرد النظر إلى ابنته التي تمثل جزءاً من كيانه وصورة عن أمها. يزداد حبّه لها خاصة إذا كانت تملك بعض مزايا الأم عندما كانت هذه بعمرها. يتعلّق بها ويرى في ملامح وجهها صورة عن المرأة التي أوقعته في حبها وأضحت زوجته مستعيداً الذكريات الجميلة من خلال ابنته. يشعر بالضعف أمام أنوثتها التي لم تكتمل بعد ويسعى جاهداً إلى الاستفادة من طفولتها البريئة ومراهقتها المسلّية. يستغل تلك السنوات الجميلة فيغدق على ابنته الحنان والدلال قبل أن تصبح شابة وتبتعد عنه بحثاً عن حبيب ينسيها دفء والدها ويبعدها تدريجياً عن حضنه إذ تستمدّ حباً من نوع آخر ومشاعر جديدة مختلفة. هنا ينتهي دور الأب الحنون ويتحوّل الى المرشد الصالح، الساهر على سلامتها، المتابع للتغيرات التي تطرأ في حياتها. يغدو مرجعاً أساسياً يزوّدها النصح والإرشاد في المرحلة الصعبة التي تفرض عليها حسن الاختيار بين الشبان لإرضاء والدها ولتبرهن له انها استحقت المحبة التي قدمّها لها. ولأنها مرهفة الإحساس تلجأ الفتاة الى والدها في أوقات الحاجة فيضمّها ويشعرها بالسعادة والأمان، ليس لأنها من لحمه ودمه فحسب بل لأنها فتاة ومن الطبيعي أن تشعر بالضعف والخوف وتستمد القوة والثقة من الرجل. من أجدر منه لتقديم الدعم؟ ما من رجل آخر تقصده في الدنيا؟


سندٌ في العلم

كذلك ينعكس حضور الأب بجانب ابنته وغمرها بالعاطفة على تفوقها في المدرسة، لا سيما في المواد العلمية. أثبتت الدراسات النفسية ان وجود الأب أساسي يساهم الى حد بعيد في بلورة شخصية ابنته فتتّسم بالقوة والثقة تحديداً اذا أحسن معاملتها، كما يؤثر الأمر إيجابياً على اختيارها للشبان، فالرجل الأول في حياة الفتاة هو والدها، من خلاله تتحدّد نظرتها إلى الرجال عامةً. تعمد الى انتقاء الأفضل بينهم وتبحث عن شاب ذي شخصية قريبة الى حد ما من شخصية أبيها. لكن الافراط في الدلال والغنج قد يؤدي أحياناً الى تأخر مرحلة النضح عند الفتاة فتصبح اتكالية وغير مسؤولة. لذا على الأب أن يكون حاضرا وأن يلعب دور الحنون حيناً والمرشد أحياناً.

لمى فتاة في السابعة عشرة تربطها علاقة قوية بوالدها. تظهر هذه الصلابة من خلال المقارنة بين المعاملة الحسنة التي تتلقاها منه وتلك الهامشية التي يعانيها أشقاؤها الثلاثة. لعلّ سبب الاهتمام المفرط كونها الابنة الوحيدة بين ثلاثة صبيان والأقرب الى شخصيته بين الآخرين، أو لأنها تحبّ بطبعها الاقتراب منه طلباً للحنان. مهما تعدّدت الأسباب النتيجة واحدة: تعلّق الابنة بوالدها إلى حدّ أنها تفضل مشاركته أخبارها على مصارحة أمها. تعترف لمى بأن والدها لا يرفض لها طلباً، على عكس والدتها التي غالباً ما تعارض طلباتها وتحاول حث زوجها على تضييق مساحة ابنتهما قليلاً، لكن من دون جدوى. أما علاقتها مع الشبان فلم تجد لمى بعد شاباً تتطابق مواصفاته مع رغباتها رغم أنها لا تعي ذلك، الا أن المواصفات التي تبحث عنها في الحبيب ليست الا انعكاساً للصورة التي يجسّدها والدها والتي تسعى لا شعورياً للحصول عليها في علاقاتها مع الشبان.

أما في حال تجاهل الوالد ابنته وعاملها بطريقة هامشية من دون أن يوليها اهتماماً كافياً فإن الفتاة تقع في حب أول شاب تشعر معه بالأمان لتعوّض بذلك عن نقص الدلال الذي عانته مع والدها، ذلك أنها تشعر بالاكتفاء قرب أبيها اذا كان عطوفا معها وفي حال انعدام هذا الحنان تسعى الى هذا الاكتفاء بعيداً عنه، ما يؤدي الى مشاكل عاطفية تتسبب بها هذه الحاجة. مهما حاولت الأم جاهدة سدّ هذا النقص ترى نفسها عاجزة عن تعويض مكانة الأب ولعب دوره. انه رب الأسرة، الآمر الناهي والحاسم، الرجل الحنون والمتفهّم.

العلاقة المتينة بين الأب وابنته تساعدها على تحقيق النجاح في حياتها، أما العلاقة السطحية بينهما فغالباً ما تؤدي الى الفشل. قد تغيب تلك الليونة في تعامل الأب مع ابنته في مجتمعنا مع انشغال الآباء بأعمالهم وتكليف الأم بمهمة التربية والانفراد بلعب دور المرشد والواعظ متخلياً عن الدور العاطفي الذي يقرّبه أكثر فأكثر من عالم ابنته. لكن الاهتمام واجب أساسي على كل والد أن يلتزم به فمن شأن هذه العلاقة أن ترسم خطة لمستقبل الفتاة تساعدها في تقوية شخصيتها وتضمن نجاحها في الحياة المهنية والزوجية وفي علاقاتها مع الآخرين.