كيف أصبحت الأطعمة المعدّلة وراثيّاً جزءاً من غذائنا؟
اشتد الخلاف حول الهندسة الوراثية وكبرت المخاوف من تلوث البيئة وتدمير صحة الإنسان من خلال تناول الأغذية المعدّلة وراثياً التي ستصل إلى موائدنا. وعلى الرغم من الاحتجاجات الصاخبة في الدول الصناعية يؤكد العلماء أن تلك الأغذية وجدت لتبقى ولا سبيل إلى الرجوع مرة أخرى إلى ما قبل عصر الهندسة الوراثية.
راجت في مناطق كثيرة من العالم أطعمة ناتجة عن الهندسة الوراثية واختلطت منتجات المحاصيل المعدّلة وراثياً ومنها فول الصويا والذرة بمنتجات المحاصيل غير المعدّلة في النقل والتسويق حتى بات من الصعب تمييزها عن بعضها.في كتاب «طعامنا المهندس وراثياً» للعالم ستيفن نوتنغهام والذي ترجمه الى العربية العالم المصري الراحل د. احمد مستجير الإجابة عن السؤال حول ماهية الهندسة الوراثية وكيف أصبحت الأغذية المعدّلة فجأة جزءاً من طعامنا ولماذا؟مراقبة دقيقةيستبعد ستيفن نوتنغهام أن تشكل الأغذية المعدّلة وراثياً مخاطر على صحة الإنسان لكن الطبيعة المتفردة لهذه الأغذية تبرر مراقبتها مراقبة دقيقة، إذ يتضمن تطويرها نقل الجينات بين الأنواع وقد تكون للجينات العابرة آثار غير متوقعة.ما يثير القلق في شأن هذه الأطعمة ، هو تسببها بالحساسية لدى البعض لأن البكتيريا التي تحيا في أمعاء الإنسان قد تكتسب مناعة ضد المضادات الحيوية في الجينات الموجودة في النباتات عبر الجينية.يقول نوتنغهام: «ثمة مواد غذائية معروفة في كونها تسبب الحساسية عند تنشقها مثل الغبار الذي يتصاعد عند تفريغ شحنة فول صويا من الباخرة ويختلط بتلوث الهواء فيحدث عدم التوازن في الجهاز المناعي أو فرط الحساسية الفوري، وتسبب هذا الأمر في انتشار وباء الربو في برشلونة عام 1987».أما الحساسية بسبب الطعام فتنشأ دائماً عن تناول غذاء يقوي استجابة الجهاز الهضمي كالقيء أو الاسهال أو استجابة تؤثر في الجسم كله كالاكزيما أو الاريتكاريا في الجلد.في معظم دول الغرب تتواجد استجابات حساسية ضد أنواع معينة من الأغذية تتراوح نسبتها بين 1 و2 % من السكان.أكثر أشكال الحساسية شيوعاً هي الحساسية ضد اللبن والبيض والفول السوداني وغيره من أنواع البقل والمحار والرخويات والسمك وفول الصويا والحبوب. وثمة أنواع من الفاكهة والخضار التي تسبب الحساسية مثل الفراولة والمشمش والجزر والكرفس. يشير الكاتب الى تحديد هوية الجينات التي تنتج بروتينات كثيرة مسببة للحساسية وأصبح من الممكن تجنبها عند التحوير الوراثي للعناصر التي تستعمل في الغذاء واستخدمت الهندسة الوراثية أيضاً في إزالة بروتينات الحساسية من النباتات الغذائية، على سبيل المثال أزيل تجريبياً في اليابان بروتين الرز إذ يثير استجابات الحساسية.مخاطر قليلةيعتبر العالم نوتنغهام أن مخاطر الحساسية هي قليلة للغاية لدى استعمال صويا مونسانتو المقاومة للروانداند لأنها لم تحور لتغيير تركيبها الكيماوي. وانه غالبا ما يتغير المحتوى البروتيني في عملية الهندسة الوراثية بهدف تغيير القيمة الغذائية للأطعمة ما يستلزم مراقبة هذه المنتجات بدقة لاحتمال أن تسبب الحساسية.وتؤدي حبوب لقاح المحصول عبر الجينية التي يجمعها النحل إلى حساسية لدى مستهلكي عسل النحل. في هذا السياق بينت دراسة أجريت في جامعة ليستر لحساب وزارة الزراعة البريطانية أن بروتينات حبوب اللقاح عبر الجينية تبقى فاعلة في العسل بضعة أسابيع. وانه من الجائز أن تكون مخاطرها ضئيلة، لكن بالنظر إلى تزايد عدد المحاصيل المهندسة وراثياً في الريف لا بد من أن تؤخذ مثل هذه المخاطر المحتملة في الاعتبار جديا. توضح هذه الحالة كيف أن التحوير الوراثي في كائن ما يؤثر في مادة غذائية لا علاقة له بها ابداً.في السياق نفسه يبيّن الكتاب أن نسبة انتشار الربو تزايدت في الدول الصناعية 30% أكثر من السبعينات وتضاعفت حساسية الجلد إلى أكثر من ضعفين، مبيناً أن السبب يكمن في التحولات في البيئة وفي أسلوب الحياة، فالمئات من الكيماويات التي تدخلها الأنشطة البشرية إلى البيئة تسبب الحساسية.مضادات حيويةتبين بعض الدراسات أن جينات مقاومة المضادات الحيوية لا تشكل أي خطر على الإنسان أو الحيوان بينما يتزايد القلق بسبب انتقال جينات المقاومة هذه إلى البكتيريا التي تحيا في أمعاء البشر والحيوانات ما يقلل من فاعلية عقاقير المضادات الحيوية في العلاج.أدى الاستعمال المكثف للمضادات الحيوية عموماً إلى تطوير مقاومة واسعة الانتشار للكائنات المسببة للمرض.يشير العالم ستيفن توتنغهام إلى أن تطور الزراعات بدأ منذ أكثر من عشرة آلاف سنة وتؤكد الشواهد الأثرية وجوده في الشرق الأوسط حيث استمرت التحسينات في نباتات المحاصيل منذ ذلك الحين لتوفير المتطلبات الغذائية للعشيرة.تعود بعض الشواهد إلى 3 آلاف سنة, حيث عرف القدماء تخمير الفواكه والحبوب. اليوم يبنى التطور في هذه المجالات من الزراعة والبيوتكنولوجيا على تكنولوجيا الهندسة الوراثية.