فلسطين 2007 أسوأ عام منذ 1982 تكوّن حكومة الوحدة الوطنية وانهيارها... وكارثة انفصال غزة

نشر في 31-12-2007 | 00:00
آخر تحديث 31-12-2007 | 00:00

لا شك أن عام 2007 هو الأسوأ في تاريخ السياسات الفلسطينية الداخلية على الإطلاق، وقد يكون الأسوأ بالنسبة إلى المصالح الوطنية الفلسطينية منذ أزمة الخروج من لبنان عام 1982.

بدأ عام 2007 والأزمة الداخلية الفلسطينية مستحكمة بمستوياتها المختلفة؛ سوء تفاهم شديد بين الحكومة والرئيس، إضراب قطاع التعليم والصحة، فوضى أمنية عاتية، احتكاكات على المستوى الشعبي بين أنصار «فتح» و«حماس». وبلغ الأمر بالشعب الفلسطيني أن أخذ يجرب بعض الأساليب النضالية التي تعلمها في صراعه مع العدو الإسرائيلي لوقف الصراع العسكري بين «فتح» و«حماس» وفرض حرمة الدم الفلسطيني؛ فخوفاً من وقوع مذابح في المناوشات بين قوى أمنية مختلفة قامت أعداد كبيرة من النساء الفلسطينيات في 28 يناير بافتراش الأرض للفصل بين المتحاربين.

والواقع أن هذه كانت واحدة من التجارب النضالية الناجحة للشعب الفلسطيني، والتي لم يمكن الحفاظ عليها بحكم تضخم الاستقطاب إلى حد لم يحفظ حتى الاحترام الواجب للشعب الأعزل.

وبكل أسف لم يتمكن حتى «اتفاق مكة» وتشكيل حكومة وحدة وطنية من تهدئة هذا التناقض المحتدم، فانهارت حكومة الوحدة الوطنية بعد ما لا يزيد كثيرا على ثلاثة أشهر.

ساهم في هذه النتيجة عوامل معروفة تعرضت لها مختلف المصادر ومراكز البحوث بقدر من الاسهاب؛ ففتح لم تتمكن من استيعاب خسارتها للانتخابات البرلمانية في يناير 2006 أو التعايش مع هذه الخسارة واعادة تنظيم وبناء الحركة بما يحررها من أزمتها الداخلية ومن صورة الادارة الفاسدة والمنعدمة الكفاءة التي أفقدتها ثقة الشعب، وفي الوقت نفسه فإن ضعف الرئيس سمح لمراكز نفوذ قوية بالتجذر داخل الأجهزة الأمنية وتشكيل طبقة تدافع عن وجودها ومصالحها في وجه، ليس فقط «حماس» وحدها بل الديموقراطية الفلسطينية ككل. ولا شك أيضا أن هذه الفئات كانت مدعومة أميركياً واسرائيلياً بما جعل من الصعب على الرئيس الفلسطيني أن يحرر «فتح» والسلطة من سطوتها حتى لو أراد.

وفي الوقت نفسه، عكس الصراع بين فتح وحماس أزمة «فتح» كما عكس التباسات «حماس»؛ فهذه الأخيرة دخلت الانتخابات البرلمانية من دون أن يكون لديها فهم واستيعاب للالتزامات الدولية والداخلية المرتبطة بتشكيل حكومة. ولذلك تذبذب موقف «حماس» بين وضعيها كحكومة وكحركة مقاومة، ولم تتمكن أبدا من عبور الفجوة وانهاء الغموض وتسوية التناقض بين التطلع لتشكيل حكومة أو نظام يقوم على عقيدة الاسلام السياسي من ناحية والاستمرار في العمل كحركة مقاومة مسلحة من ناحية أخرى.

بدا هذا التناقض مستعصياً استعصاءً شديدا بل كان العلة المباشرة من وراء التشوش والغموض في أسلوب قيادة «حماس» وفي حركة المجتمع الفلسطيني ككل من الداخل والخارج معاً.

ولا شك أن الفجوة الكبيرة في الفلسفة والتوجهات السياسية كانت عاملا هاما وراء اشتداد الاحتقان وان كان هناك اختلاف كبير في تحديد أهمية هذا العامل. فالبعض يقول بأنه رغم الخلاف الكبير بين فلسفة أبومازن السياسية وبرنامج «حماس»، فإنه كان من الممكن تسوية هذا الخلاف، فأمكن مثلاً للفريقين تبني الهدنة مع اسرائيل في اتفاق القاهرة 2005.

إن الخلاف العميق بين الطرفين فيما يتعلق بالموقف من التسوية السياسية مع اسرائيل كان هو العامل الأكثر حسماً والأكثر ثقلا وأهمية في الانفجارات المتوالية في العلاقة بين الرئيس والحكومة أو بين «فتح» و«حماس» وصولا إلى الانفجار الكبير في غزة في الرابع عشر من يونيو.

فكما هو معروف نجحت اسرائيل في أن تفوز بالمعركة السياسية على المستوى العالمي بعد نجاح «حماس» في اكتساح الانتخابات البرلمانية. فالولايات المتحدة وأوروبا ومن ثم «الرباعية الدولية» أكدت استمرار الحصار الدبلوماسي والسياسي والمالي للحكومة الفلسطينية حتى تقبل بشروطها الثلاثة: الاعتراف باسرائيل والقبول بالاتفاقيات السابقة لاسيما اتفاق أوسلو و«وقف الارهاب». ومثلت هذه الشروط الاختبار الحاسم لإمكان صمود أي حكومة فلسطينية في وجه ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة والتعقيد؛ وبينما كان أبو مازن يريد بكل تأكيد أن ينتهي بسرعة من الحصار بالتأقلم مع مطالب «الرباعية-اسرائيل»، فإن موقف «حماس» كان تحدي الحصار والاصرار على إسقاطه، وهو ما فشلت فيه فشلاً واضحاً.

ولأن الفجوة كانت كبيرة للغاية، انعقد الأمل الوحيد في تسويته على آليات صنع القرار وحل النزاعات في النظام السياسي الفلسطيني. غير أن هذه الآليات لم تساعد كثيراً بل أثبتت أنها عامل تفاقم إضافي. فالنظام الدستوري الفلسطيني المأخوذ من دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة قام على فكرة الرأسين، وتسببت هذه الفكرة في شلل الحكومة حتى في ظل رئاسة عرفات للدولة ورئاسة أبو مازن للحكومة؛ فالنزاع حول السلطة اليومية الحقيقية كان مستعراً وارتبط بالطبع بأهم جوانب القوة: قوات الأمن والمال، ثم تكرر هذا النزاع مرة ثانية في ظل رئاسة أبو مازن للدولة وأبو علاء للحكومة من دون أن يحدث أي تحسن في الادارة السياسية للمجتمع الفلسطيني.

وإذا كان هذا النظام قد اساء إلى كفاءة صنع القرار والوصول إلى تسويات ضرورية بالسرعة والفعالية الواجبتين في اطار هيمنة «فتح» وحدها، فيمكننا تصور حجم ومدى الضرر الذي تسبب فيه بعد ان توزعت السلطة بين رئيس من «فتح» وحكومة من «حماس» أو بين مؤسستي الرئاسة والبرلمان، وكلتاهما منتخبتان. وساهم أكثر في صعوبة التوصل إلى توافقات داخل هذا النظام الدستوري أن الحوار بين «فتح» و«حماس» كان محدودا للغاية تاريخيا، وكان فاشلا في كل الأوقات، وأن «حماس» كانت تشكل مشروعاً جديدا يقوم على أيديولوجيا وعقيدة سياسية مختلفة كل الاختلاف عن تيار «فتح» وبقية الفصائل الفلسطينية المشكلة لـ«منظمة التحرير».

كانت هذه العوامل وراء الفشل في ادارة سلسلة من الأزمات التي سادت خلال عام 2007. وربما يكون من المناسب أن نعرض لبعض أهم تلك الأزمات.

1- أزمة وثيقة الوفاق

تجسدت هذه الأزمة في رفض «حماس» الالتزام بها، واصرار أبو مازن عليها، إلى حد اتخاذه قرار عقد استفتاء على الوثيقة يوم 26 يوليو لتصبح هي المرجعية الرئيسية للسلطة الفلسطينية، وهو ما رفضته «حماس» رفضا باتا. وثار نقاش عقيم وطويل للغاية بشأن الاستفتاء مما ساهم في إرساء صورة عن «حماس» تقوم على التشدد والعناد البالغ. فقد شارك أسرى «حماس» في توقيع الوثيقة، ومع ذلك لم توافق عليها قيادة الحركة، وهو ما يفسره البعض بأن الوثيقة تفتح الطريق أمام «مفاوضات سياسية» مع اسرائيل. والواقع أن الوثيقة تقيد ابو مازن بقيود أشد بكثير، ولكنه كان يحتاجها بشدة لمنح شرعية «فتحاوية» ووطنية للمفاوضات التي كان يدفع إليها، رغم أن الوثيقة لم تنص على المفاوضات بصورة مباشرة؛ ولأن «حماس» خاضت مناقشات مريرة استخدمت فيها حججا دستورية وتشريعية متعددة فقد بدت كأنها غير راغبة في القيام بأدنى تنازل من أجل كسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وتجسير الفجوة بشأن الموقف من مفاوضات الحل السلمي للصراع.

2- الأزمة الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة

كانت الأوضاع الاجتماعية تتضاعف بصورة شديدة ومتصاعدة في الأرض المحتلة بسبب الحصار المالي الخانق وعجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين فترة طويلة جداً، وانهيار مستوى المعيشة لمئات الالاف من الفلسطينيين بصورة عامة. والحقيقة أن ما لم تفهمه «حماس» بصورة كافية هو المدى الممكن لتحمل الشعب الفلسطيني للحصار المالي والاقتصادي الشامل المفروض عليه وخصوصا بعد سنوات طويلة من البطالة والجوع والعوز والافقار، فضلا عن سياسات التدمير المنظم للبنى والمرافق الأساسية.

لم يتمكن الاسرائيليون من قهر الشعب الفلسطيني، ولا من فرض الاستسلام عليه من خلال سياسات البطش الاجرامية، بما فيها أعمال الاغتيال الاستهدافي والاعتقالات الدورية وغيرها، أما سلاح التجويع فهو أمر مختلف؛ إذ لم يؤد استخدام هذا السلاح إلى فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني، ولكن استمراره على خلفية فلسفة «حماس» السياسية أصاب المجتمع بتصدعات شديدة؛ فأكثر من 160 ألف فلسطيني يعتمدون مع عائلاتهم في معاشهم بصورة كاملة على مرتباتهم من السلطة، وأغلب هؤلاء يعملون في قطاعي التعليم والصحة.

ولذلك فإن اضراب المعلمين والعاملين في قطاع التعليم والصحة عام 2006 لفترة خلال عام 2007 شكل ضربة قوية إلى حكومة «حماس» واستفزها بصورة كبيرة للغاية، ونظرا إلى التزامن بين هذا الاضراب الطويل من ناحية والمماحكات الأمنية والسياسية مع «فتح» من ناحية ثانية، فإن «حماس» فسرت الاضرابات على أنها تحرك منظم من جانب «فتح» لاسقاط الحكومة من خلال فعل شعبي يرتبط بلقمة عيش موظفي الدولة وخصوصا المعلمين. ومن هنا حاربت «حماس» هذا الاضراب بضراوة شديدة، واعتبرته مؤامرة حاولت إفشالها بكل ما لديها من قوة من دون أن تحل القضية بصورة توافقية.

3- أزمة التهديد بإقالة الحكومة

وبسبب الخلافات المتفاقمة والعجز عن دفع مرتبات الموظفين والحرب الاعلامية بين الطرفين وفشل محاولات الوصول إلى حلول وسط، وجمود الموقف السياسي عموماً، ظهر كأن الوضع السياسي الفلسطيني كله يعاني شللا كامل، وبينما كان الرئيس الفلسطيني يراهن على تجديد عملية التفاوض ويستقبل المسؤولين الأميركيين الكبار لم تكن لديه وسيلة لإضفاء شرعية وثقل حكومي وسياسي على خطواته. كما أن الشلل الذي أصاب المجتمع على كل الأصعدة أظهر الرئيس الفلسطيني كأنه أضعف من أن يكون زعيما سياسيا يمكن الاعتماد عليه. ولذلك تشكلت ضغوط كبيرة عليه حتى يتخذ موقفاًَ حاسماً بما في ذلك إقالة حكومة «حماس» من خلال استفتاء شعبي.

والواقع أن الرئيس حاول الافادة من وثيقة الأسرى بحيث يطبق فكرته عن الاستفتاء الشعبي على الوثيقة وكأنه استفتاء أيضا على بقاء حكومة «حماس». ولكن ظهرت أيضا فكرة عقد استفتاء على قرار بحل الحكومة بصورة مستقلة، ولم يتمكن الرئيس من تطبيق أي من الفكرتين نظرا إلى أنه لم يكن راغباً في أن يظهر كأنه المسؤول عن تفجير الوضع الداخلي الهش. ولكن التهديد بالاستفتاء والحل ضاعف من فقدان الثقة بين الطرفين المتصارعين.

4- أزمة المفاوضات حول الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليت

ساهمت الأجواء الصعبة والمشحونة حول الأسير الاسرائيلي جلعاد شاليت أيضا في تعقيد الموقف بين الرئيس وحكومة «حماس» خلال عامي 2006 و2007. وشعر الرئيس أبو مازن بأن الحكومة وحركة حماس تعقدان المفاوضات لاحراجه وافشال تحركاته من أجل دفع العملية السلمية عموماً، فضلا عن محاول «حماس» الحصول على مزايا سياسية ومعنوية في مواجهة الرئيس من خلال التشدد؛ ولأن التشدد لم يفض إلى أي نتائج ايجابية، فإن الرئيس كان يشعر بمرارة شديدة ومتزايدة من موقف «حماس» بخصوص صفقة تبادل الأسرى التي كانت مصر قد توصلت فيها إلى نتائج جيدة جداً، وبوجه عام ساد شعور بأن «حماس» لا تصلح لسلطة واحدة، وأن قدرتها على اتخاذ قرارات سريعة وعقلانية محدودة، وأنه لم يعد من الممكن رهن المستقبل الفلسطيني بهيمنة «حماس» على الحكومة!

5- أزمة الانتخابات المبكرة

وفي سياق الانسداد السياسي وعدم نجاح فكرة الاستفتاء، حاول الرئيس أن يلعب ورقة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة. وكان قد ألقى خطاباً بهذا المعنى في جلسة للبرلمان الفلسطيني في 16 ديسمبر عام 2006، ولكن فكرة عقد انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة رفضت من جانب «حماس» كما لم تلق تأييداً من جانب معظم الفصائل الأخرى، ولكن أبو مازن ظل يلح على الفكرة خلال الربع الأول من عام 2007 كوسيلة لاجبار «حماس» على الاعتدال في البرنامج السياسي، وخصوصا فيما يتعلق بالتسوية السلمية.

6- أزمة التهديد بالحل العسكري

وفي محاولة لتعظيم الضغوط على «حماس» كان الاعلام الأميركي والاسرائيلي يتجه إلى التلاعب بالاستقرار السياسي، ومحاولات حل الأزمة داخلياً عن طريق الايحاء باتفاق أبو مازن مع إسرائيل وأميركا على حسم الموقف مع «حماس» عسكرياً. وفي هذا السياق أذاعت المصادر الاسرائيلية والأميركية على نطاق واسع ما يسمى بخطة دايتون المنسق الأميركي للأمن بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، وتشمل دعم الرئيس الفلسطيني بمساعدات مالية وعسكرية، بما في ذلك خطة لتعزيز وتقوية وتدريب وزيادة عدد القوات التابعة له في أريحا وفي مصر وعدة دول أخرى. كما أشارت اسرائيل إلى استعدادها للسماح بدخول قوات بدر التابعة للرئيس والمقيمة في الأردن للمساعدة في حسم الصراع ضد قوات «حماس» في غزة تحديداً. وربما كانت هذه الشائعات وراء المعارك الكبيرة التي سقط فيها عشرات من القتلى من الجانبين في القطاع خلال نهاية يناير وبداية فبراير من عام 2007. ورغم تطويق الأحداث في ذلك الوقت فإن آلة دعاية «حماس» ظلت تردد هذه الشائعات على اعتبار أنها حقائق، وهو ما جعلها تتجه إلى حسم الصراع عسكرياً بمبادرة من جانبها هي.

7- أزمة الانفلات الأمني الشامل

في غضون ذلك كله، كان الصراع بين الحركتين في غزة بصورة خاصة، وإن ظل في كل الأرض المحتلة يتضاعف بصورة يومية من خلال عمليات عسكرية وأمنية متبادلة. كان الطرفان يخوضان طوال الوقت عملية صراع ضارية حول السيطرة الفعلية على الأرض وعلى دولاب العمل الحكومي. ولم تدخر القوى الأمنية المتحدثة باسم «فتح» وخصوصا تلك المحيطة بمحمد دحلان ورجاله في وزارة الداخلية وسعا في إفشال حكومة «حماس» بكل السبل الممكنة وخارج اطار القانون. والواقع أن حركة فتح والرئيس شخصياً يتحملان المسؤولية التاريخية عن الانفلات الأمني الشامل الذي دبره المسؤولون الأمنيون السابقون في جهاز السلطة الذي شكلته «فتح». وكان يبدو من الواضح تماماً أن هذه القوى تدفع إلى اسقاط حكومة «حماس» ولو من خلال تدبير فوضى أمنية عارمة، وهو أمر لم يكن من الممكن لأي حكومة أن تقبله.

8- أزمة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية

كان من الطبيعي في هذه الأجواء المشحونة أن تستمر الرئاسة الفلسطينية وحركة فتح عموماً في رفض فكرة الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية تقودها «حماس» من دون تغيير يذكر في الفلسفة السياسية للأخيرة. ولكن الضغوط العربية والدولية لإيجاد حل سريع للانهيار السياسي والأمني كان أكبر من أن يقاوم، وكانت الضغوط العربية والدولية تتجه إلى تطبيق فكرة، إما الحكومة المحايدة وإما حكومة الوحدة الوطنية.

والواقع أن «حماس» كانت أدركت في نهاية 2006 أن محاولاتها لكسر الحصار المالي لم تحقق سوى نجاح محدود جدا، وهي لم تكن راغبة في الوقت نفسه القيام بأي تنازلات مهمة لاستئناف المفاوضات السياسية مع اسرائيل، ومن ثم أبرزت عدة أفكار بديلة مثل اعلان هدنة طويلة بدلا من الاتفاق السياسي. وفي هذا الإطار أيضا كانت فكرة حكومة الوحدة الوطنية مغرية من حيث إنها تسمح لفتح بكسر الحصار المالي والاقتصادي ومن دون أن تتحمل «حماس» مسؤولية القيام بتنازلات.

والواقع أن «حماس» كانت مستعدة لإظهار قدر كبير من المرونة في توزيع حقائب حكومة الوحدة الوطنية، ولكنها لم تكن مستعدة للقيام بأي تنازلات في البرنامج السياسي، ويبدو أن «حماس» رغبت في أن تقوم «فتح» بالتحرك السياسي الرامي إلى كسر الحصار، ولكن تحت اشرافها ومن دون الالتزام بأي تنازل في المستقبل!.

وتأكيداً لما قلناه من قبل بأن الخلاف أو الفجوة الحقيقية تتعلق بالبرنامج، فإن نجاح مفاوضات مكة لم يحل المشكلة، بل ربما يكون قد عقدها. فهذه المفاوضات لم تقد إلى أي تغيير في موقف «حماس» من قضية التسوية السلمية مع اسرائيل، والزمت ابو مازن في الوقت نفسه بصيغة بالغة التعقيد في التعاطي مع قضايا التسوية السلمية.

ورغم نجاح اتفاق مكة في 8 فبراير، فإن الحكومة لم تتشكل إلا بعد أكثر من شهر، واستغرقت مشاورات تشكيل الحكومة هذا الوقت الطويل، وعلى نحو ضاعف يأس الرأي العام مبكراً. وأدى هذا الوقت الطويل والضائع إلى تكريس الشعور الخانق بأن اتفاق مكة ولد ميتا وأنه لم يحقق «التجسير» المطلوب في الموقف السياسي بين الحركتين. وكان الوقت قد ضاع اساساً في الاعتراض المتبادل بين الحركتين بشأن الأسماء المرشحة اساسا إلى ما يسمى بالمناصب السيادية، وبصورة أخص وزير الداخلية ومساعديه.

وقد أدى رفض اسرائيل وأميركا للاتفاق إلى عقد مشاورات تشكيل الحكومة وسط مناخ من اليأس حول إمكان كسر الحصار المالي والاقتصادي.

ولهذا السبب، فإن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لم يُحدث الأثر المطلوب. وظل مناخ التطير والتشاؤم يسيطر على الموقف، ولاسيما بعد تبين استمرار حالة الشلل الأمني الذي كاد يدفع غزة نحو انهيار شامل بالفعل خلال ربيع هذا العام.

9- أزمة انقلاب «حماس» في 14 يونيو

ولم يعش اتفاق مكة أكثر من مئة يوم نتيجة لأنه كما وصفه التقرير الاستراتيجي الصادر عن «مركز الدراسات الاستراتيجية» في «الأهرام» كان اقرب إلى الاتفاق العشائري أكثر منه اتفاقاً سياسياً حديثاً.

وبينما تتعدد الشروح والنظريات عن أسباب لجوء «حماس» إلى حسم الصراع عسكرياً في الرابع عشر من يونيو، فإن وصف السيد خالد مشعل يبدو هو الأقرب إلى ظاهر الأشياء.

وصرح رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل لكاتب هذه السطور بأن أحداث 14 يونيو لم تكن مقصودة، وانها جاءت كانزلاق متراكم لوضع أمني متفجر، وغير قابل للتعايش أو الاستمرار، ويشير هذا الوصف إلى خطورة الوضع الأمني حتى في ظل حكومة الوحدة، كما أنه يشير إلى أن للأجهزة الأمنية الدور الأكبر فيه بالمقارنة بالأجهزة السياسية في الحركتين.

والواقع أن هذا الاختيار الانقلابي يبدو كأنه أمر محتم، ليس بسبب ثقل الأجهزة الأمنية المتضاربة على الناحيتين فحسب، بل لسبب أهم، هو أن التضارب في المشروعين السياسيين كان أعمق من أن يؤجل.

المشروع الفتحاوي «اليميني» كان يدفع إلى انقلاب يؤدي إلى تحرير يد أبو مازن في التفاوض مع إسرائيل بسرعة وحسم ومن دون التقيد بمواقف «حماس» في الحكومة.

والمشروع «الحمساوي» كان يدرك استحالة الاستمرار في الجمع بين موقف عدم التنازل في التعاطي مع قضية المفاوضات السياسية والنجاح في ادارة الحكومة، ودفع الرواتب وتحسين الاقتصاد. ويبدو أن «حماس» قررت تفجير حكومة الوحدة حتى لا تضطر إلى التنازل.

10- أزمة «فصل غزة»

كان من المنطقي أن يؤدي انقلاب «حماس» في 14 يونيو إلى مساعدة الأميركيين والاسرائيليين فعليا في تطبيق خطة «عزل غزة وفصلها» عن الضفة وعن العالم. فإقالة حكومة «حماس» تركت غزة بحكومة حمساوية، ولكنها معزولة عن العالم وعن بقية الشعب الفلسطيني. وكان يبدو من الواضح أن هذه ستكون نتيجة الانقلاب، ولذلك يستغرب كثيرون إتمامه على النحو الذي تم به.

ويفسر البعض رغبة «حماس» في القيام بالانقلاب برغبتها في تأسيس إمارة اسلامية في القطاع، وهو تفسير بالغ الضعف، لأن «حماس» ستخسر في النهاية لو استمرت عاجزة عن تقديم حلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية للقطاع. ويبدو أن التفسير السليم لهذا القرار هو أن «حماس» راهنت على هزيمة سريعة للأميركيين في العراق ومن ثم بداية التفاوض مع ايران وسورية وايجاد حل أفضل من خلال تفاوض يقوم على توازن بين القوة الاقليمية الأولى من ناحية والأميركيين حماة اسرائيل من ناحية ثانية.

ولكن هذا التحليل يبدو متجاوزا للواقع. فهو أولا يهمل قدرة اسرائيل على توجيه الموقف الأميركى، وثانيا يبالغ في سرعة انهيار الموقف الأميركي وطلبه التفاوض مع الايرانيين بما في ذلك التفاوض حول القضية الفلسطينيةّ! وأخيرا فإن الخطأ الأكبر لهذا الموقف هو أنه يعيد رهن المستقبل الفلسطيني بقوة خارجية وقوة غير عربية حتى لو كانت أكثر تأييداً للفلسطينيين من العرب أنفسهم.

في نهاية المطاف ضربت «حماس» نفسها بأن ساعدت في عزل غزة واطلاق يد الرئيس في التفاوض من دون أن يتقيد بموقف حكومة «حماس» المقالة. وكانت مفاوضات أنابوليس هي الثمرة الطبيعية لانقلاب «حماس» في غزة؛ فمن دون هذا الانقلاب كان الرئيس الفلسطيني مضطراً إلى التزام الموقف المتضمن في وثيقة الوفاق الوطني.

back to top