الهوس بالسرقة أسبابه وعلاجاته

نشر في 26-06-2007 | 00:00
آخر تحديث 26-06-2007 | 00:00

يرجّح بعض أطباء النفس أن يكون «الهوس بالسرقة» مرتبطاً باضطرابات أخرى تطال الإنسان كالإكتئاب أو إدمان مادة معيّنة أو إضطرابات الأكل كالشراهة والأنوركسيا والبوليميا.

الدوامة المفرغة التي يقع فيها «الكليبتومان»، أي مدمن السرقة، هي تحرير التوتر عبر السرقة التي تولّد اللذة والراحة الآنية وسرعان ما تتحوّل إلى شعور بالذنب يرفع من جديد مستوى التوتر الذي يقتضي تحريره من جديد. هكذا إلى ما لا نهاية.

يتفاوت مفهوم «السرقة» أحياناً بحسب مصدر تعريفها وسبب الإقدام عليها والدوافع الظاهرة والخفية التي أدّت إليها. لا يجوز التعميم والإستخفاف بما قد يكون ظاهرياً إنتشال سلعة أو أخذ غرض فيما هو داء نفسي واضطراب سلوكيّ لا يُقاوم في الأساس.

مرض «الكليبتومانيا» هو ما ترجمته معاجم اللغة العربية بـ «حالات الدغر». إنه هوس بالسرقة بدافع لا يقاوم. ماذا يفرقه عن السرقة؟ وما أبعاد السرقات عموماً؟

سرقة من نوع آخر

قد لا يتبادر إلى ذهن الإنسان أن تكون السرقة بدافع آخر غير الجشع أو الحاجة. فمعظم الحالات تتمّ إمّا بسبب حاجة السارق إلى الغرض أو إلى المال وإمّا لأنه «حرامي» بلا أخلاق تردعه أو ضمير يلجمه أو انّه غير قادر على شراء ما يريد. لكن الموضوع مختلف تماماً عندما يتعلّق الأمر بال «كليبتومانيا».

يفسّر الدكتور دوري هاشم (طبيب إختصاصيّ في الأمراض العصبيّة والنفسية، رئيس أسبق للجمعية اللبنانية للطب النفسيّ) هذا الهوس: «في حالات الكليبتومانيا تكون السرقة دافعاً الى الشعور بالمتعة السريعة. هي موجودة في المجتمع وليست نادرة كما يظن البعض. لعلّ «المشتبه بهم» الأكثر انتشاراً هنَّ من النساء في العقد الثالث ، أو الحوامل مثلاً، لسبب لا يزال مجهولاً، إضافة إلى بعض الأطفال أو المراهقين. جلّ ما في الأمر أنّ السرقة ليست لغرض اقتناء المسروق أو بيعه، بل تتلخص في الأمور الآتية: لا قيمة أساسية أو مادية للغرض المسروق. شعور بالتوتر الزائد قبل إتمام السرقة. شعور بالراحة بعد إتمام السرقة. إتزان عقليّ لدى السارق وغياب حالات الهذيان.

أجمعت التفسيرات على أنّ الدافع للسرقة يكون بهدف تهدئة التوتر والقلق اللذين يشعر بهما المرء فيعمد إلى انتشال غرض بسيط ليشعر باللذة والراحة بعد إنجاز الموضوع وتخفيف نسبة التوتر التي كانت تعتريه».

يرجّح بعض أطباء علم النفس أن يكون هذا «الهوس بالسرقة» مرتبطاً بإضطرابات أخرى تطال الإنسان كالإكتئاب أو إدمان مادة معيّنة أو إضطرابات الأكل كالشراهة و«الأنوركسيا» و«البوليميا». يجب التشديد على إمكان وجود إضطراب يرافق هذا التصرف. المشكلة تكمن في عدم ضبط الإندفاع لدى الشخص والتصرف دونما تفكير مسبق Impulse Control Disorder ما قد يدفع بالإنسان إلى ارتكاب نزوة ورغبة طال التوق إليهما.

حالات واقعية

من الصعب جداً أن يعترف أيّ من هؤلاء بهفوة ارتكبها لأن المرء بطبعه يحاول التملص من التهم مدّعياً البراءة مهما كلّف الأمر. يقول هاشم: «في حالات الكليبتومانيا من الصعب جداً كشف الذين يعمدون إلى سرقة أشياء تافهة قد لا نلاحظها. يستمرّ ذلك لسنوات طويلة ريثما يتمّ القبض عليهم متلبّسين. حتى في تلك الحالات قد ينكرون تواصل السرقات ويقولون إنهم سرقوا مرّة أو مرّتين فحسب. يمكن تمييز الهوس بالسرقة بعد إكتشافه إذ يتكرّر ولا ينتهي فالرغبة تظلّ موجودة».

أشار بعض مدارس علم النفس إلى إمكان مرادفة الشعور الجامح بالرغبة مع عدم الإكتفاء والإرضاء الجنسيّ فيحاول الشخص التخفيف من التوتر العالي عبر إيجاد الراحة بعد السرقة. هذا ما يؤكّده هاشم موضحاً: «عندما يُلقى القبض على السارق في أوجّ سرقته قد يشعر بالاحراج فيرتّب ذلك أموراً عائلية اجتماعية وحتى قانونية. في بعض الأحيان يكون السبب الأول لبدء العلاج هو الخوف من الملاحقة القانونية. إلاّ أنّ حالات الأشخاص الذين يتقدّمون إلى المعالجة لا تزال ضئيلة. فالبعض قد يعجز عن استيعاب فكرة الإعتراف بالسرقة أصلاً».

واجهة لامراض مكبوتة

أظهر بعض الترقّبات والتحليلات النفسية أنّ الشخص الذي يُقدم على السرقة من دون سبب قد يكون تعرّض في حياته لمشاكل حرمان أو هجر أو بُعد عاطفي وعائليّ في صغره. يجب العودة إلى المحرّض الأساسيّ الذي دفع به إلى ارتكاب هذه الهفوة. قد تظهر بوضوح عوارض الكآبة أو عدم الإكتفاء الذاتي أو انعدام التقويم الذاتي الحسن، فتكون السرقة مجرّد واجهة لأشياء مكبوتة.

الخروج من المرض

علاج الهوس بالسرقة يتضمّن الدواء وجلسات العلاج النفسي إضافةً الى تفهّم المجتمع، في هذا المجال أظهرت الدراسات أن الأدوية المضادة للإكتئاب قد تساهم في تخفيف هذه الرغبة في السرقة لكنها لا تزال طيّ الدرس. لم تثبت فاعليتها المطلقة بعد. لكن في وسع الإختصاصيّ أو الطبيب محاولة التفاهم مع الإنسان والتوغل في الحياة الخاصة لكشف سير العلاقات والتعاطي مع الأهل وافتراض حصول إدمان مادة معيّنة. بل ينظر حتى إلى العلاقات الإجتماعية وكلّ ما يحيط بالمرء ليتمكن من مساعدته على حلّ مشكلته.

تبقى الخطوة الأولى الأهم في اعتراف الشخص نفسه بوجود مشكلة كي يتمّ العمل على حلّها.يشير الدكتور هاشم إلى إمكان تعاطي طرق بسيطة من شأنها منع الولد منذ الطفولة من ارتكاب الهفوات عن طريق تطبيق مبدأ الثواب والعقاب. يعاقب الشخص حين يُخطئ ويُحرم ممّا يحبّ فيما تتمّ مكافأة الذي يتبع القانون ويطيع أهله فينال ترضية أو ما شابه؟ هذا الـ Behavioral Therapy يجازي المرء على تصرفاته الحميدة وغير الحميدة.

تمرّد أم مرض؟

قد لا يفهم الجميع أنّ الإنسان العادي عُرضة لبعض الأمراض النفسية البسيطة التي لا تصنّفه في خانة «الجنون» لكنها تلقي بأعبائها عليه. تفسّر الإختصاصية في علم الإجتماع رندلى صوايا: «المجتمع مكوّن من أفراد مختلفين، يعيش كلّ منهم بطريقته الخاصة، لكنهم يُجمعون على بعض الأمور الجوهرية. من منظار اجتماعيّ يصنف الناس الشخص الذي يسرق على أنه «سارق» بغضّ النظر عن سبب السرقة والدافع والمحرّض وحتى الكمية أو النوعية المسروقة. هذا التعميم لا يتأنّى إلاّ من جهل أو عدم إلمام بالعواقب النفسية والخلفيات المرضية».

لعلّ أهمّ ما ينبّه الأهل أطفالهم إليه هو الأمانة والنزاهة، ويعنون عدم السرقة. لكن لا نزال نرى حتى الآن بعض المخالفات. في هذا السياق تقول صوايا: «في الكثير من الأحيان قد يتقصّد ولد صغير انتشال قطعة من الحلوى أو الشوكولا أو السكاكر أثناء تواجده في السوبرماركت أو الدكان برفقة والدته بعد أن تمنعه من شرائها. هذا أمر بديهيّ ينمّ عن رغبة الطفل في تناول «الممنوع - المرغوب». هذه الحالة ليست مرضاً نفسياً أو عاهة إجتماعية بل محاولة للتمرّد على نظام الأهل، أما المراهق الذي يسرق كاسيت موسيقى أو أكسسواراً زهيد الثمن أو قلماً فبسبب رغبته في اقتنائه هو وعدم القدرة المادية على ذلك وشعوره بالقوة أو الذكاء لدى إنتشاله من دون أن يُكشف أمره. هذه ليست مشكلة نفسية بل مرتبطة بسلوكيات المراهقين المتمرّدين». أمّا في الحالات المرضية فلا يجوز تعاطف المجتمع كثيراً أو النفور المطلق من الشخص بل ينبغي التوصل إلى تفاهم مشترك يساعد الطرفين على حلّ المشكلة.

ملجأ من الإضطرابات

يشعر الإنسان أحياناً بضغط عارم يسيطر عليه ما يولّد توتراً عالياً يدفعه إلى محاولة التخفيف عنه بطرق شتى. يفرض المجتمع من ناحيته قيوداً كثيرة، يتعايش معها الأفراد، مرغمين أحياناً، فلا يشعرون بالقدرة على مصارحة الغير.

تقول صوايا: «إنّ الشخص الذي يُقدم على السرقة المتكرّرة المعروفة بالكليبتومانيا قد لا يلجأ إلى المحيطين به بسبب خوفه من الحكم عليه ولأنه يرى في هذا العمل الذي يقوم به منفذاً لاضطراباته الأخرى التي يساهم المجتمع أحياناً، من حيث يدري أو لا يدري، في زيادتها. أقدم الناس الآن على إدراج موضة جديدة هي موضة الألعاب الخطيرة وفيها الضغط النفسي والجسدي والمعنوي وحتى الجنسيّ أحياناً. يتمّ الإقبال عليها لما توفره من نشوة ولذة قويّة بعد اجتيازها. إنه ما يحفز الإنسان في البداية على الإقدام مستشعراً اللذة الفورية بعد ارتفاع مستوى التوتر والقلق».

back to top