تصور أولي للمشكلة الدينية والإصلاح الديني

نشر في 26-07-2007
آخر تحديث 26-07-2007 | 00:00
 ياسين الحاج صالح في الربع الأخير من القرن العشرين، وبعد إخفاق الحركة القومية العربية، أخذ يبرز شاغل الهوية في التفكير والثقافة العربية. قلنا في مقال سابق إنه واحدة من شظيتين للمركب القومي العربي (الشظية الأخرى هي «الدولة» التي ارتدت سلطة أداتية أو جهازية). كانت مسألة الهوية منحلة في العمل التاريخي لتغيير الواقع في الحقبة القومية. الآن طفت على السطح، مطلبا مستقلاً بذاته. وسيسوق تطلب الهوية والانشغال بها نحو الإسلام مرسى وتجسداً أمثل لها في الوقت نفسه. وليس إلا مفهوماً، من ثم، أن الإسلام الذي سيسند «الهوية»، أي تعريف الذات، لن يبدو لأحد مشكلة عملية أو مسألة فكرية. بل لن يظهر الإسلام كدين أصلاً. يرصد المرء مفارقة في أدبيات عقدي الثمانينيات والتسعينيات الأساسية: الإسلام حاضر كتراث وثقافة من جهة، وكحركات إسلامية معارضة أو عنيفة من جهة أخرى، لكن ليس أبداً كدين. التعاليم الإسلامية، الأسس العقيدية للدين الإسلامي، «الشريعة»، العبادات والإيمان الإسلامي المعاش، تاريخ الإسلام، بنية التدين الإسلامي المعاصر... هذه قضايا لن تدرس ولن تشغل بؤرة الاهتمام إلا في السنوات الأخيرة.

بصلة ما مع عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001، ومع ظهور منظمة «القاعدة» والفكر القاعدي «التفاصلي» والتكفيري، وتنويعات حركية وفكرية مقاربة في العديد من البلدان العربية، أخذ الاهتمام يتحول نحو المتن الديني الإسلامي ذاته. وهذه عملية نرجح لها أن تستقطب اهتماماً أكبر وتكون موجة العصر خلال العقدين أو ربع القرن المقبل.

ثمة شعور شائع اليوم أن لدينا مشكلة دينية. ليس الدين هو المشكلة إلا في عين بعض المتطرفين، لكن هناك مشكلة في الدين يتعين مقاربتها بالفهم والعمل. توتر علاقة المسلمين بالعالم، وظهور تشكيلات إسلامية متنوعة رافضة للعصر ولدولنا الحديثة ومجتمعاتنا القائمة، وصعود العنف الديني، وتدهور العلاقات بين المجموعات الدينية والمذهبية في مجتمعاتنا، وميل لا ريب فيه نحو التشدد الديني في أوساط واسعة من هذه المجتمعات، وبروز أشكال التدين في الحياة العامة كالحجاب، والفصل المتشدد بين الجنسين، وفتاو ٍ متضاربة وفية للتعاليم الحرفية للدين، لكن بلا سند عصري من حياة المسلمين أنفسهم، أو «جريئة» و«عصرية»، لكن بلا سند فكري وعقيدي متسق... كل هذه أوجه لمشكلة دينية لا ريب فيها.

مثل كثيرين، نعتقد أننا بحاجة إلى حركة إصلاح ديني إسلامية. الإصلاح السياسي أو إصلاح الدولة لا يكفي. وجوهر الإصلاح الديني في نظرنا هو نفي الإكراه عن الدين ومنه. فحيث الدين لا إكراه وحيث الإكراه لا دين. هذا جوهري وأساسي، وهو لا يتعارض مع فكر «القاعدة» وما شابه، بل كذلك مع «الوسطية الإسلامية» كما يعبر عنها مثلاً الشيخ القرضاوي (الملتزم بأساسيات تفكير سيد قطب، وبالخصوص جوهرها نظرية الحاكمية وتكفير من لا يعتبر مسألة السلطة عنصراً جوهرياً من الإسلام). الواقع أننا لا نستطيع أن نفهم كيف يجتمع الدين والإكراه، وأي قيمة لدين المُكره. ونرى أن الإكراه الديني يتعارض مع مفهوم الدين بالذات، فوق تعارضه مع الإنسانية والعقل.

أما الدعوة العلمانية التي يسّوقها كثيرون حلا لمشكلتنا الدينية فهي، من دون إصلاح ديني، بمنزلة وضع العربة أمام الحصان. فحال الدين الإسلامي اليوم (غير «متفاصل» مع الإكراه) وحال الدولة (استبدادية وفاسدة وفئوية) وحال «الأمة» (مشوشة الذهن ومنقسمة على نفسها) في حياتنا المعاصرة لا توفر انفصالا متبادلا للدولة والدين إلا بالعنف والإكراه. بعبارة أخرى، ما دام الدين لم يستقل بنفسه عن الإكراه وتنظيماته وحركاته وعقائده، فإن فصله عن الدولة لن يتم بغير الإكراه. وهذا يفتح باباً للعنف قد لا يغلق.

قد يقول قائل: لكن هل من أمل في إصلاح ديني من دون عنف؟ طوال قرون استقر تصور معين للإسلام، فهل يمكن أن يتبدل من تلقاء نفسه أو بالإقناع؟ ألم يقتض المثال الوحيد الذي نعرفه لإصلاح ديني حقيقي، ذاك الذي خبرته الكاثوليكية الغربية، عنفاً هائلاً؟ وهل كانت حقبة الإصلاح الديني الغربية غير حقبة عنف منتشر وتعصب مفرط ومذابح فظيعة... تمخضت في النهاية عن بروز الدول الحديثة و«قومنة» الدين (أي إخضاعه للدول، وليس فصله عنها الذي لن يتم إلا في مرحلة لاحقة) في معاهد وستفاليا عام 1648؟

بلى. قد تسير أمور السياسة والدين والمجتمع في منطقتنا في هذا الاتجاه فعلاً. لكن الطرح العلماني السائد يبدو أسير تصور تبسيطي، يهتم بفصل الدين عن الدولة، ثم فليفعل الدين بنفسه بعد ذلك ما يشاء. هذا غير واقعي وغير ممكن على الأرجح.

لكن هل من السهل والواقعي الكلام عن إصلاح ديني؟ ألا نبدو كمن يقتبس إشكالية أوروبية غربية ويطبقها ميكانيكياً على عالم الإسلام؟ لا نرى ذلك. الإسلام مثل المسيحية الغربية دين عالمي، ارتبط بالسياسة والدولة دوماً، سواء نبع الارتباط من تعاليمه كما يعتقد بعضنا، أو كان من عوارض التاريخ كما يعتقد كثيرون بخصوص المسيحية، وكما يعتقد كاتب هذه السطور وآخرون بخصوص الإسلام. أيا يكن، فإننا حيال دينين منخرطين بعمق وقوة في التاريخ، الأمر الذي يحتم أن تنعكس عليهما تغيرات التاريخ الأساسية التي أخذت تحصل في الغرب منذ خمسة قرون ولدينا منذ أكثر من قرنين.

في هذه الحيثية، ربما نحن في القرن السابع عشر الأوروبي اليوم، كما كتب هنري كيسنجر قبل شهور قليلة. وربما تكون العقود المقبلة مؤلمة جداً. فلا مناص أخيرا من مواجهة مشكلتنا الدينية، هي اليوم مصدر اضطراب سياسي وامتحان عقلي. ومن شأن استمرار الأوضاع الراهنة أن تقود إلى تفجر الإسلام ذاته وليس العالم الإسلامي وحده، فيما من شأن الإصلاح الديني أن يكون إنقاذاً للإسلام وضماناً لتجدده في عالم جديد لا يكف عن التجدد.

 

كاتب سوري

back to top