عواطفكم ... حوّلوها الى مصدر قوة
يوصي علماء الاجتماع بكبت العواطف في محيط العمل تفادياً للمشاكل والشجارات. وغالباً ما يُجبر الموظف على كبت مشاعر القلق والخيبة والسرور وعدم التعبير عنها خدمةً لمصلحة العمل.
لم تتمالك فاتن ب. (رئيسة قسم الموظفين في شركة تـأمين) أعصابها ذات يوم عندما دخلت إلى مكتبها ورأت أحد الموظفين جالساً مكانها أمام جهاز الكومبيوتر خاصتها ملقياً بالأوراق والملفات إلى جانب المكتب، وفاجأته يقرأ الرسائل الالكترونية المرسلة إليها. لم تكن المرة الأولى التي يحاول فيها الموظف الوقح استفزازها والتطاول عليها إلا أنها كانت تواجه هذا التصرف بالتزام الصمت إلى أن اشتدّ غضبها هذه المرة، ففقدت السيطرة على نفسها. تتذكر هذه الحادثة قائلة: «بدأت أصرخ بصوتٍ عال ومن دون تفكير تعبيراً عن غضبي تجاهه وتجاه سلوكه البغيض والمهين وكانت المرة الأولى التي يراني فيها الموظفون في هذه الحالة». لا شك في أن «فشة الخلق» هذه أعادت السكينة إلى قلبها، لكن ما لبث أن استحوذ عليها الشعور بالارتباك والحيرة، تقول: «بدا كلّ من حولي منزعجاً، فاللهجة التي استعملتها كانت قوية جداً والكلام عنيفاً. أما الموظف الذي أهنت فبدا شديد السرور لرؤيتي في هذه الحالة من الغضب بدل الشعور بالذنب وقد نال في الواقع مبتغاه».انطلاقاً من هذه الحادثة نستخلص أن العواطف أو الانفعالات يمكن أن تقضي على مصداقية الموظف في عمله متى أساء التعبير عنها أو أساء المحيطون به فهمها وهي من الأسباب التي أدت في السابق إلى المطالبة بالتخلي عنها وعدم إقحامها في مركز العمل الواجب أن تسيطر فيه الموضوعية والعقلانية على حساب الوجدان والعاطفة.قلبت الدراسة التي قدّمها عالم النفس دانيال غولمان عام 1995 بعنوان «الذكاء الانفعالي» الموازين وأحدثت ثورة في هذا المجال. اعتبرت نظريته أن الإنسان يتمتع بحاصل انفعالي يوازي حاصل الذكاء أهمية ويقيس مدى قدرتنا على الإقرار بانفعالاتنا أو انفعالات الآخرين والاستفادة منها وان هذه القدرة تتحكم بأدائنا ونوعية علاقاتنا الاجتماعية. بفضل هذه النظرية تمّ الاعتراف بمكانة الانفعالات والأحاسيس، لم يعد من الضروري لجمها في محيط العمل وبات يسمح بالتعبير عنها للنساء والرجال على السواء من دون الشعور بالذنب، على أن يتم إرساء بعض التوازن بين القلب والعقل. ستكتشفون في ما يلي الطرق التي ستقودكم إلى التعبير عن عواطفكم من دون السماح لها بالسيطرة عليكم.ردّ فعل عنيفقبل البحث في ترويض هذه الانفعالات. يجب أن نبدأ بفهم طريقة تأثيرها علينا وقد باتت الصورة واضحة أمامنا الآن. الإنفعالات هي ردود فعل تجاه الأحداث التي نتعرض لها أو الأفكار التي تراودنا وبالتالي ليس من انفعالات جيدة أو سيئة بحد ذاتها، فالفرح ليس أفضل حالاً من الحزن ولن يكون عقاب الخوف أشد وطأة من عقاب الحزن، يبقى الأهم في هذا المجال طريقة التعاطي مع الوضع الراهن التي يمكن أن تكون ملائمة أو غير ملائمة. يحصل الخلل عندما تتفاقم هذه المشاعر فتزيد عن حدّها المقبول وهي الحالة التي عاشتها فاتن ب. في الشهادة المذكورة أعلاه. برر سلوك زميلها غير اللائق غضبها وما زاد الطين بلة هو أن غيظها تراكم نتيجة تأجيل الافصاح عن شعورها ومحاولة كبته، فأصيبت بنوبة غضب عارمة واصطدمت بالواقع ووجدت نفسها عاجزة عن حل المشكلة. يختبر الموظف هذه الحالة عندما يستدعيه المدير إلى مكتبه، فيكون من الطبيعي جداً أن ينتابه بعض القلق ولكن المشكلة تبدأ عندما يسيطر عليه الارتباك الشديد لدرجة الشعور بالذعر. يطلق علم النفس على هذه الحالة «الانقلاب الانفعالي» وهي الحالة التي تسيطر فيها الانفعالات على صاحبها بشكل كبير وتمنعه من التصرف السليم فتعميه وتصمه وتعيق تفكيره. من هنا أهمية الحرص على السيطرة على مجريات الحديث والتحكم بوتيرته وفرض جو من الهدوء. ينصح بالتفكير جيداً قبل الاجابة ريثما تنضج الأفكار في الذهن.الاقرار بالشعوريعيق عدم إظهار الشعور الحقيقي الذي يتناسب مع الحالة القائمة التواصل ويؤثر سلباً على الحوار. هذا ما يحصل على سبيل المثال في الاجتماع الذي يطرح خلاله أحد الأشخاص سؤالاً لا يُجيد أحد الردّ عليه فيغلب على صاحب السؤال الخوف من أن يبدو عديم الكفاءة فيتظاهر بالغضب ويلقي المسؤولية على الحاضرين بدل اظهار ما يمكن أن يفسّر كضعف. يحجب الغضب الخوف في هذه الحالة وهذا ما يطلق عليه علماء النفس «الاستبدال الانفعالي». يؤدي لا شعورياً الى استبدال الشعور الذي يولّد الارباك بشعور آخر وبالتالي يصبح السلوك غير متناغم مع حقيقة الشعور وتكون ردود الفعل الصادرة عن المحيط مغايرة للتي كان يتمناها. لا تقعوا إذاً ضحية انقلاب أو استبدال انفعالي واسعوا بدل ذلك إلى إظهار الشعور الذي ينتابكم على حقيقته لا سيما أن التعبير بوضوح عن بعض المواقف يمكن أن ينير الطريق أمامكم. مقابل كل شعور ردود فعل معينة ويمكن أن تترتب عن هذه المشاعر بعض الاضطرابات. يمكن أن يؤدي الشعور بالألم الى الاحساس بضيق في التنفس أو عسر هضم أو ظهور مشاكل في البشرة. كذلك، يمكن أن يؤدي كبت الغضب إلى ظهور قروح أو الشعور بالغثيان وبتشنج في العضلات كما أن الأشخاص الذين لا يجيدون السيطرة على حماسهم يعانون من آلام في الظهر أو تشنجات في الشرايين. من الضروري أن تمنحكم هذه المؤشرات الوعي وتدفعكم الى التزام الهدوء والابتعاد عن الحادث قبل القضاء على المسببات. ينصح الأخصائيون بممارسة بعض تمارين التنفس أو التدليك أو اللجوء إلى القيلولة القصيرة لاستعادة القدرة على التحكم بالذات أو تحديد النقطة التي بلغتها الأمور. تمييز بين المشاعرعندما يستعيد الشخص المنفعل هدوءه يبقى عليه استجماع قواه وايجاد التعبير الصحيح الذي يصف الحالة التي مر بها وتحديد طبيعة الشعور الذي انتابه لتكييفه مع الوضع الراهن، فالغيظ والامتعاض ونفاد الصبر واحتداد الغضب هي من الأوجه المختلفة للغضب، كما أن الذهول واليأس والسأم هي من المشاعر التي تنتمي إلى فصيلة الحزن ولكن التمييز بين مختلف هذه المشاعر يساعده لا محال على مواجهة الحالة القائمة، من هنا ضرورة الاهتمام بالمشاعر التي تساور القلب قبل الاهتمام بالأفكار التي تراود الذهن لدى مواجهة موقف صعب. يمكن على سبيل المثال التمييز بين مختلف المشاعر من خلال الأعراض التي تبدو على صاحبها، فالخوف شعور قصير الأمد يؤدي إلى ظهور بعض المؤشرات فيما القلق حالة مزمنة تؤثر سلباً على المعنويات. على الشخص المنفعل محاولة تحديد العوامل المسببة لسيطرة المشاعر بغية التحكم بحدتها. هذا ما حصل مع رئيسة قسم الموظفين في إحدى الشركات الكبرى السيدة هلا فخري التي انتابها غضب شديد نتيجة اكتشافها عدم نزاهة أحد العاملين خلال اجتماع كانت تعقده، فاستبد بها الغضب لدرجة أنها نسيت الهدف الذي عقدت الاجتماع من أجله، لكنها حاولت بعدئذ التزام حدودها في علاقتها معه دون أن تقطع الصلة به لضرورات العمل، بعدما أدركت استحالة تغييره.يساعد تحديد طبيعة الشعور على اتخاذ القرار المناسب دون الوقوع في الخطأ وتوخي الحيطة والحذر، فالخوف على سبيل المثال يساعد على استشعار المخاطر والانتباه. نذكر في هذا المجال مثل السيد سليم الذي أبلغه رئيسه التسلسلي عن رغبته في تسليمه إدارة مشروع جديد فشعر بالخوف الشديد لدى سماعه هذا الخبر، يقول: «حاولت أن أفهم سبب شعوري بالخوف فما كان يقلقني هو نقص خبرتي في هذا النوع من الأعمال» لكنه لم يتردد في المطالبة بتلقي المزيد من التدريب وإن وعيه وادراكه الواسع ساعداه على الموافقة على العرض بسرعة دون محاولة التهرب.سلوك مثاليغالباً ما يشعر المرء بالغضب عندما تتعرقل مساعيه وتنشأ العوائق في طريقه. يكون هذا الشعور مثمراً في بعض الأحيان، فيزيد من إصرار صاحب العلاقة ويحثه على تبديد العقبات، أما الحزن فهو موضع استخفاف مرتبط بمفعوله السيئ، من شأنه التخفيف من عزيمة المرء وإغراقه في التعاسة لكنه يشكل أحياناً وسيلة دفاع يستعملها البعض كوقاية من أي اعتداء ووسيلة لاثارة الشفقة. في النهاية ينشر الفرح والطمأنينة والراحة في مركز العمل ويؤدي الى تماسك المجموعات وتضامنها، إنما ينبغي التعبير عنه بطريقة مناسبة. استحدثت أخيراً وسيلة لقياس مدى تمتع الموظف بـ«الصحة الانفعالية» تقوم على مبدأ سهل جداً يعتبر أن المرء يختبر مشاعر مختلفة (قلق، هلع، حماسة، ضجر، لامبالاة، سيطرة) عند ممارسته أي نشاط مرتبط بالتحدي القائم والكفاءات المطلوبة. يشعر الموظف الصالح بالحماس عند تكليفه بمهمة صعبة ولكنه سيشعر بالقلق لا محال عند زيادة التحدي، أما الشعور بالسأم فيسيطر على الموظف الذي تسند اليه مهمة سهلة جداً علماً انه يتمتع بكفاءة عالية. يتحقق الوضع الانفعالي المثالي لدى الموظفين الذين يسبب لهم عملهم متعة حقيقية بما أنهم يجيدون العمل الموكول إليهم مما يسمح لهم بتحقيق الآداء الأفضل. لا شك في أن السبل متاحة أمام المدراء والموظفين لتحسين «الصحة الانفعالية» التي يتمتعون بها للوصول الى بر الأمان وتحقيق التوازن بين النواحي الوجدانية والعقلية.تجربة شخصيةزياد منصور، مدير في إحدى المصارف : «لم أعد أمتنع عن التصرف بعفوية» أدركت أخيراً أهمية الالتفات إلى مشاعري والاصغاء الى صوت الوجدان. في السابق كنت أؤمن بضرورة السيطرة على المشاعر والعمل على كبحها وضرورة تغليب العقل على العاطفة وألزم الحدود مع الموظفين التابعين لي ولا أتصرف بعفوية، بالتالي كانوا ينظرون إليّ كمدير بارد وجاف وفائق الجدية ويتجنبون زيارتي في المكتب مع أني كنت أردد على مسامعهم أن بإمكانهم دخوله متى شاءوا. اليوم، تبدلت تبدلاً جذرياً فأصبحت أصغي إلى قلبي ولا أتنكر لمشاعري وصرت أكثر انفتاحاً على الآخرين وتقرباً منهم وأقل تهوراً بفضل تمارين التنفس التي خضعت لها وأكثر قدرة على التحكم بالأوضاع. تحسنت نوعية العلاقة بيني وبين الموظفين وباتوا يفصحون لي عن مكنونات قلبهم دون ريبة أو خوف ويستشيرونني في المشاكل التي يواجهونها. أدى جو الثقة هذا إلى تدعيم فريق العمل وزيادة انتاجيته وأيقنت بعد هذه الخبرة أن الطريقة الوحيدة للاستفادة من الموظفين إلى اقصى حد وتحسين العمل تكمن في التقرب منهم.