شرارات الرماد

نشر في 14-09-2007 | 00:00
آخر تحديث 14-09-2007 | 00:00
No Image Caption
تاليف: د. منصور عيد

عن منشورات اتحاد الكتّاب اللبنانيين

يردّنا منصور عيد أستاذ العربية في جامعة سيّدة اللويزة في بيروت، في روايته «شرارات الرماد» بادئ ذي بدء الى الأربعاء 10 إبريل 1973 يوم نفذّت وحدات من الكومندوس الإسرائيلي تساندها قوات من المظلّيين عدواناً على بيروت وضواحيها، فتوزعت القوات الإسرائيلية التي تم إنزالها بواسطة طائرات هيليوكوبتر على شارع فردان ومنطقة الطريق الجديدة وشارع صبرا. وقد تمكّنت القوة المعتدية من قتل ثلاثة من زعماء المقاومة الفلسطينية هم أبو يوسف رئيس اللجنة السياسية العليا لشؤون الفلسطينيين في لبنان وعضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، وكمال عدوان وكمال ناصر الناطق الرسمي باسم حركة المقاومة، وقتل في الهجوم أيضاً عدد من المدنيين. وعثر على جثة الفدائي كمال الأمين في منطقة الرملة البيضاء. أما في صبرا فقد نسفت القوة الإسرائيلية بعض الأبنية التي تشغلها المنظمة ويلجأ إليها ياسر عرفات. وسقط عدد من القتلى والجرحى.

الطالبة

خرج أهل بيروت في تظاهرات وأصيبت فتاة بجروح إثر الصدام مع رجال الأمن فرافقها صديقها جهاد الى المستشفى. سناء فيّاض هذه نطقت لما أفاقت من تاثير المخدّر باسم ابن خالها فؤاد الشوفاني. ثم وفدت والدتها فانهارت لمرأى ابنتها. ثم عادت البسمة. هناك استعرضت صفحات حياتها طالبة في السنة الثانية في دار المعلمين والمعلمات وستصبح بعد عام مدرّسة للغة الفرنسية.

أما جهاد طالب العلوم السياسية في سنته الجامعية الأخيرة فهو إقطاعي ثائر ويسموّنه في عكّار الاقطاعي الأحمر، يقع في غرام سناء.

يكمل منصور عيد روايته ففي منتصف يونيو 1974 تسلمت سناء شهادة نجاحها وتخرّجها من دار المعلمين بانتظار تعيينها مدرسة للغة الفرنسية في إحدى المدارس الحكومية فتخفّف عن والدتها مريم أعباء معيشتها فالمرتّب الشهري الذي تتقاضاه مريم من الدولة، منذ وفاة زوجها سيكفيها ويريحها ويخفف عنها وطأة الحاجات التي تزداد تضخماً يوماً بعد يوم واعتبرت سناء دعوة جهاد الى حفل تخرجها مناسبة طيبة تعبّر فيها عن وفائها لهذا الشاب الذي أنقذها من بين أقدام المتظاهرين، كما أنها فرصة لتأكيد صداقة بدأت تتبلور خلال العام المنصرم.

الأحزاب اليسارية

وفي بيت أبي فؤاد كانت تتوالى السهرات بحضور مريم شقيقته وابنتها سناء فيما كانت الأيام تنذر بمستقبل غامض ومريب. فأخبار الإذاعات تنقل حالة التوتر المستمر بين سكان المخيمات الفلسطينية والسكان المقيمين في جوارها. نبرة في الحوارات في تلك الأماسي تحمّل المسؤولية للغرباء الذين خرجوا على سلطة الدولة اللبنانية وراحوا يعبثون فساداً بأمن المواطنين. نداءات الأحزاب اليمينية المعارضة للانفلات والفوضى تلقى في النفوس تعاطفاً كبيراً، خاصة أن الأحزاب اليسارية تدعم التوجهات الفلسطينية: في هذا الجو المحموم والمشحون بالانفعالات العدوانية كانت سناء تحاول التعبير عن توجه معتدل، مبررة حجمها بالحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني وحالة القهر التي يعيشها اللاجئون فكانت لا تتردّد في اخبار الساهرين عن مشاهداتها وانطباعاتها المؤلمة أثناء تجوالها في مخيمات النازحين عن فلسطين.

أيلول 1974

وكرّت الأيام فكانت خلوة على شرفة مقابل البحر بين جهاد وفؤاد وسناء. تقترح سناء على جهاد القيام بحملة توعية وتوجيه ترافق اقتناء السلاح. تقيم لفترة في ضيافة أهل جهاد في قصرهم في عكّار. كانت المشاهد الطبيعية تبعث في نفس سناء نشوة لم تذق متعتها من قبل. في أيلول 1974 انتقلت سناء الى النبطية للتدريس فيها هناك تعرّفت إلى محسن، استاذ في المدرسة نفسها أعلن لها عن حبّه، لكن القصف الإسرائيلي لبعض القرى المجاورة نغّص فرحتهما. وفي عطلة اسبوعية في بيروت دعاها جهاد الى عشاء فحديث عن الزواج، لكنها كانت محتارة فلم تجب ثم كانت الحرب الأهلية بدءاً من 13 إبريل 1975 وتعطلت لغة الكلام فجأة حدث ما لم يكن بالحسبان.

«في أمسية الأحد الثاني من تموز، كانت سناء ووالدتها تستمعان، كعادتهما، الى النشرة الإخبارية، على الشاشة الصغيرة. العرض اليومي للأحداث المتنقلة بين أرجاء البلاد، تتراكم صوره، وتتزاحم في العناوين المألوفة التي لم تعد تثير إلا الشفقة والحسرة. ولكن...

المذيع يقول:

جريمة بشعة في سهل عكار يذهب ضحيتها أحد النافذين، وهو يدعى وجيه العبد...

وفي التفاصيل: السلطة الأمنية المحلية تلقي القبض على القاتل وهو الشاب جهاد محمد العبد ابن عم الضحية... القاتل يعترف بأنه استدرج المغدور الى السهل، وأطلق عليه رصاصة من مسدسه الخاص. أما الأسباب فتعود الى صراعات سياسية محلية».

انهارت سناء لدى سماعها الخبر وانتابها هذيان. لأيام استرسلت في البكاء. ثم لجأت الى عطف خالها وحنان ابنه فؤاد. أما جهاد فكان قابعاً في غياهب السجن، يغرق في تنهدات تحرق صدره. لكن عالم المساجين انفتح أمامه على كمّ هائل من المآسي. حاول محاميه أنور زيارته في السجن ففشل حتى توسط له أحد زعماء التنظيمات المسيطرة على الساحة البيروتية. اعترف جهاد لأنور بأنه بريء ثم جاءت سناء لزيارته. اعترف جهاد بأنه قتل ابن عمه وبدوية هي «رونق» عشيقته فانهارت سناء ثانية امام هذه الفاجعة الجديدة.

فجأة اقتحم مسلّحون السجن وأطلقوا سراح المساجين وفيهم جهاد. وفي خضم الفوضى أحسّت بأن حبّها لجهاد كان أعمى قلبها فغابت عنها الرؤية الواضحة. ثم كان السبت الأسود.

ثم يُولد الاستقلال ولئن متأخراً بعد ثلاثة عقود.

«شرارات الرماد» تنغلق هنا وثيقة روائية عن معاناتنا.

back to top