هي فوضى... و التوك شو

نشر في 01-02-2008
آخر تحديث 01-02-2008 | 00:00
 د. محمد لطفـي

ما يريده النظام هو أن تتحول كل صور الفساد ومظاهره إلى حالات فردية تشغل فكر المواطنين وحديثه لأيام، وتخرج غضبهم وسخطهم بعيداً عن معارضة النظام ورفضه، فهذه البرامج أشبه بالثقب الموجود في أعلى إناء الطهي، وأخشى أن يكون فيلم «هي فوضى» نوعاً جديداً من هذه الثقوب.

إذا كان عنوان الفيلم جملة خبرية فلا نملك إلا الموافقة، وإذا كان العنوان جملة استفهامية «بالعامية المصرية» فنجيب بأنها في الحقيقة أكثر من مجرد فوضى، فما يحدث في مصر الآن ليس فوضى، فالفوضى بالمفهوم الشعبي هي أمر غير منظم، ومن دون تخطيط، أما الفساد والظلم واغتصاب حق الشعب ووأد أحلامه والقضاء على الروح الشعبية والوطنية فلا يمكن أن تكون مجرد فوضى عابرة، بل هي مخطط مدروس ونظام مبرمج لإبقاء مقاليد السلطة والسيطرة على الحكم في يد مجموعة من الفاسدين والمفسدين، فهل يمكن أن يكون انهيار التعليم فوضى؟ وهل العبث بصحة المواطنين فوضى؟ وهل الاعتقالات والسيطرة على النقابات مجرد فوضى؟ وهل إلغاء الدعم فوضى؟ وهل إثقال كاهل المواطن اقتصادياً واجتماعياً فوضى؟ وهل التغييب المتعمد للمواطن عند مناقشة مصيره ومستقبله ومستقبل بلاده السياسي وجعل همه الأكبر توفير الحد الأدنى من المأكل والملبس له ولأسرته، هل كل هذه السياسات فوضى؟!

لا يا سادة هي أكبر بكثير من مجرد فوضى، وأكبر من أن نقضي عليها ونحلها بمظاهرة نسائية وحشد شعبي أمام قسم «بوليس»، وعذراً فالرمز وحده لم يعد يكفي، فالطرف الآخر «السلطة» لم يعد قادراً على فهمه، وعلى الأستاذ يوسف شاهين ألا يكتفي بالرموز مرة أخرى، فقد فات أوان الرموز والإيحاءات... أم أن الهدف من الفيلم –وعذراً- أن يكون مجرد «موفي شو» مثل «التوك شو» الذي نراه يملأ الفضائيات أي يكون باختصار مجرد «تنفيس» لغضب المواطن وامتصاص لكراهيته وبغضه للنظام عن طريق المشاهدة بدلاً من الاستماع المتكرر لسياسات النظام المرفوضة شعبياً في برامج «التوك شو» الفضائية.

يعتقد البعض أن انتشار برامج «التوك شو» التي تنتقد الحكومة في الفضائيات المصرية هو دليل ضعف رقابة الأجهزة الحكومية وعدم قدرتها على منع هذه البرامج، وفي الحقيقة أن هذا الرأي من باب الأماني أكثر منه تعبيراً عن واقع يعرفه الجميع، فالنظام من قمة الهرم إلى سفحه يعتبر أن هذه البرامج هي حصن الأمان له ضد الثورة الشعبية، وعلى سبيل المثال فالحديث مثلاً لأيام عن خطأ أو تقصير طبي أدى إلى إعاقة كاملة لفرد، أو الحديث عن انتهاك ضابط شرطة لآدمية مواطن، مثل هذين الحدثين يصبحان حديث الشارع كله لأيام، يسبقهما التنويه والتكرار بأنهما حادثان فرديان ولا يمسان الجسم الطبي أو الجهاز الأمني، ويغرق المشاهد في التفاصيل والحكايات من دون النظر أو التعرض لفساد هذه الوزارة أو تلك والذي أدى إلى هذه المأساة، والذي هو في الحقيقة جزء ودليل على فساد النظام بأكمله، وبدلاً من استنهاض القوى الشعبية من أجل التغيير والقضاء على الفساد ومحاسبة النظام ينتظر المشاهد عقوبة لضابط أو غرامة وقراراً لمواطن بالعلاج على نفقة الدولة أو صدقة من فاعل خير و«بس خلاص»... وهذا بالتحديد ما يريده النظام أن تتحول كل صور الفساد ومظاهره إلى حالات فردية تشغل فكر المواطنين وحديثه لأيام، وتخرج غضبهم وسخطهم بعيداً عن معارضة النظام ورفضه، فهذه البرامج أشبه بالثقب الموجود في أعلى إناء الطهي بضغط البخار، والذي يسمح بخروج البخار عند زيادة الضغط كي لا ينفجر الإناء، وأخشى أن يكون فيلم «هي فوضى» نوعاً جديداً من هذه الثقوب التي تحمي النظام من الثورة الشعبية وليس الدعوة إليها كما يرمز الفيلم.

نقطة أخيرة، من المعروف أن الأستاذ يوسف شاهين ينتقي أسماء أبطاله بدلالات رمزية، لذا نجده دائما يتمسك بـ«بهية» للتعبير عن مصر، واختار «نور» لتمثيل الشباب والأمل الذي تغتصبه السلطة، واختار «شريف» ليكون الأمين والمدافع عن أمل الشباب، لذلك كان من الطبيعي أن يكون اسم أمين الشرطة «جميل» أو... أما المأمور فلا خلاف أن يكون «مبروك» أو...

back to top