حالة قطيعة بين الشاعر والمتلقّي في الحداثة العربية

نشر في 25-10-2007 | 00:00
آخر تحديث 25-10-2007 | 00:00

ظهرت تباشير الحداثة منذ ما يربو على ستين عاماً وأحدثت ضجة وصخباً كبيرين، ثم ما لبثت أن انطفأت. وسواء كنا انتقلنا إلى مرحلة ما بعد الحداثة أو لم نفعل فإننا ندرك جميعاً أن إنتاجنا الأدبي، خاصة الشعر، تأثر كثيراً بتلك المرحلة، أقصد مرحلة الحداثة التي تبلورت وبزغ نجمها منذ أواخر الأربعينات من القرن المنصرم.

أسئلة كثيرة تباغتنا حين نتأمل حال الشعر العربي منذ ظهور بيان الحداثة الأول على يد أدونيس (1971) وما تلاه من بيان آخر للشاعر المغربي محمد بنيس (1980).

تبدو واضحة للعيان حالة القطيعة بين الشعر والقراء، لا سيما بعد ظهور تيار الحداثة بضجيجه وصخبه وتناقضاته. كانت القصيدة العربية تعيش حالة تواؤم مع جمهورها حين كانت مدرسة الإحياء تدير دفة الأمور فلم تكن الغنائية أو الأوزان وعمودية الشعر تحول دون الشاعر والمتلقي.

يحق للشعراء الحداثيين أو ما بعد الحداثيين أن يقولوا إن الشعر للنخبة والصفوة من البشر ولا يفهمه العامة. يحق لهم ذلك. لكن مع شيء من مراجعة الذات ندرك أن هذه المقولة التي بتنا نرددها على نطاق واسع تحوي بعض التناقضات ولا تخلو من الاستعلاء والغرور المبطن. إنه أمر يقف ضده الشعراء فهم يتحدثون على لسان الفقراء والمهمشين وهم في الوقت نفسه يكتبون للنخبة. ألا نرى أن ذلك ينطوي على شيء من التناقض؟!

منذ وقت غير قليل بدأ يتولد لديّ شعور بأن تيار الحداثة ربما أساء إلى القصيدة العربية وأحدث قطيعة بينها والمتلقي. لست متيقناً تماماً من مصدر فكرة كهذه أو إرهاصاتها الأولية. أحاول جاهداً ألا أصدق هذه المقولة وألاّ أتبناها، خاصة أنني أكتب منذ عدة أعوام في سياق يقف إلى جانب الشعراء الجدد ويدعم إنتاجاتهم المختلفة، لكن الحقيقة مختلفة تماماً عما نهواه أو نميل إليه. الحقيقة أن القصيدة المعاصرة أياً يكن مسماها، حداثية أوما بعد حداثية أو ما بعد ما بعد حداثية، تعيش حالة مأزق وهي أقرب إلى الاحتضار أو الموت المحقق، على الأقل في ما يتعلق بصلتها أو علاقتها بالجمهور.

محمود درويش

تدعم هذه الفكرة ربما تلك المقولة المشهورة التي أطلقها محمود درويش في مجلة «الكرمل» عام 1982 وأصبحت شاهداً يردده كثر من منتقدي القصيدة المعاصرة في شكليها التفعيلي والنثري. يقول درويش تحت عنوان أنقذونا من هذا الشعر: «إن ما نقرأه منذ سنين بتدفقه الكمي المنهور ليس شعراً إلى حد يجعل واحداً مثلي متورطاً في الشعر منذ ربع قرن مضطراً لإعلان ضيقه بالشعر، وأكثر من ذلك يمقته ويزدريه ولا يفهمه، إن العقاب الذي نتعرض له يومياً من جراء هذا اللعب الطائش بالشعر يدفعنا إلى قبول التهمة الموجهة إلى الشعر العربي الحديث، على الشعراء إن وجدوا أن يدخلوا عملية حساب النفس العسير... إن تجريدية هذا الشعر قد اتسعت بشكل فضفاض، حتى سادت ظاهرة ما ليس شعراً على الشعر، واستولت الطفيليات على الجوهر لتعطي الظاهرة الشعرية الحديثة سمات اللعب والركاكة والغموض، وقتل الأحلام والتشابه الذي يشوش رؤية الفارق بين ماهو شعر، وما ليس شعراً».

وغير بعيد عن بيان محمود درويش هذا ما قاله الدكتور خليل النعيمي معلناً موت الشعر: «كما صنعنا الفن الشعري قديماً عندما كنا بحاجة إليه فنحن في سبيل تشييعه الآن، ويأتي موته دليلاً على نمونا، فلقد بدأت المادة الشعرية تتساقط خلفنا، ونحن نحث الخطى دون أن نلتقط أنفاسنا في عصر طغيان وسائل الإعلام الأخرى الأكثر دقة الأسهل استعمالاً وانتشاراً». أما الشاعر العراقي سعدي يوسف فيعلن هو الآخر ضيقه بهذا الشعر وتذمره منه، هو المعروف بقفزاته التجديدية وميله إلى التجريب. يقول سعدي: «ثمة جيل شعري ينتهي، الشعر العربي الآن في درجة الصفر».

يقول أدونيس «ليست الحداثة وحدها ليست موجودة في الحياة العربية، وإنما الشعر، الشعر نفسه هو كذلك غير موجود».

الشاعر البحريني قاسم حداد شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ الحداثة في منطقة الخليج وهو شاعر يشبه أدونيس إلى حد كبير ويتقاطع معه في محطات عديدة، لا سيما ما يتعلق منها بالتنظير لمرحلة الحداثة ويتجلى ذلك في بيان «موت الكورس» الذي أصدره قاسم حداد وأمين صالح في البحرين في ديسمبر 1984. وبحسب د. عبدالله المهنا فإن منطقة الخليج لم تعرف صيغة خطاب نقدي يوجه التجارب الإبداعية إلى استلهام روح العصر، قبل أن يصدر هذا البيان الذي جاء بمثابة دعوة صريحة إلى مساءلة الثوابت والأشكال الإبداعية التي فرضت هيمنتها على المبدع عبر العصور، دعوة صريحة إلى التمرد عليها ونبذها، بل ومهاجمة من يرتضيها أسلوباً للإبداع.

وإذا كان «موت الكورس» أول خطاب نقدي يدعو إلى تبني الحداثة في منطقة الخليج فإن السؤال الآن ماذا قدم هذا الخطاب للقصيدة المعاصرة. لقد كان بمثابة البشارة أو الفاتحة الأولى للكتابة الحداثية التفّ حولها عدد كبير من الشعراء والمثقفين، لكنه أدى من ناحية أخرى إلى قطيعة بين المتلقي والشاعر وتولدت عن ذلك دائرة كبرى يحوم فيها الشعراء ويتحدثون إلى بعضهم من دون تواصل أو اتصال مع المتلقي، الإنسان البسيط في الشارع والمقهى. نتجت من هذا الخطاب حالة إقصاء لكمّ هائل من القراء والجمهور.

التجربة السعودية

كان الشاعر السعودي سعد الحميدين واحداً من كوكبة ظهرت في الستنيات من القرن المنصرم، وأخذت على عاقتها مسؤولية كتابة النص الحديث. وبحسب الناقد عبدالله الغذامي فإن ذلك لم يكن سهلاً ولا ميسوراً في بيئة ترى أن الشعر هو الخيمة العربية ذات الأعمدة الصلبة وأن أي مساس بأعمدة هذه الخيمة سوف يهدّ البنية الثقافية للأمة وفي مهدها. لم يكن الحميدين شاعراً فحسب بل هو مشرف صحافي ومسؤول عن صفحات ثقافية. وزاد ذلك من حدة الهجوم عليه باعتباره ناشراً ومروجاً لهذا الشكل الجديد من الكتابة. لم يكن الحميدين يقف وحده في فوهة البركان في ما يتعلق بتجربة الحداثة فهناك جيل الثمانينات من الشعراء الحداثيين في المملكة ومنهم محمد الثبيتي الذي ثارت ضجة كبيرة حول كتاباته، لا سيما ديواناه «إيقاعات على زمن العشق» و{عاشقة الزمن الوردي». ويمكن أن نضم الشاعر علي الدميني وشقيقه محمد إلى هذه الحقبة أيضاَ. ومهما يكن من أمر فإن فترة الثمانينات شهدت قمة الجدال والصراع بين القديم والجديد. الطريف في الأمر أن هذا الصراع بلغ حد التفسيق والتكفير والخروج على ثوابت الأمة، بحسب تعبير الكاتب تركي العسيري، وساهمت هذه الحملة بشكل أو آخر في انزواء رواد هذا التيار ومريديه ولم يستطع شعراؤه تجاوز بعض النصوص التي كتبوها بل أصبحت في ما بعد وبالاً عليهم. يذكر العسيري أن الشاعر السعودي محمد زايد الألمعي كان من أوائل من كتب القصيدة الحداثية في عسير وتعرض بسببها للكثير من الهجوم إلى حد إزاحته من رئاسة النادي الأدبي في أبها بطريقة تراجيدية. كان ماضيه الحداثي وحاضره التنويري عاملين مساعدين على سقوطه السريع. وتلك من المفارقات العجيبة.

مأزق الحداثة

يذكر الناقد محمد العبد حمود أن مأزق الحداثة يتمثل في عدة أمور منها: تشابه الخطاب الشعري أو العمودية الجديدة، كذلك استسهال الكتابة الشعرية فكان أن ظهرت نصوص كثيرة لا تشهد على مواكب أكيدة. كذلك فإن «الثقافة» هي مصدر الكثير من النصوص الشعرية الجديدة، من دون أن تمتد لهذه النصوص جذور في مراحل أدبية سابقة. وهناك التخبط الدائم والتجريب في عملية الكتابة الشعرية.

لا نتفق مع د. العبد حمود في بعض ما ذهب إليه فنحن نرى أن التجريب دليل عافية وخير، كما أن الثقافة عامل أساسي في كتابة القصيدة، سواء كانت تقليدية أم في قالب حداثي.

المأزق الحقيقي هو في حالة القطيعة بين الشاعر والمتلقي، وإن كنا نأمل في نصوص ما بعد الحداثة أن تعيد إلى الشعر شيئاً من رونقه، خاصة أنها معنية بالبسطاء والمهمشين، وتعلي من شأن الثقافة الشعبية في مقابل القوالب والأطر المؤسسية الجامدة. فهل تنجح قصيدة ما بعد الحداثة في مهمتها؟ ذلك أمر سوف تكشف عنه الأيام والسنون المقبلة.

back to top