حروب القرن الواحد والعشرين المؤلف: إينياسيو رامونيه الناشر: دار التنوير، ترجمة أنطوان أبو زيد
سليمان بختييُعتبر اينياسيو رامونيه أحد أبرز المثقفين العالميين وهو رئيس تحرير جريدة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية. يحاول في كتابه «حروب القرن الواحد والعشرين ـ مخاوف ومخاطر جديدة» ترجمة أنطوان أبو زيد، تقصي المرحلة التي يمر فيها العالم واستخلاص أبرز الخصائص التي تميز كوكبنا مطلع القرن الحادي والعشرين، خاصة بعد هجمات 11 أيلول. انطلاقاً من توصيف الواقع حيث الولايات المتحدة في مرتبة الإمبراطورية العظمى في العالم وللمرة الأولى في التاريخ فيترتب على ذلك:
1 ــ إضعاف الأمم المتحدة وشلّ فاعليتها.2 ــ تغييب فاعلية المنحى التسووي في المنازعات.3 ــ تأتي الحلول المطروحة عن طريق الضغط والحرب والعنف. ويلاحظ رامونيه أن هذه السلطة الامبراطورية: 1 ـ تملك القوة الجبارة التقنية وتعجز عن السيطرة، 2 ــ بروز ظاهرة العولمة حيث الفاعلية للشركات المدمجة التي تحلم بالسيطرة على العالم. وإزاء هذا الواقع الشائك والصعب، ما هو أفق حروب القرن الحادي والعشرين وأدواتها؟المادة الرماديةمن يسود العالم اليوم؟1 ــ جغرافياً: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.2 ـ اقتصادياً: الولايات المتحدة وألمانيا واليابان.وفي الحالتين تتبوأ الولايات المتحدة مركز الهيمنة والصدارة. هذا يقود أيضاً الى سؤال التبدل في أحوال العالم في ما يتعلق بالثروة. إذ أن ثروات الأمم الجديدة تقوم على ما أسماه رامونيه «استثمار المادة الرمادية» أي المعرفة والأبحاث والقدرة على التجديد وليس على انتاج المواد الأولية أو العوامل التقليدية الجغرافية والديموغرافية. يرى رامونيه أن ما يحدث اليوم هو «الثورة الرأسمالية الثانية» والتي حملت تحولات في ثلاثة مستويات: 1 ـ في المجال التقني (معلوماتية رقمية).2 ــ في المجال الاقتصادي المصرفي (العولمة والموللة).3 ــ في المجال الاجتماعي الذي بات قائماً على شبكات وعلائق وليس تراتبيات. إلا أن هذا التطور التغييري الملحوظ في العالم جلب معه التحديات الكبرى التي تواجهها البشرية، في مطلع القرن الجديد. الى المشاكل الداخلية في كل بلد مثل استبعاد الجماعات وأزمات الهوية وتحويل السلطة، فثمة:1 ــ تدهور البيئة واختلالها، 2 ــ النقص في مياه الشفة وانعكاسات ذلك على المنازعات الاجتماعية والاقتصادية، 3 ــ موت الغابات، 4 ــ التقنية المفرطة التي تؤدي الى فقدان الناس معنى العيش معاً وإحساسهم بالشأن العام. هذه المقدمات تعني أن العالم في أزمة عميقة. يستشهد رامونيه في وصفها بما قاله غرامشي ذات يوم «حين يموت العجوز ويتردد المحدث في الولادة» أو بحسب ألكسيس دو توكفيل «حين لا يضيء الماضي الحاضر فإن للروح أن تمضي في الظلمات»، لكن كيف يكون الحل للخروج من عنق الزجاجة؟ يرى رامونيه أن الناس في حاجة الى حالمين يفكرون وإلى مفكرين يحلمون وإلى تحطيم الإيديولوجيا الليبرالية من خلال هندسة جديدة للمفاهيم وإيجاد معنى ومشروع وقضية. يحلل رامونيه أبعاد عملية 11 أيلول والحرب العالمية ضد الإرهاب ويستنتج بجرأة بطلان مقولة أن الإرهاب ليس سوى الإرهاب الإسلامي وأن ما يحدث في الحرب ضد الإرهاب هو في معنى ما قطيعة فاصلة بين حقبتين وبالتالي وداعاً للحريات والأهداف النبيلة، وأن السيادة انتقلت من الله الى الأمة لتتركز في الفرد. وثمة بروز لما يسميه الشبكة ـ الدولة أو الفرد ـ الدولة ويقدم مثلاً على ذلك تجربة بن لادن.حرب المئة عاميخصص رامونيه في كتابه فصلاً خاصاً عن الشرق الأدنى تحت عنوان حرب المئة عام الجديدة. ويوجّه انتقاداته في الصراع العربي الإسرائيلي إلى سياسة الاستيطان أو ما يطلق عليه «سياسات تشريع التعذيب والتمييز العنصري والقمع قانونياً من قبل دولة إسرائيل» (ص 92) ويمضي متسائلاً هل إسرائيل مشروع أخلاقي؟ ويناقش الوضع الإيراني والإصلاحات المتوخاة والصراع بين الاصلاحيين والمحافظين وإلى أين يمكن أن يفضي الصراع؟ وهل تندفع إيران نحو العمل الديبلوماسي على حساب العمل العسكري والدعم الذي تؤمنه لحزب الله والمنظمات الفلسطينية؟ يضيف رامونيه الوضع في الشرق الأوسط بأنه مجال الفرص الضائعة معتبراً أن السلام ليس في المتناول. والسبب يكمن في: 1 ــ التعنت الإسرائيلي، 2 ـ عدم قيام الولايات المتحدة بدور الوسيط العادل بين الطرفين، 3 ـ غياب الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. أما ما يقترحه للسلام فهو تعايش دولتين عربية وإسرائيلية. يرى أن ثمة يداً عربية محدودة للمصافحة وإذ تقدم إسرائيل فإنها تنقذ الشعبين من دمار معلن» (ص 118). ينتقد رامونيه العولمة ومعاداتها من زاوية أنها حرب كونية تتجلى بوادرها في اقتصاد جديد وبروز شركات عملاقة ودول قزمة ورؤساء مطاردين من بينوشيه الى حسين حبري وأرييل شارون وفوجيموري وحتى جاك شيراك. ويعزو ذلك في التحليل الى أن مقابل العولمة المالية تتنامى أيضاً عولمة للتطلب الأخلاقي (ص 143). لكن ما الحل إذن؟ الوقوف الى جانب بعض الحالمين الجدد بالمطلق الذين يذكرون الناس بأن الاقتصاد ليس عالمياً وحده بل أن حماية البيئة والتفاوت الاجتماعي وحقوق الإنسان شواغل عالمية أيضاً يجب الإمساك بها.الضعيف على الأضعفيميز رامونيه في كتابه «حروب القرن الواحد والعشرين» بين حرب يخوضها القوي على الضعيف (شمال الأطلسي ضد يوغوسلافيا) وحروب يشنها الضعيف على الأضعف (صربيا على كوسوفو). الحروب الأولى تقنية الكترونية والثانية مجازر وتهجير واغتصاب وإعدامات جماعية. وإلى ذلك كله هناك المعايير المزدوجة ويبررها بالسياسة الدولية وضرورة الدفاع عن المصالح العليا للاتحاد وتوسيع نطاق الديمقراطية. مفهوم صاغته أميركا في 1999 جوهره الخضوع للهيمنة. يناقش رامونيه أسباب الحروب الحديثة ويخلص إلى أن حلف شمال الأطلسي مثلاً استفاد من غطاء التدخل الإنساني في حرب كوسوفو لخرق سيادة الدول وأنظمة الأمم المتحدة. يسأل: كيف يمكن التوفيق بين الاهتمام الإنساني واستخدام القوة؟ وهل يمكن أن تكون ثمة عمليات نصف أخلاقية؟ وينهي رامونيه كتابه بالتهديدات التي تواجه العالم:1 ـ السلاح النووي، 2 ــ التهديدات التي تطال الهوية، 3 ــ الرعب من المرض والكوارث والبيئة والجوع، 4 ـ حروب الإرهاب.يبقى السؤال: كيف يمكن تحقيق مجتمع متمدن نفسياً؟ وما هو الإنسان وأي نوع من البشر ينبغي أن نصنع؟ وماذا بعد الكائن البشري؟ وهل يمكن أن يتغير العالم؟ يدعو رامونيه الى التمرد ويرى أن ثمة جنيناً للمجتمع المدني آخذٌ في التشكل وأن مطلب العدالة والمساواة يعود بقوة الى العالم وأن هناك مطالبة بجيل جديد من الحقوق (طبيعة محمية وبيئة غير ملوثة وتنمية إنسانية) والعمل من أجل بناء مستقبل مختلف يقوم على مبدأ التنمية المستدامة وتجريد السلطة المالية من سلاحها. وتصور توزيع جديد للعمل والعائدات وإعادة المكانة لدول الجنوب الفقير والاستثمار في المدارس والمساكن والصحة، وأيضاً محكمة جزائية دولية وتحرير المرأة ووقاية البيئة والتلاعب الوراثي.