من البحر المتوسّط إلى الخليج لأوبنهايم... كاميرا رحّالة من بيروت إلى زنجبار

نشر في 08-04-2008 | 00:00
آخر تحديث 08-04-2008 | 00:00

انطلقت العلاقة بين الألمان والمسلمين استشراقياً في القرن السادس عشر عندما تحمَّس بعض المستشرقين الألمان وسعى إلى تعليم اللغة العربية. وثمة فئةٌ معتبرة من المستشرقين كانت لهم جهود واضحة في صناعة الوئام بين الثقافات، وكانوا وسائط لتعريف الغرب بالثقافة الشرقية، من خلال الدراسات والبحوث والترجمة والنقل وحفظ التراث العربي الإسلامي وفهرسته وتصنيفه وترميم المعطوب منه.

من أبرز هؤلاء المستشرقين ماكس فون اوبنهايم الذي منذ أن قرأ «الف ليلة وليلة» في صباه غدا منجذباً إلى عالم المشرق. وبعد إنهاء دراسة الحقوق التي تخصص فيها نزولاً عند إلحاح والده الذي كان يريد أن يضمن له مهنة محترمة في ما بعد، رافق عمه في رحلة إلى أثينا والقسطنطينية وسميرنا شتاء 1883-1884. وأثمرت رحلاته الى الشرق مجموعة كتب منها «البدو» و{من البحر المتوسط الى الخليج»، الصادر حديثا عن دار «الوراق»، الذي يدوِّن فيه بداية رحلاته الى الشرق من بيروت عبر حوران والبادية السورية وبلاد ما بين النهرين الى بغداد والخليج العربي.

أعلام، قبائل، جماعات، انتماءات عرقية ودينية وأماكن شكلت مجتمعة فصول رحلة أوبنهايم التي اجتازت الوصف لتمسي حديثاً عن البلاد والناس يعالج تاريخ وجغرافية سوريا وبلاد الرافدين والتي تشمل، الى جانب المراجع الكلاسيكية لمؤلفين إغريقيين ورومان وعرب وكذلك مؤلفات مؤرخين عرب حديثين، كتب رحلات أوروبية قديمة كثيرة وعدداً كبيراً من المقالات العلمية الجديدة المنتشرة في مجلات كثيرة.

أحرف عربية

حرص أوبنهايم على كتابة الأسماء العربية للأماكن والأشخاص بشكل صحيح بأن طلب من سوريين متعلمين موجودين في الموقع نفسه كتابتها بالأحرف العربية. وحدّد النباتات التي جمعها الكاتب، والتي بدت له مهمة كمثال لجملة النباتات الصيفية الموجودة في البادية السورية وبلاد الرافدين، البروفسور دكتور آشرزون.

على أن الكاتب جاب عالم الإسلام مراراً وتكراراً. فقد قادته رحلاته من المحيط الأطلسي الى الغانج والى زنجبار وإفريقيا الشرقية الألمانية. وفي القاهرة سكن في الحي العربي وأمضى أشهراً عدة مع السكان المحليين حصراً، ساعياً الى استكمال دراساته عن اللغة العربية وعن عادات المسلمين ومعتقداتهم. وقد نُشر تقرير أولي عن الرحلة التي تشكل موضوع هذه الصفحات، مع خريطة للطريق الذي سلكه، في نشرة بيترمان الجغرافية عام 1896.

من بيروت الى زنجبار، يتنقّل أوبنهايم بخطى واثقة مخلّفة خرائط أخرى للشرق، ليس لحدوده ومناطقه ومحيطاته، بل لثقافة لم يحصرها المعنى الضيق لعبارة «مذكرات يومية» التي أوضح الكاتب أنها المرجع الأول لكتابه في المقدمة، بل وفق طموح متمثل في «تقديم صورة عن البلدان وأهاليها ضمن تطورها التاريخي وخصوصياتها الإثنوغرافية والدينية».

يذكر أنه استفاد أيضاً من كتب أدب الرحلة السابقة وكذلك من قراءة ما يناسب موضوعه من الأدبيات العلمية لعصره.

يشمل القسم الأول من «من البحر المتوسط الى الخليج» الطريق من بيروت عبر حوران وصحراء الحرّة الصخرية الواقعة وراءها والتي عبرها أوبنهايم من سالي الى الضمير على طريق جديد كلياً تقريباً حيث تمكن من تسلق براكين الصفاة.

ويمشي القسم الثاني على الطريق من الضمير، الى بير زبيدة ثم الى القريتين عبر منطقة مجهولة ايضاً، وبعد ذلك عن طريق تدمر عبر البادية السورية الى دير الزور والفرات. لينتهي بذلك الجزء الأول.

أما القسم الثالث فيتناول الطريق الجديدة بمعظمها عبر منطقة ما بين النهرين على امتداد نهري الخابور والجرجر الى نصيبين، الى الشيخ فارس، شيخ قبيلة شمر، الذي كان آنذاك يخيم الى الشمال من سنجار، ثم عبر سهول ما بين النهرين الى الموصل. ويشمل القسم الرابع والأخير السفر بالعبّارة على نهر دجلة نحو الأسفل حتى بغداد ثم السفر الى البصرة وعبر الخليج العربي.

تدمر

تتناوب في هذه الفصول مقاطع من معالجات دراسية واسعة المدى على غرار الفصل المتميز حول الدروز أو مدينة تدمر الصحراوية، مع مقاطع وصفية من وقائع الحياة اليومية التي يعيشها المسافر.

وإلى جانب التعريجات على مسائل من علم النباتات توجد معاينات فنية ومعمارية تاريخية: إنه كتاب بمثابة موسوعة، صندوق عجائب مصور ثري، بل فاخر الثراء بالصور والخرائط والمخططات والرسوم الأولية.

لا شيء تقريبا قد أفلت من عين المسافر الثاقبة والفضولية، لا «سوق الكتب البيروتي الذي لا يزال متخلفا» و{لا كميات الجوارب التي صدرتها ألمانيا إلى بيروت عام 1895».

وفي «مدينة بيروت التي في طور التفتق المطّرد»، والتي تدور فيها وقائع تقريره يلتقي أوبنهايم بجوق موسيقي نسوي من بومين قد شهدن ازدهار تجارتهن في بلاد المشرق وينتهي بوضع الرحال فيها».

ومهما كان ولع الكاتب بالتاريخ وعلم الآثار كبيراً فإن ذلك لم يجعله يتغافل عن التحولات الساحقة التي يعيشها عصره. ففي بعلبك يعثر على «محطة سياحية لمكتب سفريات توماس كوك مع كل ما يتبع ذلك من موكب الخدم والمترجمين»، ويعبر عن تذمره من أن داخل معبد جوبيتر قد «غدا مشوهاً بالكتابات العديدة التي كان السياح القادمون من جميع أصقاع الدنيا يخطونها على جدرانه».

وكذلك لم يعجبه تغيير الفرش التي كانت تخبّأ نهاراً داخل دواليب حائطية وتعويضها بـ{أسرّة معدنية أوروبية مجهزة بناموسيّات»، وأشكال أخرى من مظاهر زحف التقدم والحداثة.

وفي الوقت الذي شرع فيه أوبنهايم في إعداد كتابه للطبع معتمداً على التخطيطات التي أعدها في أثناء الرحلة، كان دبلوماسياً لدى القنصلية القيصرية في القاهرة، لكنه بعد اكتشافه لمستوطنة الحتّيتيين في تل حلَف خلال رحلة لاحقة إلى سوريا تحول باهتمامه إلى حقل علم الآثار.

إلاّ أنه، وبسبب الأزمات التي عقبت الحرب العالمية الأولى ونهاية الأمبراطورية العثمانية، قد رأى نفسه مجبراً على التوقُّف مرات عدة عن مواصلة عمله. وفي فترة ما بين الحربين أنشأ في برلين مؤسسة ومتحف «تل حلَف» لتجميع حصيلة الحفريات والمجموعة القيّمة من أعمال الفنّ الإسلامي التي كانت بحوزته.

البدو

الى ذلك يعتبر كتاب «البدو» لاوبنهايم في مجلداته الخمسة، الذي صدرت ترجمته الى العربية (دار الوراق 2004 )، نتاج بحوث ودراسات معمقة استغرقت أربعين عاماً قضاها المؤلف في الشرق الأوسط. وقد شارك اوبنهايم في إنجاز موسوعته «ارش بروينلش وفيرنر كاسل» وصدرت تباعاً باللغة الالمانية في خمسة مجلدات، ظهر الجزء الاول منها في لايبزغ عام 1939، والثاني في 1943، والثالث في 1952، والرابع في 1967 والخامس في 1968.

وكان اوبنهايم أخذ في الاعتبار ما كتب ونشر ولم ينشر من مؤلفات ومخطوطات وإحصاءات ووثائق وخرائط ومواد اثنوغرافية حول العشائر البدوية ونمط البداوة والترحال. ولذلك جاء الكتاب دائرة معارف شاملة حول جميع العشائر العربية في الجزيرة العربية.

أوبنهايم في سطور

من الشخصيات الفريدة التي تملك ذلك التنوع الهائل والكبير من الاهتمام في مواضيع الحياة. فهو القانوني والدبلوماسي والسياسي والمستشرق والآثاري والمخطط الإنمائي والإستخباراتي.

ولد في 15 تموز (يوليو) عام 1860 في مدينة كولون في ألمانيا من عائلة مصرفية تمتلك بنك أوبنهايم الذي أسّسه جده الأكبر في القرن الثامن عشر ويُعدّ من أعرق البنوك الاستثمارية في المانيا وما زال الى يومنا هذا. وهو الابن الثاني لألبريت وببولا أوبنهايم. أكمل دراسته الجامعية في القانون في جامعة ستارسبرغ عام 1879 التي كانت جزءاً من ألمانيا في ذلك الوقت، ودرس في جامعة برلين بين عام 1881- 1883، في شباط 1883 حيث نجح في امتحان الدولة وهذا الامتحان يؤهله للعمل في مرافق الدوائر الرسمية. وبعد شهر من ذلك التاريخ حصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة كوتنج وله من العمر 23 عاماً.

يعود بدء اهتمام أوبنهايم بالشرق منذ سنين المراهقة الأولى، ثم نضج وتطوَّر هذا الاهتمام بمرور الأيام وكان هذا الاهتمام والشغف ملازمين له، بل كانا موازيين لدراسته للقانون. دفع الولع والاهتمام والمثابرة أوبنهايم الى مجالات متنوعة وكثيرة، فقد توسعت دراساته وشملت مواضيع متعددة منها، دراسات الأنثروبولوجي، والتاريخ القديم، ومن ضمنها الدراسات الآشورية التي جعلت منه عالماً ضليعاً في الثقافات المتنوعة. فقد أصبح عضواً في المتحف الملكي الأثنولوجي في برلين، وعضواً في الجمعية الجغرافية الأنثروبولوجية والأثبولوجية، وكذلك في جمعية التاريخ البدائي وكلا الجمعيتين مقرهما برلين.

back to top