عباس زكي لـ الجريدة : النجاح في ملف البارد يشكل نموذجاً لباقي المخيمات انتقد خطاب شهيب في لقاء المصالحة ... واستغرب تهجم عون رغم التقارب التاريخي
بينما يعقد مسيحيو الأكثرية لقاءات مصالحة مع الفلسطينيين، ويشن مسيحيو المعارضة حملة منظمة عليهم، موجهين إليهم تهمة السعي إلى التوطين، يحاول ممثل اللجنة التنفيذية لمنظمة «التحرير الفلسطينية» في لبنان عباس زكي التنقل في حقل الألغام والانقسام اللبنانيين، مؤكداً أنه على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، يفتخر بلقاء المصالحة مع «الكتائب اللبنانية»، وإن كان يحمل على خروج بعض الكلمات عن النص، وتحولها إلى منبر للهجوم على سورية، ويستغرب موقف «التيار الوطني الحر»، الذي يتحدث عن مخطط توطيني للفلسطينيين في لبنان، رغم «التقارب التاريخي» بين الجانبين الفلسطيني و«العوني».
في حديث خاص بـ«الجريدة»، يفصّل زكي الرؤية الفلسطينية من مجمل القضايا الداخلية، ويستخلص من تجربة نهر البارد نتائج عدة، فيؤكد ان «الأمن اللبناني خبز بالنسبة الينا لأننا ندفع ثمن انهياره مضاعفاً»، مشدداً على احترام الفلسطينيين لشعاراتهم المساندة للدولة اللبنانية ووحدة جيشها واستقرارها.كما يكشف عن هيئة تنسيق ووثيقة موقعة من جميع الفصائل الفلسطينية في لبنان ستبصر النور قريباً، توحّد الرؤية الفلسطينية تجاه الدولة اللبنانية، وتسعى الى تحسين الوضع الانساني داخل المخيمات، والتخفيف من حدة الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني رغم التباين في وجهات النظر.* الى أي حد تؤثر الأزمة اللبنانية الراهنة في وضع الفلسطينيين في لبنان وتحول دون تنفيذ مقررات طاولة الحوار؟- تؤثر الأزمة اللبنانية تأثيراً بالغاً لأننا نعيش نفس الظروف التي يمر بها اللبنانيون، ونحن جزء منهم، وفي ما يختص بالتسهيلات التي تتعلق بحياة الناس وحالات الطوارئ كنهر البارد، اي التي تتناولها العلاقات بين شرعيتين كمنظمة التحرير وبعثتها والحكومة اللبنانية، فثمة تعاون وقطعنا شوطاً كبيراًَ، اما المواضيع الاستراتيجية التي تحتاج الى تشريع وقوانين من المجلس النيابي فلم تنجز.* الى أي حد ساهمت تجربة نهر البارد على مرارتها في تحسين العلاقات الفلسطينية -اللبنانية؟- أول الدروس المستفادة أن كل الناس شعروا بأن أي إيواء لظاهرة ارهابية أو أي حماقة قد تنعكس على السواد الاعظم من الشعب، لا بل أن مخيماً بأكمله دمر، وبالتالي ضمانة الا تتكرر تجربة البارد، وعي شعبنا وادراكه للتجاذبات الخطيرة القائمة في لبنان بين تيارين، فلماذا سيكون الفلسطينيون عنوان الشر؟ بالتالي، أصبح شعبنا بوعيه الجماعي يرفض الانجرار الى ما يقوده الى متاعب وتداعيات خطيرة.الجانب الآخر المستفاد منه هو حصول كيمياء بيننا وبين اللبنانيين، بحيث بتنا ندرك أننا لسنا ألغاماً موقوتة في البلد، بل نهتم بأمنه وسيادته واستقلاله، وفعلاً نحن كفلسطينيين نشعر ان الأمن اللبناني هو خبز بالنسبة الينا، لان انهيار الامن سيدفع الفلسطيني ثمنه مضاعفاً، ذلك أن أي سفارة قادرة على اجلاء رعاياها عبر الطائرة او الباخرة، واللبناني يمتلك جواز سفر محترما ويمكنه الذهاب الى أي بلد، أما الفلسطيني فسيبقى مكانه لأن لا جواز سفر بيده، ولا امكانات لاجلائه، انحيازنا للجيش لأنه يمثل رمزاً لوحدة البلد، وانحيازنا للامن لأن عدد الضحايا عندنا سيكون اكثر من اللبنانيين، لذلك من مصلحتنا كفلسطينيين ان نعطي للبنانيين الدليل تلو الآخر، اننا هنا ضيوف نحترم سيادة القانون، لدينا حقوق وواجبات، نريد ان يصبح الفلسطيني في لبنان كما في سورية والأردن ومصر، لا ان يبقى محكوماً عليه بأنه ذو تاريخ خلفه، لا يسمح له بالتعايش مع اللبناني.* هل النجاح في التعاطي مع ملف نهر البارد يمكن أن يشكل نموذجاً للتعاطي مع سائر المخيمات؟- حال أن يعود المخيم مخيماً، يمكنه أن يشكل نموذجاً للمخيمات الأخرى إن أحسن الاخوة اللبنانيون التعاطي معنا في هذا الموضوع، اما إذا بقي الفلسطيني في دوائر الشك ونريد مراقبته وتفتيشه، فيستحيل ان يصبح نموذجاً، ما يصنع الامن والاستقرار والسلم الأهلي ليس أجهزة الجيش والمخابرات، بل قناعة الجمهور والتعاطي معه بما يليق بكرامة الانسان، من هنا أعتقد أننا أمام امتحان، نجحنا في مرحلتي ضبط الوضع واعادة اعمار المخيم، ويبقى كيفية التعاطي بين الفلسطيني ومحيطه وأجهزة الجيش والأمن، مع العلم أن الجيش تعاطى بشكل إيجابي جداً.* بيَد من سيكون الأمن بعد إعادة إعمار المخيم وعودة قاطنيه إليه؟- قلنا إن الأمن والسيادة للبنان، كيف ننسّق نحن وهم باعتبارنا جزءا من الامن اللبناني. إذا أراد اللبناني أن يأخذ على عاتقه كل المسؤوليات في المخيم أهلاً وسهلاً، لكن عندها يجب ان يتوافر للفلسطيني ما يتوافر للبناني، بمعنى ان يكون المخيم مثل أي ضيعة لبنانية محكومة بنظام لبنان، الى ان نعود الى بلادنا، وكنا اقترحنا، بناء على مقررات الحوار لتنظيم السلاح في الداخل، تشكيل «لواء العودة»، يرتبط بقيادة الاركان وغرفة العمليات في الجيش اللبناني، ولكن غياب صورة الدولة اللبنانية الموحدة منذ حرب يوليو حال دون تحقيق ما اتفق عليه.* كيف تصف التنسيق بينكم وبين سائر الفصائل داخل المخيمات؟- هناك تباينات فلسطينية كبيرة لا سيما في ظل الانقلاب الذي أسمته «حماس» «حسماً عسكرياً»، ونحن الآن في صدد إعلان وثيقة أعددتها شخصياً، ونتبادل التعديلات مع التحالف الذي يضم «حماس»، على قاعدة صحيح ان وحدتنا مهمة جداً ولكن ثمة تباعدا في الفكر، وما يتعلق بقضية الاستلاب والاستيلاء، فما حصل في غزة ليس بالسهل لانه أعدم الى الأبد فكرة الدولة الفلسطينية. الفلسطيني في لبنان يعيش تحت الصفر، وهو انسان مع وقف التنفيذ، وبالتالي ما نلتقي عليه هو احتياجات المخيم وقاطنيه، من صحة وتعليم وبنية تحتية، وكيف نعطي الشباب رؤية للمستقبل كي لا يعاني من انفصام في الشخصية ويصبح بالفطرة منقسماً. نحن مع حرية الرأي والتعددية السياسية لكن ألا تصبح استراتيجية تدمي الشعب الفلسطيني الذي لا يستطيع اللقاء. نحاول ان نعطي أملاً على قاعدة رفض التوطين ورفض التهجير، ومن خلال جهد فلسطيني موحد وطرق كل الابواب لتحسين وتعويض الفلسطيني عن الايام السيئة. * هل تحمل هذه الوثيقة رؤية موحدة تجاه التعاطي مع الدولة اللبنانية وفي ما يتعلق بالأمن داخل المخيمات؟- بالطبع، عندما يكون هذا التنسيق بيننا كفصائل قائماً، يصبح بإمكاننا الاتفاق على رؤية موحدة تجاه أي موضوع مطروح للحوار مع الدولة اللبنانية، وفي ما يتعلق بالأمن، نحن متفقون مع الجيش على ان له خارج المخيم، ونحن لنا داخله، والدليل على ذلك أننا سلمنا منذ أيام المطلوب سمير معروف (عنصر من جند الشامن ومن أهم المطلوبين من الجيش اللبناني، بتهمة الاعمال الإرهابية وتهريب مخدرات وتزوير أموال)، وأي ظاهرة تهدد الامن اللبناني أو أمن المخيم نتبادل الرأي حولها.* في ذكرى 13 أبريل، عقد «لقاء المصارحة والمصالحة» بينكم وبين الكتائب في بيت الكتائب في الصيفي، هل هذا اللقاء كاف لردم الهوة بين الجانبين؟ وهل من خطوات استكمالية؟- في الحقيقة، الردم حدث منذ زمن، بدليل انه خلال 33 سنة لم تتجدد الهجمات الفلسطينية على لبنان أو الاقتتال بين المسيحيين والمسلمين، وفي غياب صيغة الدولة واشتداد الخطر على الشرق الأوسط وخصوصا لبنان، أعلنت في السابع من ديسمبر الفائت اعتذاراً تمثل في «اعلان فلسطين»، وثمة ناس محترمون في لبنان قرأوا وفهموا انني لا انتظر اعتذاراً، لأنني اعتذرت من أرواح الأبرياء. الظرف الحالي يتطلب شجاعة، ولقي الاعلان احتراماً في المجلس المركزي باستثناء احدى الفصائل التي انزعجت لعدم استشارتي اياها، وفي الواقع لو استشرتها لتمّ تعطيله.على الصعيد الشخصي، أعتبر أن هذا الاعلان بمنزلة إنجاز لأنني لمست مدى التغيير على ملامح اللبنانيين، ويأتي اعتذار 44 شخصية مسيحية من مطارنة وآباء وقادة بمنزلة تأكيد ان الموقف الصحيح الذي بدأته يجب ان يستكمل.بالعودة الى لقاء المصالحة والمصارحة، فقد تخلل بعض الكلمات التي شكلت هجوماً على سورية، ما كان يجب أن تقال وأنا عاتبت من خرج عن النص، لاسيما النائب أكرم شهيب، لأننا أتينا لردم هوة ونريد مصالحة، لم نأت لعقد تحالفات ولا خلق معسكرات متقابلة، وانا يهمني ما قلته وما قاله الرئيس أمين الجميل.الى ذلك، قدّم رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع اعتذاراً بصوته على إحدى شاشات التلفزة، ونحن مقبلون على جلسة قريبة مع التيار الوطني الحر، وبالتالي كل الوسط اللبناني يطالب بصيغ أرقى في التعاطي معنا، وعندما تصبح القضية الفلسطينية محتضنة من الجميع مع قناعة بأننا نسعى الى ايجاد مخارج عملية من المأزق وليس للعودة الى الماضي، فهذا يعيد لفلسطين شيئاً من الفضاءات التي تبشر بأن لبنان يخدم «فلسطين»، وان الشعب الفلسطيني في لبنان يخدم «لبنان» بما يجب أن يكون عليه الحال، في لبنان كن فلسطينياً الكل يعشقك، كن فلسطينيا وأكثر بقليل مع هذا الفريق أو ذاك الجميع يكرهك، نحن نمارس اليوم فلسطينيتنا ونتمنى ان نجمع شملنا كله تحت إطار موحد.* ألا تتخوفون من أن توظف هذه المصالحة، في ظل الانقسام اللبناني الراهن، في خدمة طرف من طرفي النزاع اللبناني؟ لاسيما انكم تتصالحون مع طرف مسيحي واحد؟- بالعكس، كنا لنذهب لزيارة رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون، فنحن اصحاب وسبق ان فتحوا لنا معسكرات في الجنوب، وتاريخياً عون قريب منّا ولا مشكلة بيننا لنسوي مصالحة، وأنا متفاجئ بهذه التصريحات.* برأيك ما خلفية هذه التصريحات؟- لا أعلم حقيقة، وإذا كان لديهم مصادر أميركية أو أوروبية أو اسرائيلية، فما علاقتنا نحن؟ هل هي قدر علينا؟ نحن واياهم متفقون ألا توطين، والدستور لا ينص على التوطين وتركيبة البلد الطائفية لا تسمح بالتوطين، لا يمكن أن نقبل أن يخل الوجود الفلسطيني بالتوازن الديموغرافي اللبناني. ونقول لمن يحرك موضوع التوطين ان اليوم ليس وقته، والمنطقة تشهد اعصاراً وظرفاً صعباً، ألا يرون إلا هؤلاء الفلسطينيين المساكين الموضوعين في غيتوات في المخيمات؟ في طاولة الحوار، جلست الاطراف اللبنانية مع بعضها، فلماذا ينتقدونني عندما اجلس مع أمين الجميل وانا في حاجة اليه، فأنا غريب وليد شعب منكوب وأريد ان يصلي البطريرك لشعبنا. الكل يقدر ما أعمله لكسب كل لبنان وليس جزءاً منه.* تتداول المواقع الالكترونية تسجيلاً لمقطع من مقابلة تلفزيونية تتحدث فيه عن انهيار اسرائيل ودحض الاسرائيليين من القدس، وهو ما يتنافى مع منطق التسوية، فما تعليقك على ذلك؟- ما قلته انا انه اذا استطعنا تحرير القدس، فستنهار فكرة الصهيونية وتتلاشى اسرائيل لأنهم يعتبرون القدس عاصمة أبدية موحدة، وبالتالي نعود حينها الى ما طرحناه عام 1968، وهو الدولة الديموقراطية العلمانية التي يعيش فيها المسلم واليهودي والمسيحي على حد سواء، ولم أقل اننا سنبقى نركض وراءهم حتى نخرجهم.