شجرة المسرّات سيرة ابن فضلان السرية المؤلف: محمد الأسعد الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
خالد سعيد حين وصلتني رواية «شجرة المسرات: سيرة ابن فضلان السرية» للشاعر والروائي الفلسطيني محمد الاسعد انتابني بعض الشك في أن ما سأقرأه سيكون متنا تجريبياً جديداً لهذا الكاتب الذي يكتب منذ عقدين تقريبا ً سرداً روائيا ً قوامه التجريب ويواصل هذا السرد بلا توقف عند هذا الشكل أو ذاك، أو من دون أن يؤخذ بإنجازه فيقدسه ويطوف به كلّما أصدر كتاباً. أقول هذا لأن رواياته السابقة «أطفال الندى» (1990) و»نص اللاجئ» (1999) و»حدائق العاشق» (2001) على التوالي قدمت صيغاً للمتن الروائي بلا سوابق ولا لواحق وهذا من خصائص المغامرة التجريبية. إن الفنان التجريبي لا يغامر بتقديم تجربة إلا ليغادرها إلى أخرى مختلفة لغة ً وأسلوبا ً وموضوعاً.
«شجرة المسرات»على هذه الأرضية. لم تفاجئني «شجرة المسرات» المدوّخة على حد تعبير أحد الأصدقاء ، مثلما لم تفاجئني هذه النقلة إلى عالم التصوف. فالمنحى الصوفي في التصور والتخيل لا تفتقر إليه رواياته السابقة خاصة «حدائق العاشق». وجدت ُ نفسي هنا أمام متن روائي مشبع بحاسة التصوف تتعدد طبقاته حتى ليصعب حصرها وتتعدد فضاءاته حتى ليصعب ارتيادها بلا دليل أو معجم ثقافي . فمرّة ً يجد القارئ نفسه أمام قراءات واسعة في التراث العربي، ومرة يجد نفسه راحلا على صفحات العقائد والفلسفات الشرقية والغربية ، ومرة يأخذه العجب من تلميحات إلى العلوم الحديثة والفنون، ويدهش مرات من التنقل الحر في عالم الآثار والحفريات. كل ذلك متداخل مثل خيوط في «زريبة» تحتشد زخرفتها بإشارات ٍ وتلميحات وإحالات على كتب ونظريات وشخوص وحوادث تخترق الأمكنة والأزمنة على امتداد ألف عام. الحس الصوفي هنا ينسجم مع هذا الأسلوب في النسج والتكوين، بل هو ضرورة فرضتها رؤيا تنظر إلى الوجود بوصفه شبكة علاقات. لا تنفصل فيه الأزمنة بعضها عن بعضها الآخر ولا يختلف فيه الظاهر عن الباطن ولا تفترق فيه الامكنة. هذه الرؤيا شعرية أو تحمل من الشعر طابعه الخالد؛ شمول الإحساس وعمقه. إن التصوف، أي الصعود إلى مراتب تعلو فيها البصيرة والبصر على الزائل والعابر، هو أيضا من خصائص النظرة الشعرية ووسيلة استكشاف للأسئلة الكبرى. هذا على صعيد الوسائل، أما على صعيد تقنيات السرد فإني لمحت ُ أصداء ذاك الأسلوب الأثير في الأدب العربي، أسلوب الليالي العربية أو بالأصح أسلوب الرواة الشعبيين، مضافة إليه عناية مفرطة بالمتعة والإمتاع وتدوير الكلام تدويراً يذكّر بشعراء الملاحم وهم يقصون أخبار أبطالهم أو يتقمصون شخوصهم إلى درجة الاندماج الكامل بهم فكراً وعاطفة ً. بل يبلغ التقمص درجة عالية من الشعرية فيصل إلى الشجر والحجر والمياه ويتحول السرد إلى نشيد يحتفي بالحوادث والشخوص والمواقف، لكنه لا يركز عليها فهي ليست المقصودة لأنها في النهاية رموز وعلامات تشير إلى ما هو أعمق وأبعد من وجودها العابر ذاته. أحمد ابن فضلانالمنطلق أن الرحالة العربي أحمد ابن فضلان (من القرن الرابع الهجري) رحل في سفارة إلى بلاد البلغار على ضفاف نهر الفولغا ووصف رحلته في المخطوطة المشهورة المنسوبة إليه والتي اكتشف نصها غير الكامل كما يرى بعض المحققين ونُشرت وترجمت إلى عدة لغات ووجد فيها الباحثون الروس أقدم وصف لأسلافهم الفايكنغ الذين يشكلون مع السلاف صلب الكيان الروسي. لكن الراوية لا يلتفت إلى هذه المخطوطة أو ليست موضوع روايته، بل إلى ما يرى أنها مخطوطة أخرى سرية لابن فضلان كتبها أو أملى فصولها على كاتبه ورفيق رحلته «ابن العلوي» ولم تصل المخطوطة إلى بغداد لأن ابن فضلان لم يرجع ( بحسب الراوية ) إلى بغداد بل اقام في بلاد البلغار وهناك عاش حياة مختلفة لم تذكرها كتب التاريخ وإن حوتها المخطوطة السرية. إذا ً، يبتكر الكاتب تحت عنوان «شجرة المسرات» مخطوطة ذات موضوع مختلف ومعها يبتكر سيرة للمخطوطة ذاتها تحكيها الأيدي التي تداولتها وعلقت عليها وسير الشخوص التي تأثرت بها. حين تتجاور العصورلناحية الموضوع، تتحدث المخطوطة ويتحدث الناس ويتحدث الباحثون ويتحدث الراوية عن تحولات روحية ألمت بأحمد بن فضلان تحت تأثير حياته في بغداد العباسية في فترة شهدت ذروة ازدهار الحضارة العربية – الإسلامية، كما شهدت بداية الانحدار الحضاري في الوقت نفسه. ويبتكر الكاتب لابن فضلان ماضياً يعود به إلى مدينة «يثرب» وهربه منها إلى بغداد في شبابه وهناك يبدأ حياة وعلاقات تصله بكتب الحضارات المجاورة وبأم الخليفة المقتدر وحوادث عصره وأعلامه مثل الحلاج والجنيد كما تصله بشعراء بغداد وصعاليكها وفقهائها. تمنحه هذه أرضية للتحول الثاني الذي سيلم به خلال رحلته بين القبائل الهمجية وخلال إقامته في بلاد البلغار ومعرفته بالسندي تاجر القوارير وحامل مبادئ العقائد الهندية. ويصل ابن فضلان عبر تجاربه تلك وتحولاته إلى مراتب روحية عليا تماثل مراتب المتصوفة في رفضهم نظم الديانات الرسمية وتأكيدهم على العلاقة الروحية بمنبع الوجود أي الله بلا وساطة من النظم والطقوس.اما لناحية سيرة المخطوطة فقد عُرفت كما يقول الراوية في الأزمنة القديمة والحديثة إذ تداولها رهبان التيبت وعلق عليها الشيخ الرئيس ابن سينا وقرأتها قرة العين البهائية واتخذتها إيزابيل ابنة البابا الروسي الهارب مرشدا ًروحياً في الصحراء الجزائرية وعرفها الاشتراكيون والفوضويون الروس في سويسرا وبطرسبورغ، إلخ. بل عُثر على هوامش دوّنها في المخطوطة الموجودة في مكتبة الدراسات الشرقية في بطرسبرغ عدد من الأشخاص مثل الديسمبري الشاعر ريليف والشيخ المصري عياد الزهراوي المدرس في الجامعة هناك والشاعر السوري الهارب من قبضة العثمانيين رزق الله حسون وناقش ما ورد فيها من حكايات حول نسبية الزمان والمكان وطبيعة المادة علماء فيزياء الكوانتم من أمثال هايزنبرغ ونيلز بور وآخرون. كل هذا من نسج خيال الراوية بالطبع، إلا أنه خيال جامح ومدوخ كما أسلفت ينقل القارئ من عصر إلى آخر كما لو أن العصور متجاورة لا متعاقبة، فلا تعاقب في هذا المزيج من أساطير عربية وهندية ويابانية واسكندنافية ومن اجتماع حكمة الطاو بحكمة القرآن أو اجتماع جدل الفقهاء بأقوال المتصوفة والمجان وكذلك الشعراء.