أربعون نائباً لبنانياً في الأسر حتى إشعار آخر في حصن فينيسيا...أكثرية تشتاق الى الحرية!

نشر في 18-11-2007 | 00:00
آخر تحديث 18-11-2007 | 00:00

إذا كان اسم فندق فينيسيا مرتبطاً سياحياً بذكريات تاريخية جميلة، مُدّ فيها السجاد الأحمر وعبَرَ عليه ملوك وأمراء ورؤساء... فإنه حالياً يرتبط بذكريات «أمنية» يحملها نواب الأمة اللبنانية الذين ينضوون في خانة الأكثرية، طالما حيوا!

نأخذ إذناً ونذهب. نصل. يفتشوننا تفتيشاً دقيقاً. ندخل من باب ونخرج من آخر. ندخل مصعداً لنخرج الى رواق. نعبر جنب مطعم. نصعد درجاًً. ندور في مكان مقفل. نصل الى جناح. ندخل. ننتظر. ينتظر معنا رجل الأمن المرافق. يصل رجل أمن مخضرم. يطرح علينا جملة أسئلة ويطلب أجوبة محددة: كم ستدوم الزيارة؟ كم من الوقت تحتاجون؟ من ستلتقون تحديداً؟ يتمنى علينا ألا نطيل اللقاء. يحصل على وعد. ينتظر معنا. النوافذ ملغاة. الستائر السميكة تقفل الأفق. الشاشة الصغيرة في وضع الانتظار. اننا في سويت رقم 1902 في الطبقة التاسعة عشرة من فندق فينيسيا.

يصل النائب في كتلة المستقبل باسم الشاب في ثياب رياضية «سبور». لا ربطات عنق في فينيسيا. يتكئ على أريكة ويبدأ كلامه معتذراً نيابة عن زميله في الغرفة الواحدة النائب عاطف مجدلاني «لن يستطيع الانضمام الينا لأنّ لديه ضيوف». الشاب شاب سناً أيضاً، عنده أربع بنات، اثنتان منهما في جامعة في الولايات المتحدة الأميركية. تزوج باكراً. يرنّ هاتفه الخليوي فيعتذر: «إنها زوجتي». يجيبها: «هاي حياتي...». لم يرها منذ أيام. الظروف الأمنية الخطيرة التي يعيشها لبنان قطعت شمل بيوت نواب الأكثرية وجعلتهم أسرى جدران الفندق الأربعة! والجنة، كما تعلمون، «من دون ناس لا تداس!».

ماذا بدّل «الأسر القسري» في حياة النائب باسم الشاب؟ وما مدى حنينه الى منزله في بعبدا؟ وهل تزوره زوجته وابنتاه الصغيرتان في فينيسيا؟ تلمع عينا النائب وهو يجيب عن مسائل يعشقها، عن البيت والأسرة والمهنة «انني طبيب، جراح قلب. مضى عليّ خمسة أشهر، تحديداً منذ استشهاد النائب وليد عيدو، لم أدخل خلالها غرفة عمليات، ولم أنم في منزلي، ولم أستفق صباحاً على وجهي ابنتي الصغيرتين. نحن، نواب الأكثرية، أكثر من يريد التوافق ويسعى اليه. نريد أن يعود لبنان كما كان، وأن نعود الى حيث كنا. نريد أن نحيا وشعبنا بسلام في دولة مستقلة سيّدة حرة».

عشرون نائبا من أصل أربعين يسكنون فندق فينيسيا منذ ستين يوماً تقريباً تبوأوا مقاعدهم النيابية حديثاً فهل ندموا؟ النائب باسم الشاب مقتنع برسالته النيابية كاقتناعه برسالته الطبية لكنّه يخشى كثيراً على مهنة عمره ويقول «العمل الجراحي يتطلب استمرارية. لا يمكنني أن أستمر أسيراً، عاجزاً عن تحريك يديّ. اشتقت الى مرضاي والى غرفة العمليات». ليس النائب باسم الشاب الطبيب الوحيد بين نواب الأكثرية في فينيسيا. النائب عاطف مجدلاني طبيب أعصاب. والنائب مصطفى علوش اختصاصي جراحة عامة والنائب عزام دندشي طبيب أمراض داخلية وأورام والنائب عمار حوري طبيب...

كيف يمضي نواب الأمة اللبنانية، في فريق الأكثرية، أيامهم في فندق فينيسيا؟ وماذا عن بدء العدّ العكسي للاستحقاق الرئاسي في الرابع والعشرين من نوفمبر الجاري هذا؟ وهل يتوقعون أن يخرجوا من سجنهم القسري قريبا؟

زيارات المعارضة

الاجتماعات تتلاحق في فينيسيا. والنواب يلتقون يومياً مع سفراء وسياسيين «ليسوا على لائحة الاغتيال» يزورونهم في سجنهم الذي شُبّه، من قبل الساخرين، بخمس نجوم! نواب من المعارضة زاروهم أيضاً منهم سليم سلهب وغسان مخيبر ووليد الخوري... لكن الوقت يمرّ بطيئاً بالنسبة الى النائب الشاب الذي يقول «لا حركة هنا. نمضي النهار كلّه في الغرفة. المكان محصور. لا شمس ولا هواء. ليس شعوراً مريحاً أن نكون تحت الحراسة الشديدة على مدار الساعة».

النائب في اللقاء الديموقراطي فؤاد السعد متشائم من المرحلة المقبلة ويتوقع الصمود في صومعته الى ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية. النائب باسم الشاب يتوقع انتخاب رئيس جمهورية قبل الرابع والعشرين من نوفمبر الجاري بالنصف + نصف، لأن نصف عدد النواب اليوم هو 63 نائبا ونصف نائب، وذلك كما حصل يوم انتخب في سبعينات القرن الماضي الرئيس الراحل سليمان فرنجية ويقول «لن تكون هناك، عكس كل التكهنات، حكومة انتقالية، سننتخب رئيس جمهورية جديداً وحكومة جديدة، وأي حكومة ثانية لن يعترف بها لا لبنانياً ولا عربياً ولا دولياًَ، والمعارضة تعرف هذا جيداً».

النواب الأربعون يعقدون اجتماعاتٍ يومياً ويخطّطون لغدهم وغد اللبنانيين، ويحلّلون ما قد تؤول اليه الجلسة النيابية المقبلة وما بعدها. وهم ألّفوا لجنة قانونية تعمل، من فينيسيا، على تفسير المواد الدستورية ويتبادل أفرادها الآراء.

النائب في كتلة اللقاء الديموقراطي هنري حلو حاول أن يتأقلم مع واقعه وهو يسبح ويركض في نادي الفندق، بمعدل ساعة يومياً تقريباً، وهو يمشي مسافة تسعة كيلومترات. ماذا عن النائب فؤاد السعد؟ هل يمارس الرياضة؟ يجيب «أمارس الرياضة أقل من هنري... إنه فارق العمر». الرياضة ترفع من معنويات النواب المأسورين في أوتيل «خمس نجوم».

ولدت في شهرين، في فينيسيا، مشاعر زمالة حقيقية بين زملاء المجلس النيابي اللبناني، في فريق الأكثرية، خصوصاً أنّ النواب الأربعين يتشاطرون الأجنحة، كل اثنين أو ثلاثة في جناح: النواب فؤاد السعد وهنري حلو وأنطوان سعد في جناح. والنائبان عاطف مجدلاني وباسم الشاب في جناح، والنائبان وائل أبو فاعور وأكرم شهيب في جناح، والنواب أيمن شقير وفيصل الصايغ وعلاء الدين ترو في جناح...

مطالعة

نسبة التفاؤل، بين النواب الأربعين، قليلة. النائب حلو يعبّر «كيف سيقبل حزب الله بإدخال سلاحه ضمن الدولة. هو يريد رئيساً توافقياً يعطي شرعية لبقاء سلاح الحزب». التوافق إذاً مستبعد والأرجحية تبقى الى رئيس + واحد (أو + نصف).

يتسلى النواب في سجن «الخمسة نجوم» بالقراءة. النائب باسم الشاب حصل قبل أيام قليلة، في الرابع عشر من نوفمبر الجاري، على كتاب هدية من وليد جنبلاط يحكي عن مراسل في الحرب العالمية الثانية وفظائع النازية والأنظمة الشمولية، وقدّم الشاب هدية الى وليد بك كتابا اسمه the decline of the west يحكي عن الحرب العالمية الأولى. النائب هنري حلو يقرأ أيضاً كثيراً وتتراوح قراءاته عادة بين السياسية والرومانسية، وهو قرأ منذ وصل الى فينيسيا خمسة كتب: كتاب للأميركي تشومسكي، وكتاب اسكندر نجار عن بيروت، وكتاب للفرنسي لوران غوديه، وآخر لغسان سالم عن سياسة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. النائب فؤاد السعد يقرأ هو أيضاً ويمسك، في بعض قراءاته، ورقة وقلماً مدوناً ملاحظاته.

يستغرب نواب الأكثرية تعليقات بعض نواب المعارضة على وجودهم في فينيسيا، لا سيما كلام وئام وهاب حول «أنّهم يختبئون مثل الفئران» ويقول الشاب «يُشعرنا السيد وئام وهاب كم كان العهد السابق، الذي جعل منه وزيرا، بائساً. وهاب أكبر خدمة إعلامية لنا وهو عبء على حلفائه. يا لحظ المعارضة به!».

زوجة باسم الشاب نينا سالم الشاب وهي دكتورة في علم الأنسجة في الجامعة الأميركية تزوره باستمرار وتأخذ ثيابه المتسخة وتستبدلها بأخرى نظيفة. وزوجة فؤاد السعد وابنته لميا يزورانه مرتين على الأقل أسبوعيا. وزوجة هنري حلو وأولاده الثلاثة لورا وألكسندرا وبيار يزورونه أحياناً ويتناولون طعام الغداء معه... حياة النواب اللبنانيين، جناح الأكثرية، تبدلت جداً وأصبحت النيابة عبئاً لا جاهاً!

بدأ العدّ العكسي الى الاستحقاق الرئاسي. ماذا سيحصل؟ هل يُفك أسر النواب؟ هل يزول عنهم خطر الاغتيال؟ المرحلة حاسمة ولا شيء فيها ثابت إلا يقين النواب أنّهم سيصمدون بعد الرابع والعشرين من تشرين كما فعلوا قبل هذا التاريخ «أمام مشروع إعادة سيطرة النظام السوري على البلد وتحويل الأكثرية الى أقلية».

في فينيسيا، «الفندق- الحلم» عيون تنتظر بفارغ الصبر ساعة يزول الخطر عن نواب الأمة اللبنانية ويعود كلّ ممثلي الشعب الى بيوتهم ومكاتبهم... متى؟ لا يبدو أنّ الجواب في فينيسيا ولا حتى في لبنان!

back to top