غذاء التجربة الشعرية...!!
يقول بول فاليري «الأسد مجموعة الخراف المهضومة»، وهو يؤكّد من خلال هذا القول على ضرورة التأثّر والتأثير، ليس في الآداب فحسب، بل في كلّ مناشط الحياة، ذلك أنّ الحياة بطبيعتها تنمو من خلال التواصل، سواءً كان ذلك على مستوى الأفراد، أو على مستوى الأمم، وبالنظر إلى هذا القول العميق نجد أنّ كلّ تجربة هي بالضرورة امتدادٌ لتجارب الآخرين، حتّى إنّ الجديد لا يعدّ جديداً ما لم يكن متّصلاً بالسياق العامّ لما وصل إليه الآخرون، إذ هو بدء اللاحق من حيث انتهى السابق....وفي فنّ الأدب تكمن ضرورة التلاقح بين الأفكار، سواءً على مستوى الأمّة الواحدة، أو على مستوى الأمم المختلفة، فالرومان - مثلاً - لم يحقّقوا أصالتهم إلاّ بعد محاكاتهم للأدب اليوناني، وأدب النهضة الأوروبيّة لم يقم على ساقيه إلاّ بعد أن توكّأ على محاكاة الآداب القديمة لليونان والرومان معاً، وهكذا استمرّ تطوّر الحركة الأدبيّة في أوروبّا.
..وعندما اتّصل الأدبان الأوروبيّ والعربي، وتبادلا التأثّر والتأثير، نتج عن ذلك تلاقحٌ في الأفكار ونموّ للتجارب الشعريّة، فتطوّر الشعر العربيّ متأثّراً بالمذاهب الأدبيّة ومدارس الشعر الغربي، فقرأنا ذلك في الشعر الحديث، وصار الشاعر ينهل من ثقافةٍ ثرّةٍ، تمدّ جذورها في التراث، وتتمدّد فروعها في أفق عالميّ رحب، وإنّا وإن كنّا نعيب على بعض الشعراء الذين نقلوا تجارب الغرب وثقافتهم من دون مراعاة لمدى ملاءمتها للثقافة العربيّة، وبالتالي طمس معالم الأصالة في الشعر العربيّ، إلاّ أننا لا ننكر أنّ ثمّة شعراء فتحوا باب الإبداع للشعر العربيّ على مصراعيه، وجعلوه شعراً عالميّاً، متجدّدا، وربما بقراءة سريعة للشعر المهجريّ ندرك مدى ما وصل إليه الشعر العربيّ من تأثّر بالمذاهب الشعريّة الغربيّة، إضافة إلى الشعراء الذين أفادوا من هذا الانفتاح من دون أن تندرس آثار الأصالة في شعرهم....وبالعودة إلى قول فاليري السابق ندرك أنّ عمليّة التأثّر والتأثير ضرورة إبداعيّة للشاعر المبدع الذي يحتفظ بأصالته، فيوظّف كلّ تجارب الآخرين لخدمة تجربته، ولا يغفل خصائص أدب أمّته الذي به يكون أنموذجاً أصيلاً لمن بعده من الأجيال اللاحقة....من هنا يتّضح أن انعزال تجربة الشاعر عن المحيط الثقافيّ والشعريّ، وعدم دورانه في فلك التجارب الشعريّة المتلاحقة، والمتلاقحة أيضاً، يفضي بها - أي التجربة - إلى الضمور والحركة في أفقٍ ضيّق، وبالتالي إعلان موتها مبكّراً أو بقائها ناقصة النموّ مشلولة الأطراف لا تخطو خطوةً واحدةً إلى الأمام!