حوار في الممنوعات
تأليف: نزار دندش
عن الدار العربية للعلوم تنطلق حوادث الرواية من استراليا مع فارس وولدَيه باسم وباسمة. يطرح الولدان اسئلة على والدهما وهو يجيبهما بتحبب واستئناس. يدور الحوار اولاً حول موضوع الخضوع للقانون كما هي الحال في استراليا حيث غُرِّم رئيس الوزراء لأنه خالف قانون السير، والتعالي على القانون وتجاوزه كما يحدث غالباً في لبنان... وفارس يشكر الله لأن سفره الى استراليا كان نعمة له ولأولاده. ثم ينتقل الحوار الى مواضيع اخرى، وكثيراً ما يتناول موضوع الزواج مع أن باسم في الثالثة عشرة من عمره وباسمة في العاشرة. يلتقي فارس، في إحدى جولاته بصحبة ولدَيه، صديقاً قديماً له، عامر فيقبل هو نحوه ويحييّه بحرارة فيتجاهله عامر ويردّ التحية ببرودة ظاهرة. وإذ يتعجب ولداه من هذا التصرف يعرض لهما والدهما سيرة عامر وبتفصيل مستفيض. فهو كان على رأس حركة سياسية واجتماعية تعمل باندفاع في سبيل الإصلاح والتحرر، وكان زملاؤه معجبين بإخلاصه وثقافته ويعملون بتوجيهاته. بين هؤلاء المناضلين كانت فتاة ليلى، تجمع بين الجمال والذكاء والاندفاع في العمل، وكان زملاؤها يتسابقون لكسب رضاها. كان الإعجاب متبادلاً بينها وبين عامر وما لبث ان تحوّل الى حبّ جارف. ملكت ليلى عقل عامر وقلبه وأصبحت في نظره مجسّدة لكل الآمال والقيم التي يناضل من أجلها. غير ان القدر كان متربصاً بهما. إذ يطلب ابن أحد وجهاء الضيعة مرشد يد ليلى يوافق والدها على الفور من دون ان يأخذ رأي ابنته. تصاب الفتاة بصدمة هائلة وصدمة صديقها لم تكن أخفّ وطأة. بعد فترة من المعاناة والإضراب عن الطعام والمرض، توافق فجأة على الزواج من مرشد الذي لا تعرفه ولا تحبه ولا تري فيه أي صفة من الصفات التي يتمتع بها عامر. هكذا يروي فارس قصة عامر لولديه وهما لا يكفّان عن طرح الاسئلة بإلحاح وهو يجيبهما بما يعرفه من تفاصل وكأنه بذلك يبرر تصرف عامر تجاه ولديه وتجاه نفسه. أصبحت قضية عامر تشغل بال فارس وهو يجهد ليتقصّى أخباره وأحواله من بعض اصدقائه فيكملون له الصورة ويزوّدونه بالمزيد من المعلومات. أما فارس فيعود الى أستراليا بعد أن صرف ماله في لبنان، ليبدأ حياة جهاد جديدة. ولكنه لم يعرف الاستقرار. ها هو مجدداً في قريته وحده من دون أسرته. يتردد على ليلى التي اصبحت وحيدة، فيتبادلان الذكريات وأحاديث الوجد. وإذا به يطلب يدها للزواج فتوافق. وتلك هي قصة «حوار في الممنوعات» في خطوطها الرئيسية وبعض تفاصيل مراحلها. إذا تناولنا الأحداث بحدّ ذاتها نجد انها مادة كافية لرواية، بل ان بعضها يمكن ان يكون كافياً. فهي حوادث غنية لعدد كبير من القضايا العاطفية والاجتماعية والوطنية: معاناة الحب، تفقد العلاقات الانسانية وتضارب الأهواء، معاناة الاغتراب، التحولات التي طرأت على المجتمع اللبناني... تنتمي الرواية الى الأدب الواقعي. فالحوادث لا تخرج عن نطاق الواقع الحسّي، والحوارات لا تخرج عن حدود القضايا الحياتية والعملية. لا رموز ولا مجازات، بل دلالات حقيقية مباشرة، ولا أجواء خارقة، ولا مفاجآت تتحدى المنطق وقوانين الطبيعة كما نجد في بعض الروايات ذات المنحى العبثي او الاستيحاء الغرائبيّ. ولكن كل ذلك لا يكفي لانتساب الأثر الى الفن الواقعي. مفهوم الواقعية ملتبس وهو دليل ضعف وعجز في بعض معانيه ودليل قوة وحيوية وبُعد إنساني في معانٍ أخرى. نميّز بين نوعين من الواقعية: خارجية تعتمد على المراقبة والنقل الحسّي المباشر للأشياء والحوادث والشخوص، فهي أشبه بالتصوير الفوتوغرافي، وواقعية نفسيّة صادرة عن قدرة تحليلية تتخطى الظاهر والحسيّ لتنفذ الى أغوار النفس بحثاً عن الدوافع وتفسيراً لما يحدث في الخارج، ولتجسّد المشاعر والأفكار والأهواء في مشاهد نابضة بالحياة. فمقابل الصورة الفوتوغرافية لدينا لوحة فنية، ومقابل التقارير الصحفية وتسجيل الأحداث لدينا أثر أدبي. تختلف النظريات الادبية أشدّ الاختلاف، لكنها تتفق على اعتبار مجال الأدب الفعليّ الممكن والمحتمل لا الحاصل الراهن. فمنظّر الكلاسيكية بوالو يقول: «الواقع حقيقةً: قد لا يكون ممكن الوقوع: ذلك ان الاول خاصّ ومحدود وقد لا يتكرر، في حين أن الثاني عامّ وشامل لأنه دائم الاحتمال». وزولا المغرق في الواقعية تنظيراً وإبداعاً روائياً يدعو الى الانطلاق من حوادث واقعية، لكن لإظهار آليتها يجب توليد أحداث جديدة وتوجيهها. يجب تعديل الطبيعة من دون الخروج منها. إنه دور القدرة التحليلية ودور الخيال المبدع؛ وبفضل قدرة التحليل والتخيل يخلق الكاتب التنوع في المشاعر والأطباع والأخلاق وينسج حياة الشخوص نسجاً دقيقاً ينمو ويتطور ولا يتخذهم مكتملين جامدين وهو يحركهم كما تحرَّك الدمى. شخوص الرواية إذ أعدنا الى قصة «حوار في الممنوعات» لتقويمها بحسب هذه المفاهيم والمعايير الفنية، يتوضح لدينا هذا «الشيء» أو هذه «الأشياء» التي شعر القارئ بأنها مفقودة أو أن وجودها غير متحقق بالفعل. فالحوادث الخارجية كثيراً ما تطغى على الحالات النفسية، وشخوص الرواية كثيراً ما تُروى حياتها ولا تواجه الحياة مباشرة، وما إن تتأزم المواقف وتقترب من نسج حبكة دراماتيكية حقيقية حتى يتلاشى وتنحلّ في موقف وعظي أو استطراد عرضيّ أو «دروس» في الثقافة الجنسية. لذلك نجد الأسلوب التقريري البارد غالباً على الأسلوب التحليليّ والتجسيدي الحيّ، وكثيراً ما تُختزل المواقف في صوت واحد: راوٍ يقصّ وشخص آخر يستمع. ويزيد في إضعاف الوحدة الفنيّة وانحلال الجو الحكايات التي تدخل عرضاً وتعطّل الحركة أو تبطئ المسيرة الرئيسية للرواية حيث تظهر شخوص فجأة ثم تختفي بلا سبب جوهري: - هل سمعتَ بقصة دعد التي تزوجت خمس مرّات؟ - هل سمعت بقصة فدوى التي قبرتْ ثلاثة أزواج؟ - هل قصّوا عليك حكاية أمل وحسن؟ وتطول حكاية أمل وحسن وتكثر فيها الاستطرادات والتعليقات وتكرر الحوارات الباردة التي تضعف جو القصة، وعبثاً تحاول عناصر الإثارة الجسدية إحياءه، إذ تتخذ في كثير من المواقف الأسلوب العاميّ الذي يلامس الابتذال، أو أسلوب التقارير الطبية. والواقع أن الأسلوب بشكل عام تقريري، وصفي، قليل التنوع، كثيراً ما يفتقر الى الحركة والحياة. فهو غلاف للحوادث والمواقف أكثر ممّا هو جسد حيّ لروحيها. وهو غلاف ساهمت في هلهلته بضع أخطاء لغوية كان من اليسير تجنبها بقليل من التروّي. من هذه الأخطاء ص 69 «الأعزب»، «لما لا» والصواب: العازب، لمَ لا (بحذف الألف). ص 71: «يضمر من قنال حجابها» والصواب: يغمز من قناة، والقناة سكة الرمح وهو تعبير مجازي قديم كما في البيت المشهور: «وكنتُ إذا غمزتُ قناة قوم كسرتُ كعوبها أو تستقيما» ص 72 «دون أن تتساءلين»، والصواب: تتساءلي. ص 73: «تشغل بال كل منهما على حدا». والصواب على حدة (بالتاء). ص 77 «هل تسمحي لي» والصواب: تسمحين. ص 104 «امسح يداي» والصواب: يديّ. ص 105 «كم من جاهل يحيا لكن لا يعيش» والصواب: يعيش لكنه لا يحيا، لأن الحياة أوسع وأغنى وأرقى من العيش. ص 166 «ماذا عساهم أن يفعلون» والصواب: أن يفعلوا. ص 174 «جزع شجرة» والصواب: جذع بالذال. ص 179 «أيها الزوج ذا الذوق الرفيع» والصواب: ذو لأنه تابع لتابع مرفوع. ص 181 «العوازل» والصواب: العواذل (بالذال لا بالزاي). ص 186 «الساعة تشير الى الثانية عشر» والصواب: الثانية عشرة. ص 189 «بمشاعدة ولدَيه الذين» والصواب اللذين... إن مادة الرواية الناجحة الواقع النفسي الذي يتفاعل ويتطور مع الحوادث ويتجسّد في نماذج حيّة تنسج ملامحها المميزة خيوط دقيقة من المشاعر والمواقف المتأزمة أكثر مما تبنيها الحوادث المفاجئة والصاعقة ومواقف الخطابة والوعظ. الروائي يبث الحياة في شخوص روايته فيعيشون حياتهم الخاصة، ولا يتخذ الرواية مسرحاً للحوادث المثيرة أو منبراً للوعظ ونشر الأفكار أيّاً يكن نوعها ومستواها.